مع اتساع دائرة الدول المستهدفة من الانتشار الارهابي الاخير، تظهر انعكاسات سياسية واضحة على سياسات كثير من الدول. اوروبا، التي دخلت في حالة هلع حقيقي مع توالي الاخبار والمعلومات عن حجم ارتباط وتورط كثير من الرعايا والمقيمين فيها بدوائر الارهاب العالمي وتنظيماته الكثيرة.
شعور الاوروبيين اليوم لا يخلو من المرارة، كثير من المسؤولين الامنيين يؤمنون ان الخطر يتفاقم، وان اوروبا قد تكون على موعد مع ضربات مؤلمة في القريب العاجل اذا لم يتم التعامل مع الموضوع بطرق غير تقليدية.
ظهور معالم التطرف الى السطح في اوروبا واستغلال الكثيرين لواقع حقوق الانسان والخدمات المجتمعية و التسهيلات الحياتية باتت تمثل معضلة حقيقية للطبقة الحاكمة خصوصا في تحديات كيفية التعامل مع هذا الواقع وتحولاته الخطيرة.
وزير الخارجية النمساوي اتهم قبل اسابيع تركيا بتغذية التطرف في بلاده، وقبل ايام دهمت الشرطة النمساوية اماكن لخلايا جهادية منتشرة في كثير من المدن النمساوية. هذا التحرك فاجأ الجميع خصوصا اننا نتحدث عن واحدة من اكثر دول العالم هدوءا واستقرارًا، فالحديث هنا عن النمسا وليس عن بريطانيا وفرنسا او ايطاليا واسبانيا أو حتى بلجيكا.
هذا الرعب الاوروبي يفتح اليوم نقاشا واسعا عن الاسباب الرئيسية لهذا الارهاب، ويعيد النظر في كثير من السياسات المتبعة، لكنه بلاشك بات يشير الى خطر تتم تغذيته من الخارج.
اتهام وزير خارجية النمسا لتركيا لم يأت من فراغ وفقا لمطلعين على المشهد الامني الاوروبي، بل على العكس هناك دلائل واثباتات على حجم هذا التورط، وعلى الخطر الذي باتت تشكله سياسة اردوغان على مستقبل اوروبا.
يرى بعض المختصين الامنيين ان السياسة الاردوغانية اعتمدت على تحويل البوسنة لقاعدة عمل تهدد الاستقرار الاوروبي، وتجعل اوروبا مضطرة للاعتماد الكامل على تركيا في كثير من الملفات الامنية.
الاوروبيون يستشعرون الخطر من الداخل ولكنهم يدركون حجم الخطر القادم من الخارج ايضا، ويدركون ان اغلاق الاعين عما يجري في ليبيا هو خطر قد يتحول الى كابوس مقلق لكل دول اوروبا.
لهذا فان المناخ السياسي الاوروبي يتجه في هذه المرحلة نحو انجاز ثلاث نقاط اساسية، الاولى: العلاقة مع تركيا واعادة ترتيبها، وقد مثلت زيارة البابا فرانسيس الى تركيا اوضح الرسائل لاردوغان الذي اصر على عدم التقاطها او الالتفات لها، لهذا قد يحمل رئيس الوزراء البريطاني رسالة أخرى قريبا لاردوغان.
اما النقطة الثانية فهي ضرورة التحرك باتجاه وقف الخطر المتنامي في ليبيا. مناخات هذا التحرك تظهر بوضوح في ايطاليا المتأثرة الكبرى من الوضع الليبي، وفي فرنسا التي ناقش رئيسها مع الرئيس المصري هذه التطورات في زيارة الاخير الى باريس. اما النقطة الثالثة والاخطر فتتمثل في طبيعة التعامل مع الخلايا الجهادية والجمعيات والافراد المساندين لها في الداخل الاوروبي ومعظمهم من حاملي الجنسيات الاوروبية.
اوروبا في دائرة الخطر وعقلها السياسي والامني باتا يتحركان وفقا لهذا الهاجس، لهذا فالسياسة الاوروبية على موعد مع تحولات في طبيعة التعامل مع كثير من الملفات والازمات.
يقول مسؤول امني اوروبي رفيع: "كيف لنا ألا نقلق ونحن نرى بعض من عاشوا بيننا يقطعون الرؤوس بعد ايام فقط من مغادرة البلاد، هذا يعني باختصار اننا محاطون بقاطعي رؤوس ينتظرون أوامر التحرك".
عن العرب اليوم