هيمن الاعلام الحكومي على مدار عقود عدة على وسائل الاعلام المختلفة،امتلك خلالها بشكل حصري المادة الإخبارية الشحيحة، لم ينافسه أحد على عرشه فباتت الرتابة أكثر ما يميزه، حاله كرجل استيقظ متاخراً متثائباً، فلم يواكب الصباح بمستجداته ولم تخرجه تعابير وجهه من شرنقة خبر استقبل وودع الحاكم، ورغم ذلك انتزعت الصحافة مكانتها كسلطة رابعة لها من النفوذ والتاثير ما لا يمكن انكاره او تجاهله.
وقبل عقود كنا نمضي الكثير من الوقت في ضبط هوائي التفاز علنا نتمكن من التقاط صورة مشوشة للقناة المصرية الأولى، كنا نرقب متغيرات الطقس لا نريد للسحب أن توقف موجاتها، ونحملق بتركيز فائق في الشاشة كي نصل إلى ملامح الصوت أو الصورة، والجمع بينهما أضغاث أحلام، على الجانب الاخر دقات ساعة «بيغ بن» ينثرها المذياع في الشوارع، ليتبعها صوت رخيم معلناً «هنا لندن»، وصوت العرب يكابد وهو يشق طريقه إلينا، هذه هي مكونات الاعلام التي كانت تصلنا، فيما الصحافة المكتوبة نصل إليها بشق الأنفس.
تبدلت الأمور وازدحم الفضاء بالمعلومات، وباتت حيرتنا في الانتقاء مما هو في متناول أيدينا وطوع رغباتنا، والأهم ليس في تنوع ادوات الصحافة والاعلام ولكن ما باتت تتمتع به من رشاقة تمكنها من سبر أغوار الخبر، لم تكتف الصحافة بمكانتها كسلطة رابعة، بل تحولت لصناعة تنافس الصناعات الانتاجية الأخرى، خلال السنوات القليلة الماضية دخل رأس المال إلى غرف الصحافة المختلفة، ومنحها قدرة فائقة على الانتشار الأفقي والرأسي، وتحول الاعلام الخاص لقوة مؤثرة في توجيه الرأي العام، ومما لا شك فيه أن اصحاب رؤوس الموال ممن اقتحموا مجال الاعلام وضعوا نصب أعينهم جني المكاسب المالية من وراء استثماراتهم فيه ومن جانب آخر الاستفادة من قوة التأثير الذي يخلفها الاعلام على مكونات المجتمع الرسمية والشعبية، ما يمكن أن يسجل للاعلام الخاص أنه كشف عورة الاعلام الرسمي وأطاح به جانباً، وإذا ما قدر للاعلام الخاص أن يقتح آخر معقل للاعلام الرسمي المتمثل في وكالات الأنباء، فمن المؤكد أن ذلك سيكون بمثابة تخلي الاعلام الرسمي طوعاً أو كراهية عن دوره، فلن يكون بمقدوره الصمود أمام الملايين التي تحرك عجلة الاعلام الخاص.
بالمقابل، تقنية الاتصالات وما فتحته من ابواب واسعة في التواصل الاجتماعي «فيسبوك وتويتر» ومن قبلهما المواقع الالكترونية وما توفره الشبكة العنكبوتية من قدرات، خلقت اعلاماً جديداً، ينافس بجدية الاعلام الرسمي والخاص، وهو ما اصطلح على تسميته بالاعلام الشعبي، حيث يتطوع الملايين من البشر في صناعته، والقدرات البشرية التي تشارك في نقل وتوزيع الخبرفيه لا يمكن لأي جهة أخرى منافستها.
صحيح أن الاعلام الشعبي لا يعترف ببعض مستلزمات الاعلام من إخراج وصياغة صحفية وتحليل، ويتسم بالصفة العشوائية ولكن حتى هذه تجعله أكثر مصداقية كونه يخرج على طبيعته دون تجميل وبعيداً عن مبضع الرقيب وقنوات التوجيه، وهو أشبه ما يكون بوجبة شعبية لها مذاقها الخاص، من الواضح أن التطور المضطرد في تقنية الاتصالات وسهولة الوصول إليها والتعامل معها ستزيد من قدرة وفعالية الاعلام الشعبي، ليس فقط في نقل المعلومة وتداولها وإنما وهذا هو الأهم في صياغة الرأي العام، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار متطلباته التي باتت تقتصر على هاتف نقال هو في متناول الجميع.