الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الانتصار الجزائري تجربة فريدة في كفاح الشعوب

الانتصار الجزائري تجربة فريدة في كفاح الشعوب

تاريخ النشر: 2023-07-02 | 14:47

صالح عوض
صالح عوض

تهل ذكرى الانتصار العظيم في 5 يوليو 1962 يوم خرج الشعب يهتف في شوارع الجزائر: يامحمد مبروك عليك الجزائر رجعت ليك
نشيد: إفسحوا لهم الشوارع والبيوت المنكوبة تروهم يخرجون من خوابي القمح والماء.. يتقدمون.. يتقدمون نحو الانحناءات العظمى فيلغون معادلة الطغيان والظالمين.. يثبتون على الدرب بقية من دمهم فيتوهج مجدا و مشاعل.. قافلتهم تنهض من جديد..تبث الأمل والدم.. وتوزع الابتسامات والياسمين.. يعودون هذا الصباح (أمير) و(إمام) و(فرسان)..
أصمتوا أيها الفقراء الطيبون قليلا، فلا ينبغي في حضرتهم إلا الصمت.. اقتربوا من خرير الدم رويدا رويدا، واهتفوا.. : يازمن المذابح والمجازر دُلّنا على سبب النصر أهو السيف أم الدم ؟.. إنه الدم .. الدم المنتصب كالمارد يرد الأشرار ويدحر الغزوة عن الأطفال والشمس.
سلاما سلاما للدم المشرع على بوابات الجزائر قوس انتصار..ولأخوات الشهداء ولأمهاتهم ولزوجاتهم و لأبنائهم سلاما سلاما..
قافلتهم تسير في موكبها الوضيء ونحن نلملم أحرف الوعي علنا نركب جملة واحدة في مستوى دمهم.. في مستوى جهادهم ضد الصليبية..
وفيما يواصل نهر الدم تدفقه المبارك.. فيا فواصل الدم في أعمارنا دلينا على بوابة القدس !.
حربهم الضرورية سمة حضارتهم:
في النصف الثاني من شهر يونيو (حزيران) 1830 بدأ تنفيذ الحملة الفرنسية على الجزائر على اعتبار أنها ستحقق حلا لكل المشكلات التي تواجه عجلة التقدم الاقتصادي والرفاه الاجتماعي في فرنسا والتي كادت تتعطل بسبب الاستنزاف الذاتي الناجم عن الانقلابات المتتالية في جهاز الحكم، وعلى اعتبار أن هذه الحملة ستضع حدّا للمطالب الجزائرية المتكررة بتسديد الديون المستحقة على فرنسا.. وستحسم السيطرة على موقع استراتيجي ضمن تخطيط ميزان القوى الدولي حيث صراع النفوذ وقوانينه يومذاك.
وكان لابد من دافع عقائدي لتحريك تلك العملية الضخمة والخطيرة في آن واحد.. فكان أن بلغ التحريض الصليبي ضد الجزائر ذروته ليس في فرنسا فحسب بل في كامل أوروبا التي تكررت معاركها مع الجزائر في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر وأصبح إنهاء حالة التمرد الجزائري على النسق الغربي إرادة دولية .. لذا كانت الحملة الفرنسية على الجزائر حملة غربية صليبية بقيادة فرنسا شعارها :" إضاءة أرض الجزائر بالإنجيل لينبعث من هناك إلى أرجاء إفريقيا " ونحو هذا الهدف تمت عملية تعبوية شاملة للمجتمع الفرنسي بل للشعوب الأوروبية التي أسهمت إلى حد كبير في إنشاء نظام (الكولون) المعمرين الذين نزعوا الأراضي من الفلاحين الأصليين واستوطنوها بالقوة والقهر .. وهكذا فقد كان قادة الحملة التاريخيون من أمثال (بيجو) و(لافيجري) و(تاليران) و(دانريمون) وغيرهم قادة صليبيين بكل ما يعنيه تعريف الصليبية السياسية .
وفي أوائل شهر يوليو (تموز) 1962 خرج شعب الجزائر إلى الساحات والميادين العامة تغصّ به الشوارع، نساؤه تزغرد وشبابه يلوحون بقبضات أيديهم في السماء وحناجرهم ـ بلا سابق إشعار ـ تتفق في لحظة عفوية مع حركة التاريخ وقوانين الصراع وسننه لتهتف على لسان واحد :" يا محمد مبروك عليك الجزائر رجعت ليك ".
من أواخر شهر يونيو (حزيران) 1830 إلى أوائل شهر يوليو (تموز) 1962 استمرت الحرب شرسة وشاملة على كل المستويات كرا وفرّا .. شهدت ألوانا من الصراع الحضاري بين مجتمعين مختلفين بل بين نموذجين مختلفين: نموذج يمثل الشرق بعقيدته وقيمه وشبكة علاقاته الاجتماعية وتراثه و(ضعفه) الراهن ونموذج يمثل الغرب بطبيعته ومنهجه ومطامحه وأساليبه وهيمنته الراهنة.
اتضحت في المعركة طبيعة الغرب وعلى أية أرضية تتشكل مشاريعه وصيغ حلوله لمشكلاته وبأية منهجية تنتظم مجموعة أفكاره .. وانكشفت في المعركة كل أبعاد الصراع وطبيعته وكيف توظف الوسائل وتنبثق الأساليب من جنس طبيعة الصراع وجوهره.
وكان جليا أن هذه الحرب ليست حرب فرنسا على الجزائر فقط إنما هي حرب صليبية نفذتها فرنسا ضد موقع استراتيجي من مواقع العالم الإسلامي لزحزحة الهيمنة الإسلامية وفرض الهيمنة الغربية على إفريقيا وشمالها .. هذا هو الإطار العام لهذه الحملة التي ستحقق بالتأكيد كل الأهداف الاقتصادية كتحصيل حاصل .. فما كانت هذه الحرب إلا فصلا متواصلا للحروب الصليبية السابقة في المشرق والمغرب والأندلسوإن تغيرت لغة الخطاب السياسي المرافق لها.
إن المعركة حضارية بكل أبعاد المصطلح .. وإن الانتصار الغربي العسكري على الجزائر إنما هو انتصار حضاري بالتأكيد .. معنى ذلك أن التقدم العلمي الغربي وحسن حشد الطاقات البشرية، كل هذا استطاع أن يثبت ولو إلى حين قدرته على تحطيم كيان الأمة وتفتيت أبنيتها الثقافية والاقتصادية والسياسية رغم أنها أمة تمتلك رصيد العقيدة الخيرة المعجزة، ورصيد التاريخ والتجربة وتمتلك أدوات أساسية كافية تماما لاستمرار تواصل السياق التاريخي وذلك لأن هذه الأمة كانت في جميع أقطارها تتجه إلى نهاية دورتها الحضارية الأولى وما تعنيه هذه النهاية من تراخ ووهن وانشغال بقضايا جانبية وجزئية وعدم تنبه للمخاطر الخارجية ومخططات الغرب. أي أن منهج الأمة منهج توحيد الشهادة بالغيب .. المنهج المحرض دوما ضد الطغيان والعدوان والتجزئة انحسرت دائرة فاعليته حتى من إدارة ديار المسلمين كتتويج لتركيز السلطة بشكل وراثي فج متخلف افقد المنهج إمكانية الحضور في ظل تبعثر منظومة القيم وفقدان الإحساس بأهمية الأسباب والوسائل لمواجهة الأخطار الخارجية هذا من شأنه أن أرسى واقعا، تُبنى عليه المصالح العامة والمؤسسات المتعددة في ديار الإسلام مما سمح لمنهج الغرب منهج الطغيان والعدوان والتجزئة أن يهجم على الأمة محقّقا ـ ولفترة ما ـ انتصارا عسكريا أعقبه انتصارات على عدة مستويات : ثقافيا، حيث أرهقت الحملة الفرنسية مؤسسة الأمة الثقافية تفريغا أو احتواء إلى إلغاء وكان لطابور المستشرقين القساوسة (الآباء البيض) الدور الرئيسي في صياغة برامج الإلحاق الثقافي أو التدمير الثقافي .. وقامت الحملة الفرنسية بإلحاق جميع المؤسسات التي أنشأتها أو صوّرتها في البلاد المستعمرة بـ" الوطن الأم "ـ فرنسا ـ وتميز في الوضع الاجتماعي فئتين: فئة مستعمرة منهوبة مستلبة منهكة متخلفة فقيرة بل معدمة لكنها مع كل ذلك متميزة عن النمط الغربي وترفض حالة التقليد وتتشبث بالقليل القليل المتبقي من هويتها وثقافتها .. وفئة مستعمرة تمتلك الأرض انتزاعا وسطوة وتمتلك قنوات التجارة بعد أن كبلت التجارة المحلية وتمتلك الوسائل والمواد الأساسية احتكارا بعد أن حطمت الصناعة المحلية. وبين هذين النموذجين ظهرت شريحة اجتماعية صغيرة استطاعت ثقافة المستعمر التقاطها وتدريبها وتلقينها بأفكار الغرب، ورتبت الثقافة الاستعمارية لهذه الشريحة نمط حياة معينة وأنشأت لها منهجا في التلقي والتفكير والتعامل وعرفت هذه الشريحة باسم (النخبة).
وحاولت النخبة لفترة طويلة اتخاذ موقع الوسط بين النموذج المستعمر الرافض لمحاولات التذويب والاحتواء والنموذج المستعمر المحاول بكل الوسائل تفتيت الحالة المقاومة بتدمير بواعثها العقائدية وتشويه رموزها التاريخية وإغراقها في معارك وهمية.. فمرة بدا وكأن هذه النخبة رسول المجموع لدى الحالة الاستعمارية ومرة العكس تماما إنها رسول الاستعمار تتكلم بلسان يفهمه المجموع بمنطق تبريري وبحجج الواقعية السياسية وبأساليب أنشأت لديها ضمن إطار المدرسة الثقافية التغريبية التي لا ينتج عنها إلا حالة القبول بالأمر الواقع وما يستلزمها من منطق تبريري.
واتضحت في المعركة كم هي شرسة ولا إنسانية هذه الحضارة الغربية التي استهدفت تدمير كل مقومات الإنسان ـ في الجزائر ـ الثقافية والاجتماعية .. وكشفت المعركة بين فرنسا والجزائر عن عدوانية الحضارة الغربية وهمجيتها وعنصريتها.. فلقد صبّت من الظلم على أهل الجزائر (مجازر وإبادة وتدميرا) ما لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحصى .. هذا كله على جبهة الغرب وفرنسا.
أما على جبهة الأمة فاتضحت في هذه المعركة طبيعة أمتنا وهنا لابد أن أشير إلى أن البحث لم يبذل ما تستحقه هذه المسألة الهامة وإن كان قد حاول أن يقول : إن هذه الجولة التي خاضتها الأمة في الجزائر ضد الصليبية ممثلة برأس حربتها الحملة الفرنسية إنما هي امتداد طبيعي للحروب السابقة التي لم تضع أوزارها بعد ولذا فإن الأمة في الجزائر تحركت بدوافع التحرك الطبيعي لها في كل معاركها السابقة .. دوافع العقيدة والجهاد والتاريخ.
وما يهمني هنا وبشكل أساسي هو رصد حالة تطور الكفاح منذ الأيام الأولى لشهر يوليو تموز 1830 وحتى الانتصار الكبير بانطلاق ثورة نوفمبر 1954 المجيدة وما هي العوامل التي ساعدت على تطوره من جهة وكيف تشكلت وتنامت حالة التماسك بين الإرادة والوعي والفعل في مشروع المقاومة العسكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي استمرت مائة وثلاثين عاما من جهة أخرى .. وكذلك كشف البواعث الأساسية في ذروة الوصول إلى تماسك الإرادة بالوعي المتمثل في أخطر قرار اتخذته الأمة في القرن العشرين ـ أي بعد سقوط الخلافة العثمانية ـ قرار ثورة الشعب الجزائري في فاتح نوفمبر 1954.
وكما أن الانتصار الفرنسي أو بمعنى أصح وأدق غلبة فرنسا على الجزائر تصنف تحت عنوان المعارك الحضارية فإن ثورة الجزائر نوفمبر 1954 لا تصنف إلا تحت العنوان نفسه فهي ثورة عقيدة وحضارة وأمة تجمّع لديها قرارها رغم كل جراحها وآلامها .. ثورة اكتشفت ذاتها وبواعث نهضتها فكسرت كل القيود.. وهي بذلك ـ ثورة نوفمبر ـ انتصار ليس للجزائر فحسب بل لكل الأمة الإسلامية وهي رد اعتبار للإرادة والوعي الإسلاميين في مواجهة الهجمة الغربية وهي إذ ذاك تعبير عن انتصار الإنسان وإرادته في مواجهة اللاإنسانية والعنصرية والهمجية التي تسلحت بها الحضارة الغربية في مواجهتها لاهل الجنوب.. وهنا قد يكون واضحا أي مدى من الفداحة بلغته جريمة الكتاب الغربيين والتغريبيين عندما حاولوا أن يفرغوا هذه المعركة التاريخية من محتواها العقائدي وذلك بعزلها عن سياق كفاح الأمة التاريخي أو بقطع التواصل بينها وبين انتمائها الحضاري المتميز قصد حصرها داخل حدود جغرافية مصطنعة وخوف أن تمتد إشعاعاتها إلى خارج الحدود حيث كانت أجزاء الأمة بحاجة ماسة إلى استيعاب الدرس الجزائري لاسيما في المشرق العربي.. وحيث كان لابدّ لهذا الانتصار أن يكون قاعدة لتحرير المغرب العربي وشمال إفريقيا المسلمة ووحدتها ويكون إذ ذاك كما أراد له القادة التاريخيون الذين بعثوا الأمة في الجزائر وأشعلوا لها فتيل الثورة ..حيث كان تحرير المغرب العربي ووحدته الهدف الكبير.
* * *
لقد كانت المقاومة الجزائرية منذ أن وطئت أقدام أول جندي فرنسي أرض الجزائر إلى سنة 1954 ميدانا للتنامي الفكري وتعدد الرؤى وإن كان بعد الأصالة محركا لها جميعا .. وهو بدوره خضع أيضا لقانون التطور والتعميق، فمن مفاهيم صوفية أخلاقية بسيطة ـ مع عظيم دورها التاريخي في سني الكفاح الأولى ـ إلى مفاهيم تجديدية فكرية عميقة لها نظراتها الفلسفية والاجتماعية والسياسية التي تحتكم إلى الإيمان العميق والوعي الدقيق كما كان واضحا في سنيها الأخيرة.
لقد كانت مقاومة العدوان الأجنبي تتم على كل المستويات وإن أخذت أشكالا متنوعة وفق المراحل التاريخية المتلاحقة فمن مقاومة مسلحة استمرت سبعين عاما إلى مقاومة سياسية وثورة ثقافية استمرت خمسين عاما.. إلى ثورة شاملة ـ ولدت من رحم الثورة الثقافية والمقاومة السياسة وبرصيد المقاومة المسلحة ـ استمرت بضع سنين قلعت خلالها الوجود الاستعماري من كل الجزائر.. أي يمكن القول بشكل أكثر وضوحا أن الوعي الجمعي والفعل الجمعي قد نضجت خياراتهما الحضارية بشكل قطعي وتحددت أساليبهما ووسائلهما بشكل دقيق على أرضية عودة الذات الحضارية المستقلة والمتميزة وعلى أرضية الوعي بطبيعة العدو وأساليبه وجوهر الصراع معه.
ان الثورة الثقافية وتجديد الذات الحضارية التي قام بها الإمام إبن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي والعربي التبسي وإخوانهم العلماء تعتبر ـ بحق ـ أخطر مراحل تصدي الأمة للهجمة العدوانية على الجزائر إذ كان المشروع الغربي في هذه المرحلة يقضي بتوجيه الضربة القاضية للانسان والمجتمع الجزائريين وذلك بإلغاء الإنسان الجزائري لغة ودينا وهوية وتفتيت شبكة علاقات المجتمع بعدم السماح للقيم الخاصة بالمجتمع الجزائري من التعاضد والتكامل.. فكانت انطلاقة ابن باديس هذه بداية أخذالأمةبزمام مبادرة الرد الحضاري.. ومع ذلك فإن البحث لم يستطع أن يعطي هذه المرحلة من الحجم والشواهد إلا ما يسمح به الحيزللحديث ل بتغطيةما سبق وما يلحق من جهة؛ وما خطط ونفذ أو كان قيد التنفيذ في سلم مراحل أولويات المشروع الغربي من جهة أخرى .. ولهذا فالأسف عميق على هذا التقصير ولكن يهديء الروع ما يوجد للإمام والجمعية في نفوس شعب الجزائر المسلم من مكانة رغم محاولات التغريبيين والسطحيين من التقليل من دورها.
لقد قرأت مقالا في ثمانينات القرن العشرين في مجلة (البديل) لكاتب لبناني يقول فيه :" أن الشيخ البشير الإبراهيمي عادى ثورة نوفمبر هو وجمعية العلماء المسلمين واستمرا في عدائهما لها من أول يوم للثورة ".. يبدو أن الكاتب لا يعرف شيئا عن تاريخ كفاح شعب الجزائر.. ولم يحط خبرا بتاريخ جمعية العلماء المجاهدة والتي كانت هي الخط الأول في جهاد الشعب ومقاومته لكل عمليات الإذابة والتهميش .. إن العلماء المسلمين في الجزائر نفضوا الغبار عن مخطط الإذابة والإدماج والإلحاق وأظهروه على حقيقته فتصدوا له بمنهجية فائقة الوعي والأثر.. و نفضوا الغبار عن أسباب التخلف بأسس العلم وطاردوا الخرافة بالحقيقة فأيقظوا الأمة من سبات؛ وحددوا لها معالم شخصيتها الحضارية المتميزة بحكمة وعلم وفي تنفيذ هذه المهمة عادت اللغة العربية رشيقة جميلة ومجالا للتنافس والإكرام وانكشف الميدان عن أدباء ومفكرين وصحفيين ومفسرين مجتهدين وشعراء من الطراز الأول.
وجاءت ليلة الإثنين فاتح نوفمبر 1954 مكثفة للإرادة الحضارية التي قاومت الاستعمار مائة وأربعة وعشرين عاما.. وجاءت مكثفة للوعي بطبيعة المعركة وبجبهة الأعداء، وباكتشاف الحلقة المركزية في الصراع.. وجاءت مكثفة للفعل المبني على الإدراك بضرورة المواجهة الشاملة ضد الهجمة الشاملة.. فكان الانطلاق بكل أولئك.
وكشفت الثورة الجزائرية في سنواتها القليلة كم كان الغرب جاهلا وعاجزا عن تقدير دور الباعث العقائدي لدى الشرق وذلك هو مايصيب المستعمر المستكبر من غرور واستعلاء.. فظن أنه بجهده وبما أوتي من قوة مدعوما بالإرادة الدولية يمكنه أن يسحق الثورة ويقتلعها في وقت قليل.. لكن الثورة التي أودعت صدر الشعب وحددت قوانينها نتيجة تجارب تاريخية عديدة ومليئة بالنماذج المتنوعة من الصراع والتي وضعت نفسها ضمن سياق كفاح الأمة التاريخي ضد الصليبية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنهزم وإن أصرت الإرادة الدولية على ذلك،قال تعالى:﴿إن تنصُروا الله ينصُركم﴾﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾.
وبالفعل كسرت الأمة ـ كعادتها دوما ـ طوق إرادة الشر الدولية وإجماع الاستكبارالعالمي الذي تعامل مع وضع الجزائر جزءا تابعا لا يتجزأ من فرنسا .. وبفعل حضاري يشبه المعجزة أرجعت الجزائر إلى عمق الذاكرة العربية والإسلامية كجزء مهم واستراتيجي من مشروع الأمة في النهضة و في مواجهة الاستعمار.. وبرزت في سنوات الثورة القليلة القوانين الأساسية والسمات العامة لمعاركنا التاريخية ..وامتلأت بملايين المشاهد والصور الرائعة التي لم تكن إلا في تلك الملاحم التاريخية العقائدية (بدر) و(اليرموك) .. وفي هذه السنوات تجلت قدرات عظيمة وتكشفت طاقات مخبوءة وانفرز جيل من القادة التاريخيين: (بن مهيدي) (مصطفى بن بولعيد) (العربي التبسي) و(عميروش) و(زيروت يوسف) .. والقافلة الكريمة .. .. هذا الجيل الذي حقق النقلة النوعية البعيدة وشبه المستحيلة والذي أعطى بنباهته وبسلوكه الميداني اليومي الدليل على ان الثورة كانت فعلا حضاريا كبيرا بمستوى المعركة الكبيرة الدائرة بين الأمة والغرب الاستعماري.. انه جيل لم يتلق دروسا في منهجية التحليل أو التخصصات التاريخية والإنسانية والعملية في جامعات الغرب أو الجامعات التابعة للغرب .. إنما تلقى الدروس من واقع الكفاح والمأساة الناجمة عن الهجمة الصليبية من عمق آلام الناس وطموحهم.. جيل الروّاد هذا ما حفظ سوى القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم و .. جيل الرواد لم تختلط عليه المنابع .. لقد استخلص قوانينه من تاريخ الأمة الجهادي واستمد قوة ثورته من إرادة الشعب ووعيه.. من بن مهيدي هذا الناسك الزاهد النبيل قارئ القرآن قائم الليل كأنه أحد أهل التصوف حسب وصف والده.. إلى مصطفى بن بولعيد هذا الرجل المتفاني الذي يأبى أن تفر مجموعته من السجن بعد أن يتمكنوا من إيجاد طريق للفرار قبل أن يصلي بمجموعته ركعتين شكرا لله .. وزيروت يوسف الذي يقضي ساعات ليله مهموما تسأله أمه عن سبب ذلك فيجيبها " إن كلمات إبن باديس لم تترك لي وقتا للراحة " وعميروش إمام المسجد ومعلم القرآن والعضو القيادي في جمعية العلماء. والعربي التبسي شيخ المجاهدين في الجزائر ومرجع الإفتاء في الجمعية.. إلى آخر آلاف الشواهد الجهادية التي كانت تقتدي بعقبة بن نافع وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي.. فكانت كلمة السر للثورة :عقبة ـ خالد.. وكان الهتاف الأول لساعة الصفر: الله أكبر.. وكانت الأسماء الحركية للمذيعين الأوّلين للثورة صلاح الدين وطارق بن زياد وهذا أمر لا تخفى دلالته.
لقد استهدفت الهجمة الصليبية مغرب العرب ومشرقهم .. وقاومتها الأمة في كل مكان ببقية الروح المنهكة.. إلا أن أشرس المعارك على الإطلاق هي تلك التي وقعت بين الأمة والصليبية على أرض الجزائ.. والشراسة هنا تأتي بفعل اصطدام حالتين في غاية التناقض فالاستعمار مقتنع أن باستطاعته تدمير الحالة الجزائرية بعزلها عن بقية الأمة وتفريغها وحصارها بالفقر والجهل والمرض.. مما سيضمن له ـ حسب تصوره ـ إنهاء هذه الحالة تاريخيا وإلحاقها بشكل نهائي ذيليا بالحالة الغربية الفرنسية وذلك من شأنه ان يوفر له فرصة السيطرة على كل إفريقيا.. أما حالة الثورة فقد انطلقت على أرضية المفاصلة التامة مع الحالة الاستعمارية وفي إطار المبادئ الإسلامية محددة أهدافها ضمن نفس المبادئ مستلهمة شعاراتها التي تحمل مصداقية عالية من طبيعة تاريخها الجهادي أشكالا ومضامين فكان الشعار:(الجزائر وطننا والعربية لساننا والإسلام ديننا).. وبرزت قوانين الحرب في الإسلام وأخلاقها جلية في يوميات الثورة وعادت الحياة تدب في مفاهيم الأمة بقوة (الوحدة، الشهادة، الفداء، التضحية، الإيثار، الإقدام، الصبر، الجندية، التواضع..).
بين إرادة المستعمر المدعوم بالإرادة الدولية والمجهز بترسانات التفوق العسكري الاستراتيجيوالثورة النقيض الفكري والحضاري التام في الجهة المقابلة نشبت المعركة .. وكان لا يمكن أن يستمر وجود هذين النقيضين سويا في الجزائر كما قال الشهيد الشيخ العربي التبسي:" بعد الآن لم يعد بوسع الجزائر أن تتسع للجزائريين والفرنسيين فإما الجزائريين وإما الفرنسيين ".
***
البحث في الثورة الجزائرية ضد الحملة الفرنسية الاستعمارية يحاول أن يكشف وهم المقولات التبريرية التي تجعل من (عدم التوازن الاستراتيجي) و(الإرادة الدولية) حججا للسكونية والمهادنة بل والاستسلام .. إذ أن الثورة الجزائرية تقول وبشكل واضح أن القوة الحقيقية تكمن في الشرط الذاتي في الإرادة والوعي والامتلاء باليقين.. الإرادة على مواصلة الكفاح ،والوعي بطبيعة العدو وأساليبه والإيمان بالذات وعوامل نهوضها واليقين بالنصر .. هذه هي نقطة الانطلاق. أما الوسائل والإمكانات فنبدأ بما يتوفر ونخوض من المعارك ما نستطيع ونستعين ببعض الأقدار على بعضها .. وهذا قانون إسلامي أساسيبل وقانون ثابت في سيرة المنتصرين ..اهتدت إليه الثورة الجزائرية في لحظة البدء وانطلقت منه.
وعبأ الثوار ما وسعتهم التعبئة.. جمعوا ما يمكن تجميعه من أسلحة وذخيرة ومعلومات عن ثكنات العدو وتجمعات شرطته وعسكره ومصالحه الاقتصادية.. و كلفكل قائد منطقة مجموعة تختص بكل هدف عسكري.. وفي أشهر قليلة تم بناء جهاز سياسي مهمته التحريض والتوعية والاتصال، وجهاز عسكري من مجاهدين وفدائيين وإن كانت شعبة الفدائيين في البداية لم تكن هامة كثيرا.. وكان ضروريا ومنذ البداية أن تنطلق الثورة في كامل الجزائر وفي لحظة واحدة.. وانتصف الليل وحاول مؤشر الساعة أن يقفز إلى النصف الأخير من الليل فسبقه المجاهدون في بعض المدن الجزائرية وجبال الأوراس الأشم وكانت الصرخة : الله أكبر .. وكانت الإنفجارات دويا كأنما الصاعقة .. تلك الليلة كانت أسوأ ليلة على جنود فرنسا وجنرالاتها في الجزائر .. كما انها كانت أصعب ليلة يجتازها المجاهدون .. إنها الليلة المعجزة وبداية التحول التاريخي النهائي الذي انتهى بالاستقلال.
جاءت الثورة الجزائرية بهذا العنفوان وهذا الهجوم المتصاعد على الوجود الاستعماري ليكون واضحا أمام ثوار كل العالم ومجاهديه أن الحقوق لا يمكن أن تنال عبر المباحثات والعمل الدبلوماسي فقط فالاستعمار لا يفهم إلا بلغة العنف المضاد .. ولأن الاستعمار المستكبر لا يتصور أن بإمكان الآخرين بلوغ الحياة الكريمة وانهم فقط خدم له ولا يتصور أن الآخرين يستطيعون أن يحكموا أنفسهم أو أن يعيشوا مستقلين لأن المستعمر مؤمن بهذا جميعه فإنه سيكون لزاما التعامل معه بالعنف. وبمقدار ازدياد العنف المضاد (الذي تنفذه طلائع الأمة) سيتخلى الاستعمار عن قناعاته شيئا فشيئا .. إن هذا درس من أوضح دروس الثورة الجزائرية والتي تعتبر مثالا لكل ثورات العالم.
وجاءت الثورة لتضرب بعرض الحائط الصيغ الحزبية النخبوية في العمل الثوري ولتقدم (صيغة) عمل ـ مقاومة مستمدة من روح الأمة وتاريخها حيث تصبح الأمة كلها هي الإطار والحزب المعني بالقيام بواجب الثورة فمنذ اللحظات الأولى كان واضحا لدى مفكري الثورة وقادتها صيغة العمل هذه فهاهو بن مهيدي يخاطب لجنة القيادة قائلا :" ساعدوني على إنزال الثورة إلى الشعب أضمن لكم الانتصار ".. وتعاضدت الجهود جميعها على أن تكون صيغة الجهاد متسعة لكل طاقات الأمة وقادرة على توجيهها إلى خط المواجهة المباشرة مع العدو .. ومنذ البداية يتم تجميع هذه الطاقات وبعثها نحو هدف محدد وهو تحرير الجزائر وطرد المستعمرين.
وجاءت الثورة الجزائرية لتكشف عن خطأ مقولة:" مرحلة التربية الأخلاقية والإعداد النفسي قبل الدخول في القضايا السياسية والجهادية ".. وجاءت كذلك لتكشف عن حقيقة الإعداد والتربية.. فالإعداد يكون بحسب المتوفر والمستطاع، والتربية في قعر المعركة حيث الدم والمعاناة والجوع والجراح والسجون.. وان أي انتظار يعني إعطاء العدو فرصة ويعني تراخي العزيمة من جهة أخرى ،هذه هي التربية العملية والتي مارستها الأمة في كل معاركها التاريخية من لدن محمد صلّى الله عليه وسلم إلى اليوم .. المهم أن تتقدم مجموعة من الرجال الصفوف وتحسن إدارة أشخاصها وأفكارها وأشيائها وتجيد مخاطبة الأمة وتعبئتها وتحسن ذبح العدو في الضرب على الحلقة المركزية في وجوده .. وفي هذه المعركة الشاملة والشاقة تزكو النفوس وتعلو الهمم وتشرق الأرواح وتتساقط الأوهان الدنيا ويتساقط معها المتساقطون..وتتنامى ساحة الجهاد
***
إنه موضوع متشعب تشعب الحياة البشرية ومجالاتها ومتشابك تشابك أهداف الاستعمار وخططه ووسائله وأساليبه و منطلقاته وإنه تصادم هذا جميعه بعقيدة الأمة وأخلاقها وكرامتها .. فإنه لمن احترام الذات الإشارة إلى القصور العظيم الذي يسم هذا البحث الذي قد يكون ـ رغم كل ما بذله من جهد ـ عبارة عن إشارة لموضوع ضخم كبير متعدد الجوانب يطول فيه الحديث ويتشعب .. فإن مجرد الرد على الكتب والدراسات التاريخية المؤرشفة في أكاديميات الغرب عن الثورة الجزائرية أو على الكتب المدرسية التي تدرس لأولاد العرب والمسلمين أو على الكتاب العلمانيين التغريبيين .. إن هذا فقط يحتاج جهدا عظيما فما بالك بحديث في الموضوع الأصلي حيث الصراع اليومي.. وحيث مئات الشهداء الذين يسقطون يوميا؟.. إنه حينذاك سيقرع باب السجون والمعتقلات ويسجل أنواع الإجرام الاستعماري في (بربروس) و(الجرف) و(برواقية) والمحتشدات العسكرية حيث أنواع التعذيب كانت كثيرا ما تنتهي باستشهاد المجاهدين تحت التعذيب .. حين ذاك على البحث أن يسجل الزغاريد من داخل السجون تطلقها المجاهدات المعتقلات كلما هوت شفرة المقصلة على عنق مجاهد.. ويسجل كذلك التكبير والتهليل وروح الثورة التي تزلزل المعتقلات من قبل المجاهدين المعتقلين ومحاولات اختراق السجون والفرار للحاق بالجبال.
وعلى البحث حينذاك التسلق على الجبال في البرد والحر والسير مسافات طويلة على الصخور وبين المنحدرات يضرب وجهك غصن شجرة أو توخزك شوكة أرض أو تمشي أمام عينيك هوام الأرض وسباعها .. تدخل الكهوف والمغارات الرطبة .. لتسجيل كل مشاعرك إذ ذاك وأنت متوجه إلى قاعدة مجاهدين تتعرف كيف يقضون أوقاتهم وأية إرادة أخرجتهم إلى هنا !!؟ أي حلم يسكنهم !!؟ على ماذا يتواعدون إن افترقوا ؟ ! كيف يواجهون مشكلة البرد والحر والجوع والعطش وقلة الذخيرة ؟ .. كيف كانت تتم العلاقة الدقيقة والتفصيلية بين المجموعات وبين (المسبلين) هذه الفرقة الفدائية الخاصة بالأمن والاستطلاع وترتيب أمور التحرك للمجاهدين ؟ ! كيف بنى (بن مهيدي) جهاز الفدائيين في العواصم الرئيسية ؟ وكيف استطاع تحقيق (ثورة المدينة) ؟ ! وكيف كانت الخطوط السياسية تتم في التعامل بين أجهزة الثورة السياسية والإعلامية والتموينية من جهة وجهازها العسكري من جهة أخرى ؟ .. كيف استطاع المشروع أن يستوعب طاقة كل الناس وعلى مدار سبع سنوات وبشكل تصاعدي حيث لم يعد هناك إلا خياران إما الالتحاق بالثورة وإما الالتحاق باستخبارات فرنسا وجيشها ؟ وأسئلة كثيرة كثيرة تحتاج كل منها إجابة تفصيلية تستغرق من الجهد والوقت الشيء الكثير وهو أمر ضروري بلا شك.
132 عاما هل كفت للرد على "فريدريك أنجلز" و"كارل ماركس" كما على أساطين الرأسماليين بأن الأمة ليست همجا كما ادعوا وليست قطاع طرق كما زعموا بل إن (حضارة) الغرب جيفة نتنة كل ما يفوح منها ريح سموم لا فاكهة فيها سوى الحنظل ولا ماء إلا من مهل يشوي الوجوه.
132 عاما ليست كل المعركة بين الأمة والمستعمرين .. بل ليست كل المعركة بين الجزائر وادارات الشر .. سبقها معارك .. ومازال يلحقها معارك.. في المجالات الثقافية والفكرية والاقتصادية مازالت المعركة مستمرة. ثقافة الأمة ولغتها وحضارتها ومنهجها في معركة حقيقية ضد ثقافة الغرب وهيمنة لغته وسيادة منهجه.. والمعركة تتطلب مزيدا من الوعي والحكمة والحكم والإرادة والشجاعة.. لأن النظام الدولي الطاغي لن يتركنا ننعم بكرامتنا وحريتنا نعيش حياتنا وفق منهجنا الخاص لأن هذا سيحرمه من مصالح حرص على بقائها والحفاظ عليها بكل الوسائل..







الانتصار الجزائري
تجربة فريدة في كفاح الشعوب وفاصلة بين مرحلتين
صالح عوض
تهل ذكرى الانتصار العظيم في 5 يوليو 1962 يوم خرج الشعب يهتف في شوارع الجزائر: يامحمد مبروك عليك الجزائر رجعت ليك
نشيد: إفسحوا لهم الشوارع والبيوت المنكوبة تروهم يخرجون من خوابي القمح والماء.. يتقدمون.. يتقدمون نحو الانحناءات العظمى فيلغون معادلة الطغيان والظالمين.. يثبتون على الدرب بقية من دمهم فيتوهج مجدا و مشاعل.. قافلتهم تنهض من جديد..تبث الأمل والدم.. وتوزع الابتسامات والياسمين.. يعودون هذا الصباح (أمير) و(إمام) و(فرسان)..
أصمتوا أيها الفقراء الطيبون قليلا، فلا ينبغي في حضرتهم إلا الصمت.. اقتربوا من خرير الدم رويدا رويدا، واهتفوا.. : يازمن المذابح والمجازر دُلّنا على سبب النصر أهو السيف أم الدم ؟.. إنه الدم .. الدم المنتصب كالمارد يرد الأشرار ويدحر الغزوة عن الأطفال والشمس.
سلاما سلاما للدم المشرع على بوابات الجزائر قوس انتصار..ولأخوات الشهداء ولأمهاتهم ولزوجاتهم و لأبنائهم سلاما سلاما..
قافلتهم تسير في موكبها الوضيء ونحن نلملم أحرف الوعي علنا نركب جملة واحدة في مستوى دمهم.. في مستوى جهادهم ضد الصليبية..
وفيما يواصل نهر الدم تدفقه المبارك.. فيا فواصل الدم في أعمارنا دلينا على بوابة القدس !.
حربهم الضرورية سمة حضارتهم:
في النصف الثاني من شهر يونيو (حزيران) 1830 بدأ تنفيذ الحملة الفرنسية على الجزائر على اعتبار أنها ستحقق حلا لكل المشكلات التي تواجه عجلة التقدم الاقتصادي والرفاه الاجتماعي في فرنسا والتي كادت تتعطل بسبب الاستنزاف الذاتي الناجم عن الانقلابات المتتالية في جهاز الحكم، وعلى اعتبار أن هذه الحملة ستضع حدّا للمطالب الجزائرية المتكررة بتسديد الديون المستحقة على فرنسا.. وستحسم السيطرة على موقع استراتيجي ضمن تخطيط ميزان القوى الدولي حيث صراع النفوذ وقوانينه يومذاك.
وكان لابد من دافع عقائدي لتحريك تلك العملية الضخمة والخطيرة في آن واحد.. فكان أن بلغ التحريض الصليبي ضد الجزائر ذروته ليس في فرنسا فحسب بل في كامل أوروبا التي تكررت معاركها مع الجزائر في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر وأصبح إنهاء حالة التمرد الجزائري على النسق الغربي إرادة دولية .. لذا كانت الحملة الفرنسية على الجزائر حملة غربية صليبية بقيادة فرنسا شعارها :" إضاءة أرض الجزائر بالإنجيل لينبعث من هناك إلى أرجاء إفريقيا " ونحو هذا الهدف تمت عملية تعبوية شاملة للمجتمع الفرنسي بل للشعوب الأوروبية التي أسهمت إلى حد كبير في إنشاء نظام (الكولون) المعمرين الذين نزعوا الأراضي من الفلاحين الأصليين واستوطنوها بالقوة والقهر .. وهكذا فقد كان قادة الحملة التاريخيون من أمثال (بيجو) و(لافيجري) و(تاليران) و(دانريمون) وغيرهم قادة صليبيين بكل ما يعنيه تعريف الصليبية السياسية .
وفي أوائل شهر يوليو (تموز) 1962 خرج شعب الجزائر إلى الساحات والميادين العامة تغصّ به الشوارع، نساؤه تزغرد وشبابه يلوحون بقبضات أيديهم في السماء وحناجرهم ـ بلا سابق إشعار ـ تتفق في لحظة عفوية مع حركة التاريخ وقوانين الصراع وسننه لتهتف على لسان واحد :" يا محمد مبروك عليك الجزائر رجعت ليك ".
من أواخر شهر يونيو (حزيران) 1830 إلى أوائل شهر يوليو (تموز) 1962 استمرت الحرب شرسة وشاملة على كل المستويات كرا وفرّا .. شهدت ألوانا من الصراع الحضاري بين مجتمعين مختلفين بل بين نموذجين مختلفين: نموذج يمثل الشرق بعقيدته وقيمه وشبكة علاقاته الاجتماعية وتراثه و(ضعفه) الراهن ونموذج يمثل الغرب بطبيعته ومنهجه ومطامحه وأساليبه وهيمنته الراهنة.
اتضحت في المعركة طبيعة الغرب وعلى أية أرضية تتشكل مشاريعه وصيغ حلوله لمشكلاته وبأية منهجية تنتظم مجموعة أفكاره .. وانكشفت في المعركة كل أبعاد الصراع وطبيعته وكيف توظف الوسائل وتنبثق الأساليب من جنس طبيعة الصراع وجوهره.
وكان جليا أن هذه الحرب ليست حرب فرنسا على الجزائر فقط إنما هي حرب صليبية نفذتها فرنسا ضد موقع استراتيجي من مواقع العالم الإسلامي لزحزحة الهيمنة الإسلامية وفرض الهيمنة الغربية على إفريقيا وشمالها .. هذا هو الإطار العام لهذه الحملة التي ستحقق بالتأكيد كل الأهداف الاقتصادية كتحصيل حاصل .. فما كانت هذه الحرب إلا فصلا متواصلا للحروب الصليبية السابقة في المشرق والمغرب والأندلسوإن تغيرت لغة الخطاب السياسي المرافق لها.
إن المعركة حضارية بكل أبعاد المصطلح .. وإن الانتصار الغربي العسكري على الجزائر إنما هو انتصار حضاري بالتأكيد .. معنى ذلك أن التقدم العلمي الغربي وحسن حشد الطاقات البشرية، كل هذا استطاع أن يثبت ولو إلى حين قدرته على تحطيم كيان الأمة وتفتيت أبنيتها الثقافية والاقتصادية والسياسية رغم أنها أمة تمتلك رصيد العقيدة الخيرة المعجزة، ورصيد التاريخ والتجربة وتمتلك أدوات أساسية كافية تماما لاستمرار تواصل السياق التاريخي وذلك لأن هذه الأمة كانت في جميع أقطارها تتجه إلى نهاية دورتها الحضارية الأولى وما تعنيه هذه النهاية من تراخ ووهن وانشغال بقضايا جانبية وجزئية وعدم تنبه للمخاطر الخارجية ومخططات الغرب. أي أن منهج الأمة منهج توحيد الشهادة بالغيب .. المنهج المحرض دوما ضد الطغيان والعدوان والتجزئة انحسرت دائرة فاعليته حتى من إدارة ديار المسلمين كتتويج لتركيز السلطة بشكل وراثي فج متخلف افقد المنهج إمكانية الحضور في ظل تبعثر منظومة القيم وفقدان الإحساس بأهمية الأسباب والوسائل لمواجهة الأخطار الخارجية هذا من شأنه أن أرسى واقعا، تُبنى عليه المصالح العامة والمؤسسات المتعددة في ديار الإسلام مما سمح لمنهج الغرب منهج الطغيان والعدوان والتجزئة أن يهجم على الأمة محقّقا ـ ولفترة ما ـ انتصارا عسكريا أعقبه انتصارات على عدة مستويات : ثقافيا، حيث أرهقت الحملة الفرنسية مؤسسة الأمة الثقافية تفريغا أو احتواء إلى إلغاء وكان لطابور المستشرقين القساوسة (الآباء البيض) الدور الرئيسي في صياغة برامج الإلحاق الثقافي أو التدمير الثقافي .. وقامت الحملة الفرنسية بإلحاق جميع المؤسسات التي أنشأتها أو صوّرتها في البلاد المستعمرة بـ" الوطن الأم "ـ فرنسا ـ وتميز في الوضع الاجتماعي فئتين: فئة مستعمرة منهوبة مستلبة منهكة متخلفة فقيرة بل معدمة لكنها مع كل ذلك متميزة عن النمط الغربي وترفض حالة التقليد وتتشبث بالقليل القليل المتبقي من هويتها وثقافتها .. وفئة مستعمرة تمتلك الأرض انتزاعا وسطوة وتمتلك قنوات التجارة بعد أن كبلت التجارة المحلية وتمتلك الوسائل والمواد الأساسية احتكارا بعد أن حطمت الصناعة المحلية. وبين هذين النموذجين ظهرت شريحة اجتماعية صغيرة استطاعت ثقافة المستعمر التقاطها وتدريبها وتلقينها بأفكار الغرب، ورتبت الثقافة الاستعمارية لهذه الشريحة نمط حياة معينة وأنشأت لها منهجا في التلقي والتفكير والتعامل وعرفت هذه الشريحة باسم (النخبة).
وحاولت النخبة لفترة طويلة اتخاذ موقع الوسط بين النموذج المستعمر الرافض لمحاولات التذويب والاحتواء والنموذج المستعمر المحاول بكل الوسائل تفتيت الحالة المقاومة بتدمير بواعثها العقائدية وتشويه رموزها التاريخية وإغراقها في معارك وهمية.. فمرة بدا وكأن هذه النخبة رسول المجموع لدى الحالة الاستعمارية ومرة العكس تماما إنها رسول الاستعمار تتكلم بلسان يفهمه المجموع بمنطق تبريري وبحجج الواقعية السياسية وبأساليب أنشأت لديها ضمن إطار المدرسة الثقافية التغريبية التي لا ينتج عنها إلا حالة القبول بالأمر الواقع وما يستلزمها من منطق تبريري.
واتضحت في المعركة كم هي شرسة ولا إنسانية هذه الحضارة الغربية التي استهدفت تدمير كل مقومات الإنسان ـ في الجزائر ـ الثقافية والاجتماعية .. وكشفت المعركة بين فرنسا والجزائر عن عدوانية الحضارة الغربية وهمجيتها وعنصريتها.. فلقد صبّت من الظلم على أهل الجزائر (مجازر وإبادة وتدميرا) ما لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحصى .. هذا كله على جبهة الغرب وفرنسا.
أما على جبهة الأمة فاتضحت في هذه المعركة طبيعة أمتنا وهنا لابد أن أشير إلى أن البحث لم يبذل ما تستحقه هذه المسألة الهامة وإن كان قد حاول أن يقول : إن هذه الجولة التي خاضتها الأمة في الجزائر ضد الصليبية ممثلة برأس حربتها الحملة الفرنسية إنما هي امتداد طبيعي للحروب السابقة التي لم تضع أوزارها بعد ولذا فإن الأمة في الجزائر تحركت بدوافع التحرك الطبيعي لها في كل معاركها السابقة .. دوافع العقيدة والجهاد والتاريخ.
وما يهمني هنا وبشكل أساسي هو رصد حالة تطور الكفاح منذ الأيام الأولى لشهر يوليو تموز 1830 وحتى الانتصار الكبير بانطلاق ثورة نوفمبر 1954 المجيدة وما هي العوامل التي ساعدت على تطوره من جهة وكيف تشكلت وتنامت حالة التماسك بين الإرادة والوعي والفعل في مشروع المقاومة العسكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي استمرت مائة وثلاثين عاما من جهة أخرى .. وكذلك كشف البواعث الأساسية في ذروة الوصول إلى تماسك الإرادة بالوعي المتمثل في أخطر قرار اتخذته الأمة في القرن العشرين ـ أي بعد سقوط الخلافة العثمانية ـ قرار ثورة الشعب الجزائري في فاتح نوفمبر 1954.
وكما أن الانتصار الفرنسي أو بمعنى أصح وأدق غلبة فرنسا على الجزائر تصنف تحت عنوان المعارك الحضارية فإن ثورة الجزائر نوفمبر 1954 لا تصنف إلا تحت العنوان نفسه فهي ثورة عقيدة وحضارة وأمة تجمّع لديها قرارها رغم كل جراحها وآلامها .. ثورة اكتشفت ذاتها وبواعث نهضتها فكسرت كل القيود.. وهي بذلك ـ ثورة نوفمبر ـ انتصار ليس للجزائر فحسب بل لكل الأمة الإسلامية وهي رد اعتبار للإرادة والوعي الإسلاميين في مواجهة الهجمة الغربية وهي إذ ذاك تعبير عن انتصار الإنسان وإرادته في مواجهة اللاإنسانية والعنصرية والهمجية التي تسلحت بها الحضارة الغربية في مواجهتها لاهل الجنوب.. وهنا قد يكون واضحا أي مدى من الفداحة بلغته جريمة الكتاب الغربيين والتغريبيين عندما حاولوا أن يفرغوا هذه المعركة التاريخية من محتواها العقائدي وذلك بعزلها عن سياق كفاح الأمة التاريخي أو بقطع التواصل بينها وبين انتمائها الحضاري المتميز قصد حصرها داخل حدود جغرافية مصطنعة وخوف أن تمتد إشعاعاتها إلى خارج الحدود حيث كانت أجزاء الأمة بحاجة ماسة إلى استيعاب الدرس الجزائري لاسيما في المشرق العربي.. وحيث كان لابدّ لهذا الانتصار أن يكون قاعدة لتحرير المغرب العربي وشمال إفريقيا المسلمة ووحدتها ويكون إذ ذاك كما أراد له القادة التاريخيون الذين بعثوا الأمة في الجزائر وأشعلوا لها فتيل الثورة ..حيث كان تحرير المغرب العربي ووحدته الهدف الكبير.
* * *
لقد كانت المقاومة الجزائرية منذ أن وطئت أقدام أول جندي فرنسي أرض الجزائر إلى سنة 1954 ميدانا للتنامي الفكري وتعدد الرؤى وإن كان بعد الأصالة محركا لها جميعا .. وهو بدوره خضع أيضا لقانون التطور والتعميق، فمن مفاهيم صوفية أخلاقية بسيطة ـ مع عظيم دورها التاريخي في سني الكفاح الأولى ـ إلى مفاهيم تجديدية فكرية عميقة لها نظراتها الفلسفية والاجتماعية والسياسية التي تحتكم إلى الإيمان العميق والوعي الدقيق كما كان واضحا في سنيها الأخيرة.
لقد كانت مقاومة العدوان الأجنبي تتم على كل المستويات وإن أخذت أشكالا متنوعة وفق المراحل التاريخية المتلاحقة فمن مقاومة مسلحة استمرت سبعين عاما إلى مقاومة سياسية وثورة ثقافية استمرت خمسين عاما.. إلى ثورة شاملة ـ ولدت من رحم الثورة الثقافية والمقاومة السياسة وبرصيد المقاومة المسلحة ـ استمرت بضع سنين قلعت خلالها الوجود الاستعماري من كل الجزائر.. أي يمكن القول بشكل أكثر وضوحا أن الوعي الجمعي والفعل الجمعي قد نضجت خياراتهما الحضارية بشكل قطعي وتحددت أساليبهما ووسائلهما بشكل دقيق على أرضية عودة الذات الحضارية المستقلة والمتميزة وعلى أرضية الوعي بطبيعة العدو وأساليبه وجوهر الصراع معه.
ان الثورة الثقافية وتجديد الذات الحضارية التي قام بها الإمام إبن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي والعربي التبسي وإخوانهم العلماء تعتبر ـ بحق ـ أخطر مراحل تصدي الأمة للهجمة العدوانية على الجزائر إذ كان المشروع الغربي في هذه المرحلة يقضي بتوجيه الضربة القاضية للانسان والمجتمع الجزائريين وذلك بإلغاء الإنسان الجزائري لغة ودينا وهوية وتفتيت شبكة علاقات المجتمع بعدم السماح للقيم الخاصة بالمجتمع الجزائري من التعاضد والتكامل.. فكانت انطلاقة ابن باديس هذه بداية أخذالأمةبزمام مبادرة الرد الحضاري.. ومع ذلك فإن البحث لم يستطع أن يعطي هذه المرحلة من الحجم والشواهد إلا ما يسمح به الحيزللحديث ل بتغطيةما سبق وما يلحق من جهة؛ وما خطط ونفذ أو كان قيد التنفيذ في سلم مراحل أولويات المشروع الغربي من جهة أخرى .. ولهذا فالأسف عميق على هذا التقصير ولكن يهديء الروع ما يوجد للإمام والجمعية في نفوس شعب الجزائر المسلم من مكانة رغم محاولات التغريبيين والسطحيين من التقليل من دورها.
لقد قرأت مقالا في ثمانينات القرن العشرين في مجلة (البديل) لكاتب لبناني يقول فيه :" أن الشيخ البشير الإبراهيمي عادى ثورة نوفمبر هو وجمعية العلماء المسلمين واستمرا في عدائهما لها من أول يوم للثورة ".. يبدو أن الكاتب لا يعرف شيئا عن تاريخ كفاح شعب الجزائر.. ولم يحط خبرا بتاريخ جمعية العلماء المجاهدة والتي كانت هي الخط الأول في جهاد الشعب ومقاومته لكل عمليات الإذابة والتهميش .. إن العلماء المسلمين في الجزائر نفضوا الغبار عن مخطط الإذابة والإدماج والإلحاق وأظهروه على حقيقته فتصدوا له بمنهجية فائقة الوعي والأثر.. و نفضوا الغبار عن أسباب التخلف بأسس العلم وطاردوا الخرافة بالحقيقة فأيقظوا الأمة من سبات؛ وحددوا لها معالم شخصيتها الحضارية المتميزة بحكمة وعلم وفي تنفيذ هذه المهمة عادت اللغة العربية رشيقة جميلة ومجالا للتنافس والإكرام وانكشف الميدان عن أدباء ومفكرين وصحفيين ومفسرين مجتهدين وشعراء من الطراز الأول.
وجاءت ليلة الإثنين فاتح نوفمبر 1954 مكثفة للإرادة الحضارية التي قاومت الاستعمار مائة وأربعة وعشرين عاما.. وجاءت مكثفة للوعي بطبيعة المعركة وبجبهة الأعداء، وباكتشاف الحلقة المركزية في الصراع.. وجاءت مكثفة للفعل المبني على الإدراك بضرورة المواجهة الشاملة ضد الهجمة الشاملة.. فكان الانطلاق بكل أولئك.
وكشفت الثورة الجزائرية في سنواتها القليلة كم كان الغرب جاهلا وعاجزا عن تقدير دور الباعث العقائدي لدى الشرق وذلك هو مايصيب المستعمر المستكبر من غرور واستعلاء.. فظن أنه بجهده وبما أوتي من قوة مدعوما بالإرادة الدولية يمكنه أن يسحق الثورة ويقتلعها في وقت قليل.. لكن الثورة التي أودعت صدر الشعب وحددت قوانينها نتيجة تجارب تاريخية عديدة ومليئة بالنماذج المتنوعة من الصراع والتي وضعت نفسها ضمن سياق كفاح الأمة التاريخي ضد الصليبية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنهزم وإن أصرت الإرادة الدولية على ذلك،قال تعالى:﴿إن تنصُروا الله ينصُركم﴾﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾.
وبالفعل كسرت الأمة ـ كعادتها دوما ـ طوق إرادة الشر الدولية وإجماع الاستكبارالعالمي الذي تعامل مع وضع الجزائر جزءا تابعا لا يتجزأ من فرنسا .. وبفعل حضاري يشبه المعجزة أرجعت الجزائر إلى عمق الذاكرة العربية والإسلامية كجزء مهم واستراتيجي من مشروع الأمة في النهضة و في مواجهة الاستعمار.. وبرزت في سنوات الثورة القليلة القوانين الأساسية والسمات العامة لمعاركنا التاريخية ..وامتلأت بملايين المشاهد والصور الرائعة التي لم تكن إلا في تلك الملاحم التاريخية العقائدية (بدر) و(اليرموك) .. وفي هذه السنوات تجلت قدرات عظيمة وتكشفت طاقات مخبوءة وانفرز جيل من القادة التاريخيين: (بن مهيدي) (مصطفى بن بولعيد) (العربي التبسي) و(عميروش) و(زيروت يوسف) .. والقافلة الكريمة .. .. هذا الجيل الذي حقق النقلة النوعية البعيدة وشبه المستحيلة والذي أعطى بنباهته وبسلوكه الميداني اليومي الدليل على ان الثورة كانت فعلا حضاريا كبيرا بمستوى المعركة الكبيرة الدائرة بين الأمة والغرب الاستعماري.. انه جيل لم يتلق دروسا في منهجية التحليل أو التخصصات التاريخية والإنسانية والعملية في جامعات الغرب أو الجامعات التابعة للغرب .. إنما تلقى الدروس من واقع الكفاح والمأساة الناجمة عن الهجمة الصليبية من عمق آلام الناس وطموحهم.. جيل الروّاد هذا ما حفظ سوى القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم و .. جيل الرواد لم تختلط عليه المنابع .. لقد استخلص قوانينه من تاريخ الأمة الجهادي واستمد قوة ثورته من إرادة الشعب ووعيه.. من بن مهيدي هذا الناسك الزاهد النبيل قارئ القرآن قائم الليل كأنه أحد أهل التصوف حسب وصف والده.. إلى مصطفى بن بولعيد هذا الرجل المتفاني الذي يأبى أن تفر مجموعته من السجن بعد أن يتمكنوا من إيجاد طريق للفرار قبل أن يصلي بمجموعته ركعتين شكرا لله .. وزيروت يوسف الذي يقضي ساعات ليله مهموما تسأله أمه عن سبب ذلك فيجيبها " إن كلمات إبن باديس لم تترك لي وقتا للراحة " وعميروش إمام المسجد ومعلم القرآن والعضو القيادي في جمعية العلماء. والعربي التبسي شيخ المجاهدين في الجزائر ومرجع الإفتاء في الجمعية.. إلى آخر آلاف الشواهد الجهادية التي كانت تقتدي بعقبة بن نافع وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي.. فكانت كلمة السر للثورة :عقبة ـ خالد.. وكان الهتاف الأول لساعة الصفر: الله أكبر.. وكانت الأسماء الحركية للمذيعين الأوّلين للثورة صلاح الدين وطارق بن زياد وهذا أمر لا تخفى دلالته.
لقد استهدفت الهجمة الصليبية مغرب العرب ومشرقهم .. وقاومتها الأمة في كل مكان ببقية الروح المنهكة.. إلا أن أشرس المعارك على الإطلاق هي تلك التي وقعت بين الأمة والصليبية على أرض الجزائ.. والشراسة هنا تأتي بفعل اصطدام حالتين في غاية التناقض فالاستعمار مقتنع أن باستطاعته تدمير الحالة الجزائرية بعزلها عن بقية الأمة وتفريغها وحصارها بالفقر والجهل والمرض.. مما سيضمن له ـ حسب تصوره ـ إنهاء هذه الحالة تاريخيا وإلحاقها بشكل نهائي ذيليا بالحالة الغربية الفرنسية وذلك من شأنه ان يوفر له فرصة السيطرة على كل إفريقيا.. أما حالة الثورة فقد انطلقت على أرضية المفاصلة التامة مع الحالة الاستعمارية وفي إطار المبادئ الإسلامية محددة أهدافها ضمن نفس المبادئ مستلهمة شعاراتها التي تحمل مصداقية عالية من طبيعة تاريخها الجهادي أشكالا ومضامين فكان الشعار:(الجزائر وطننا والعربية لساننا والإسلام ديننا).. وبرزت قوانين الحرب في الإسلام وأخلاقها جلية في يوميات الثورة وعادت الحياة تدب في مفاهيم الأمة بقوة (الوحدة، الشهادة، الفداء، التضحية، الإيثار، الإقدام، الصبر، الجندية، التواضع..).
بين إرادة المستعمر المدعوم بالإرادة الدولية والمجهز بترسانات التفوق العسكري الاستراتيجيوالثورة النقيض الفكري والحضاري التام في الجهة المقابلة نشبت المعركة .. وكان لا يمكن أن يستمر وجود هذين النقيضين سويا في الجزائر كما قال الشهيد الشيخ العربي التبسي:" بعد الآن لم يعد بوسع الجزائر أن تتسع للجزائريين والفرنسيين فإما الجزائريين وإما الفرنسيين ".
***
البحث في الثورة الجزائرية ضد الحملة الفرنسية الاستعمارية يحاول أن يكشف وهم المقولات التبريرية التي تجعل من (عدم التوازن الاستراتيجي) و(الإرادة الدولية) حججا للسكونية والمهادنة بل والاستسلام .. إذ أن الثورة الجزائرية تقول وبشكل واضح أن القوة الحقيقية تكمن في الشرط الذاتي في الإرادة والوعي والامتلاء باليقين.. الإرادة على مواصلة الكفاح ،والوعي بطبيعة العدو وأساليبه والإيمان بالذات وعوامل نهوضها واليقين بالنصر .. هذه هي نقطة الانطلاق. أما الوسائل والإمكانات فنبدأ بما يتوفر ونخوض من المعارك ما نستطيع ونستعين ببعض الأقدار على بعضها .. وهذا قانون إسلامي أساسيبل وقانون ثابت في سيرة المنتصرين ..اهتدت إليه الثورة الجزائرية في لحظة البدء وانطلقت منه.
وعبأ الثوار ما وسعتهم التعبئة.. جمعوا ما يمكن تجميعه من أسلحة وذخيرة ومعلومات عن ثكنات العدو وتجمعات شرطته وعسكره ومصالحه الاقتصادية.. و كلفكل قائد منطقة مجموعة تختص بكل هدف عسكري.. وفي أشهر قليلة تم بناء جهاز سياسي مهمته التحريض والتوعية والاتصال، وجهاز عسكري من مجاهدين وفدائيين وإن كانت شعبة الفدائيين في البداية لم تكن هامة كثيرا.. وكان ضروريا ومنذ البداية أن تنطلق الثورة في كامل الجزائر وفي لحظة واحدة.. وانتصف الليل وحاول مؤشر الساعة أن يقفز إلى النصف الأخير من الليل فسبقه المجاهدون في بعض المدن الجزائرية وجبال الأوراس الأشم وكانت الصرخة : الله أكبر .. وكانت الإنفجارات دويا كأنما الصاعقة .. تلك الليلة كانت أسوأ ليلة على جنود فرنسا وجنرالاتها في الجزائر .. كما انها كانت أصعب ليلة يجتازها المجاهدون .. إنها الليلة المعجزة وبداية التحول التاريخي النهائي الذي انتهى بالاستقلال.
جاءت الثورة الجزائرية بهذا العنفوان وهذا الهجوم المتصاعد على الوجود الاستعماري ليكون واضحا أمام ثوار كل العالم ومجاهديه أن الحقوق لا يمكن أن تنال عبر المباحثات والعمل الدبلوماسي فقط فالاستعمار لا يفهم إلا بلغة العنف المضاد .. ولأن الاستعمار المستكبر لا يتصور أن بإمكان الآخرين بلوغ الحياة الكريمة وانهم فقط خدم له ولا يتصور أن الآخرين يستطيعون أن يحكموا أنفسهم أو أن يعيشوا مستقلين لأن المستعمر مؤمن بهذا جميعه فإنه سيكون لزاما التعامل معه بالعنف. وبمقدار ازدياد العنف المضاد (الذي تنفذه طلائع الأمة) سيتخلى الاستعمار عن قناعاته شيئا فشيئا .. إن هذا درس من أوضح دروس الثورة الجزائرية والتي تعتبر مثالا لكل ثورات العالم.
وجاءت الثورة لتضرب بعرض الحائط الصيغ الحزبية النخبوية في العمل الثوري ولتقدم (صيغة) عمل ـ مقاومة مستمدة من روح الأمة وتاريخها حيث تصبح الأمة كلها هي الإطار والحزب المعني بالقيام بواجب الثورة فمنذ اللحظات الأولى كان واضحا لدى مفكري الثورة وقادتها صيغة العمل هذه فهاهو بن مهيدي يخاطب لجنة القيادة قائلا :" ساعدوني على إنزال الثورة إلى الشعب أضمن لكم الانتصار ".. وتعاضدت الجهود جميعها على أن تكون صيغة الجهاد متسعة لكل طاقات الأمة وقادرة على توجيهها إلى خط المواجهة المباشرة مع العدو .. ومنذ البداية يتم تجميع هذه الطاقات وبعثها نحو هدف محدد وهو تحرير الجزائر وطرد المستعمرين.
وجاءت الثورة الجزائرية لتكشف عن خطأ مقولة:" مرحلة التربية الأخلاقية والإعداد النفسي قبل الدخول في القضايا السياسية والجهادية ".. وجاءت كذلك لتكشف عن حقيقة الإعداد والتربية.. فالإعداد يكون بحسب المتوفر والمستطاع، والتربية في قعر المعركة حيث الدم والمعاناة والجوع والجراح والسجون.. وان أي انتظار يعني إعطاء العدو فرصة ويعني تراخي العزيمة من جهة أخرى ،هذه هي التربية العملية والتي مارستها الأمة في كل معاركها التاريخية من لدن محمد صلّى الله عليه وسلم إلى اليوم .. المهم أن تتقدم مجموعة من الرجال الصفوف وتحسن إدارة أشخاصها وأفكارها وأشيائها وتجيد مخاطبة الأمة وتعبئتها وتحسن ذبح العدو في الضرب على الحلقة المركزية في وجوده .. وفي هذه المعركة الشاملة والشاقة تزكو النفوس وتعلو الهمم وتشرق الأرواح وتتساقط الأوهان الدنيا ويتساقط معها المتساقطون..وتتنامى ساحة الجهاد
***
إنه موضوع متشعب تشعب الحياة البشرية ومجالاتها ومتشابك تشابك أهداف الاستعمار وخططه ووسائله وأساليبه و منطلقاته وإنه تصادم هذا جميعه بعقيدة الأمة وأخلاقها وكرامتها .. فإنه لمن احترام الذات الإشارة إلى القصور العظيم الذي يسم هذا البحث الذي قد يكون ـ رغم كل ما بذله من جهد ـ عبارة عن إشارة لموضوع ضخم كبير متعدد الجوانب يطول فيه الحديث ويتشعب .. فإن مجرد الرد على الكتب والدراسات التاريخية المؤرشفة في أكاديميات الغرب عن الثورة الجزائرية أو على الكتب المدرسية التي تدرس لأولاد العرب والمسلمين أو على الكتاب العلمانيين التغريبيين .. إن هذا فقط يحتاج جهدا عظيما فما بالك بحديث في الموضوع الأصلي حيث الصراع اليومي.. وحيث مئات الشهداء الذين يسقطون يوميا؟.. إنه حينذاك سيقرع باب السجون والمعتقلات ويسجل أنواع الإجرام الاستعماري في (بربروس) و(الجرف) و(برواقية) والمحتشدات العسكرية حيث أنواع التعذيب كانت كثيرا ما تنتهي باستشهاد المجاهدين تحت التعذيب .. حين ذاك على البحث أن يسجل الزغاريد من داخل السجون تطلقها المجاهدات المعتقلات كلما هوت شفرة المقصلة على عنق مجاهد.. ويسجل كذلك التكبير والتهليل وروح الثورة التي تزلزل المعتقلات من قبل المجاهدين المعتقلين ومحاولات اختراق السجون والفرار للحاق بالجبال.
وعلى البحث حينذاك التسلق على الجبال في البرد والحر والسير مسافات طويلة على الصخور وبين المنحدرات يضرب وجهك غصن شجرة أو توخزك شوكة أرض أو تمشي أمام عينيك هوام الأرض وسباعها .. تدخل الكهوف والمغارات الرطبة .. لتسجيل كل مشاعرك إذ ذاك وأنت متوجه إلى قاعدة مجاهدين تتعرف كيف يقضون أوقاتهم وأية إرادة أخرجتهم إلى هنا !!؟ أي حلم يسكنهم !!؟ على ماذا يتواعدون إن افترقوا ؟ ! كيف يواجهون مشكلة البرد والحر والجوع والعطش وقلة الذخيرة ؟ .. كيف كانت تتم العلاقة الدقيقة والتفصيلية بين المجموعات وبين (المسبلين) هذه الفرقة الفدائية الخاصة بالأمن والاستطلاع وترتيب أمور التحرك للمجاهدين ؟ ! كيف بنى (بن مهيدي) جهاز الفدائيين في العواصم الرئيسية ؟ وكيف استطاع تحقيق (ثورة المدينة) ؟ ! وكيف كانت الخطوط السياسية تتم في التعامل بين أجهزة الثورة السياسية والإعلامية والتموينية من جهة وجهازها العسكري من جهة أخرى ؟ .. كيف استطاع المشروع أن يستوعب طاقة كل الناس وعلى مدار سبع سنوات وبشكل تصاعدي حيث لم يعد هناك إلا خياران إما الالتحاق بالثورة وإما الالتحاق باستخبارات فرنسا وجيشها ؟ وأسئلة كثيرة كثيرة تحتاج كل منها إجابة تفصيلية تستغرق من الجهد والوقت الشيء الكثير وهو أمر ضروري بلا شك.
132 عاما هل كفت للرد على "فريدريك أنجلز" و"كارل ماركس" كما على أساطين الرأسماليين بأن الأمة ليست همجا كما ادعوا وليست قطاع طرق كما زعموا بل إن (حضارة) الغرب جيفة نتنة كل ما يفوح منها ريح سموم لا فاكهة فيها سوى الحنظل ولا ماء إلا من مهل يشوي الوجوه.
132 عاما ليست كل المعركة بين الأمة والمستعمرين .. بل ليست كل المعركة بين الجزائر وادارات الشر .. سبقها معارك .. ومازال يلحقها معارك.. في المجالات الثقافية والفكرية والاقتصادية مازالت المعركة مستمرة. ثقافة الأمة ولغتها وحضارتها ومنهجها في معركة حقيقية ضد ثقافة الغرب وهيمنة لغته وسيادة منهجه.. والمعركة تتطلب مزيدا من الوعي والحكمة والحكم والإرادة والشجاعة.. لأن النظام الدولي الطاغي لن يتركنا ننعم بكرامتنا وحريتنا نعيش حياتنا وفق منهجنا الخاص لأن هذا سيحرمه من مصالح حرص على بقائها والحفاظ عليها بكل الوسائل..

×
أخبار
شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط