تاريخ النشر: 2017-10-28 | 10:03
تاريخ النشر: 2017-10-28 | 10:03
مائة عام بالتمام والكمال تمر هذه الأيام على الثورة الشيوعية فى روسيا، التى بقدر ما أحدثت متغيراً عميقاً فى العالم وقدمت أول نموذج عملى للنظرية الاشتراكية فإنها قدمت أيضاً للبشرية نموذجاً وحالة إنسانية مهمة فى الانتحار الذاتى.
التجربة الروسية على مدار مائة عام أثبتت أن «صناعة العدو» فن قادر على تفريغ أى ثورة من مضمونها وتحويل الصديق إلى عدو وفرض واقع يستقطب الأعداء أكثر مما يوسع من دائرة الأنصار والأصدقاء. سنوات قليلة عاشها لينين بعد نجاحه فى قيادة واحدة من أهم الثورات الشعبية فى التاريخ، وبدأ دولة التغيير بشعار الحكم للشعب لتوسيع قاعدة تأييد الثورة، ليرث الحكم من بعده خليفته ستالين صاحب سياسة «من ليس معى فهو عدوى».
هذا المفهوم الذى صاحب «الزعيم» لسنوات طويلة نحو ثلاثين عاماً حقق متغيراً مهماً فى التجربة الروسية التى كان مخططاً لها تأسيس دولة البروليتاريا وحكم الشعب فانقلبت إلى دولة الفرد والإيمان بالزعيم بديلاً عن الناس.
تبدلت أحوال الحكم فى الاتحاد السوفيتى السابق من حكم الشعب إلى حكم الحزب، وما هى إلا سنوات قليلة لتضيق الدائرة وتقتصر الإدارة على سيطرة مؤتمرات الحزب، ومنها إلى إدارة اللجنة المركزية للحزب، وتضيق الدوائر أكثر إلى سيطرة المكتب السياسى للحزب على إدارة شئون البلاد، لتنتقل الأحوال فى النهاية إلى سيطرة «الزعيم الفرد» السكرتير العام للحزب على القرار.
خلال مسيرة طويلة أكدت الأحداث أهمية دراسة التجربة الروسية فى إدارة شئون البلاد، فعلى مدار تلك الفترة رسخت مقولة من ليس معى فهو ضدى من حالة العداء والنفور السياسى، ورسخت الصراع أساساً للعلاقات داخل المجتمع، وأسست بيئة الخوف من إبداء الرأى أو محاولة تصحيح المسار، وكان استبعاد المخالفين أو المعارضين فى البداية بقرارات ناعمة انتهت إلى الإلقاء فى السجون أو الإرسال إلى المنافى لحماية الثورة من أعدائها، فأصبح الصمت أفضل أنباء من الكتب.
وباتت مسألة التفاف الشعب حول حكم الشعب مشكوكاً فيها، فتصدعت كل العلاقات السياسية فى البلاد، وبدا واضحاً تأثير الفراغ السياسى الناجم عن حكم الفرد وتبعية الحزب للزعيم الذى بات يهتم بإدارة الصراع دون الاهتمام بتقوية البيئة السياسية المحيطة بالتجربة، فكان الانهيار فى أول صدام حقيقى داخلى هو النتيجة الطبيعية.
بالقطع لا يمكن رهن انهيار الاتحاد السوفيتى وسقوط أول تجربة اشتراكية فى العالم بالأسباب الداخلية فقط، فلا يمكن استبعاد حالة الصراع الدولى والحرب الباردة ومخططات الاختراق لحصار الدب القطبى والتحريض ضده، لكن فى الوقت ذاته فإن سياسة صناعة العدو ساهمت بقدر كبير فى هذا الانهيار السهل الذى لم يجد من يقاومه.
أهمية التجربة الروسية فى جانب منها ترتبط بدروس عميقة فى تأثير الفراغ السياسى فى أى دولة على استمرار منظومة الحكم، وتؤكد أن منهج الإدارة بالصراع والإقصاء وليس بالتوافق لا يحقق الأهداف، والاستهانة بالرأى الآخر والرؤى البديلة يُضيق من دوائر الأنصار.
بقدر ما تركت الثورة الروسية بصماتها على العالم بقدر ما تركت التجربة الروسية من دروس مهمة للبشرية.
عن الوطن المصرية