تاريخ النشر: 2016-03-30 | 21:58
تاريخ النشر: 2016-03-30 | 21:58
جميل السلحوت
بدون مؤاخذة- الثقافة ومعمر بابور الكاز
قبل عدة شهور كنت في صلحة عشائرية، ضاع فيها حق المعتدى عليه الذي لحق به اذى كبير، والسبب انه أوكل شخصا يزعم انه خبير بالأعراف العشائرية ليطرح قضيته ويدافع عنها، ونظرا لجهل(الخبير) فقد ضاع حق الرجل،فاشتكى صاحب الحق الضائع ما لحق به من ظلم امام بعض الوجاهات،فقال له احدهم مشكلتك انك وضعت تلفازك المعطوب للتصليح عند ميكانيكي سيارات.)وقد ذكرتني هذه الحادثة بحوادث ثقافية، لحق فيها ظلم كبير بمثقفين لهم باع طول في الثقافة الفلسطينية،والسبب يكمن في تحكم وسطوة ما يشبه(المافيات)في المؤسسات الثقافية، فتكون قراراتهم مزاجية ومنحازة حسب أهوائهم وميولهم وعلاقاتهم الشخصية، وسأعطي أمثلة على ذلك:- في العام 1982 أعطيت مجموعة قصصية لأسير محكوم بالمؤبد لمؤسسة ثقافية في القدس كي تنشرها، فشكلت لجنة من ثلاثة اشخاص لقراءتها من اجل اقرار نشرها أو رفضه، وبعد اسبوعين جاء الرد من أكاديمية عضو في لجنة القراءة(غير صالحة للنشر)وتغيب العضو الثاني دون ابداء الأسباب، واعتذر الثالث هاتفيا لعدم وجود وقت لديه لقراءتها، فاعادت ادارة المؤسسة المجموعة القصصية الى ذوي الأسير، الذين أعطوها بدورهم لأحد المهتمين من أصدقاء العائلة، فنشرها في مؤسسة اخرى مستغلا علاقاته الشخصية، وأقيمت ندوة حول المجموعة في مقر المؤسسة التي رفضت نشرها،وتحدثت الأكاديمية التي اعتبرت المجموعة غير صالحة للنشر، وأشادت اشادة كبيرة بقصص المجموعة من حيث الشكل والمضمون، وعندما ذكرها أحدهم بانها اعتبرتها قبل اشهر غير صالحة للنشر، أنكرت ذلك غاضبة، فما كان منه الا أن أخرج الغلاف الذي كانت المجموعة القصصية بداخله، وأشار الى خط يدها وتوقيعها الذي اعتبرت فيها المجموعة غير صالحة للنشر، فأرغت وازبدت وقالت:
بالتأكيد كان في هذا المغلف مواضيع أخرى، طبعا كانت اشادتها بالمجموعة بعد ان اطلعت على ما كتبه النقاد عنها.
- في العام 2009 عام القدس عاصمة الثقافة العربية،دُعمت مؤسسات،ونُشرت كتب بناء على علاقات شخصية مع(ميكانيكيي)الثقافة الذين أوكلوا بالمسؤولية، في حين حجبت المساعدة عن مؤسسات ثقافية فاعلة، ومُنع نشر كتب مهمة بما فيها روايات ودواوين شعرية ومجموعات قصصية عن القدس الشريف والأمثلة كثيرة.- في العام 2007 صدرت رواية(عش الدبابير)للفتيان والفتيات لكاتب هذه السطور عن دار الهدى في كفر قرع، علما ان الكاتب لا يعرف صاحب الدار،ولا يعرف لجنة القراءة فيها،وقد استأذنوا الكاتب بنشرها بعد أن قرأوها على احدى المواقع الالكترونية،بعد اشادة أحد الأكاديميين في جامعة اليرموك في الاردن بها،وكانت لجنتا القراءة في مؤسستين متخصصتين في رام الله قد اعتبرتاها غير صالحة للنشر، وعندما رأوا ردود الفعل الايجابية عليها انكروا انها عرضت عليهم.- أول رواية فلسطينية حديثة عن القدس(برج اللقلق) في جزئين للزميلة ديمة السمان لم تجد من ينشرها في فلسطين، وتم نشرها في المركز القومي للثقافة في القاهرة، فشكرا لهم،وسامح الله(جهابذة المؤسسات الثقافية في فلسطين)الذين لم يتيحوا الفرصة لأبناء فلسطين لقراءة هذه الرواية التي اعتبرها أحد النقاد افتتاحا رائعا للرواية الفلسطينية المعاصرة حول القدس.
- مؤسساتنا الثقافية التي تعاني من ضائقة مالية، تقوم بنشر بعض الكتب لبعض المتنفذين، وهذا أمر ايجابي، لكنها لا تلبث ان تعيد نشرها مجمعة في مجلدات، في حين ترفض نشر أيّ شيء لغير المتنفذين بحجة الضائقة المالية.
- قام وزيران-احدهم وزير سابق للثقافة- بزيارة ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، وتعهد كل واحد منهم بتقديم عشرة آلاف دولار لنشر الكتب بعد اطلاعه على نشاطاتها واشادته بها، غير ان الوعدين لم يخرجا الى حيز التنفيذ.
- تقوم وزارة الثقافة مشكورة بشراء مائتي نسخة أواكثر من بعض المطبوعات التي ينشرها بعض الكتاب على حسابهم الخاص، لكن المحزن ان يكون هناك انتقائية ليست على أسس مهنية، بل على أسس شخصية ومزاجية، ففي الفترة الأخيرة وبناء على معلومات موظف كبير في الوزارة، كان توجه عند معالي الوزيرة وعطوفة وكيل الوزارة المساعد على شراء مائتي نسخة من مجموعة قصص للأطفال، نشرت بألوان مفروزة وطباعة أنيقة وبطريقة مكلفة، وقبل التنفيذ وضعت لجنة في الوزارة(فيتو)على توجه الوزيرة والوكيل بحجة وجود(أولويات)عند (اللجنة الأدبية للوزارة)وطبعا الوزارة "ديموقراطية"وتحترم رأي اللجان، وأجزم بأن اللجنة لم تطلع على المجموعة التي حكمت عليها. وهذه المجموعة ليست ذات الأولية كتبت عنها حذام العربي(في مجمل قصصه التصق الكاتب في المكان والزمان الفلسطيني، فدوّن اسماء بعينها، واستحضر اسماء نباتات في منطقة سكناه، وعرج على بعض الموروث التراثي، وبشكل خاص البدوي منه، ووظفه في قصصه، وجاء التوظيف منسجما مع السياق مجدولا بالمكان والزمان)ومما كتبه عنها الناقد ابراهيم جوهر(حملت القصص صورا فنية لغوية رشيقة، لتوقف الطفل على جمال اللغة وجمال الوطن)ومما قاله المربي موسى ابو دويح(القصص هادفة وذوات مغزى وتربوية نافعة للصغار والكبار.)وكتب آخرون في هذا السياق مشيدين بالمجموعة.
قد نجد العذر لميكانيكي السيارات، ولمُصَلِّح بابور الكاز -مع الاحترام لكليهما- في عدم اهتمامهما بالثقافة، أمّا مزاجية وأهواء لجان في وزارة الثقافة وفي مؤسسات ثقافية فلا مبرر لها ،فمن المفترض ان يترفعوا عن هكذا أمور،وان كانوا غير مؤهلين فبامكانهم الاستعانة بمؤهلين جديرين بالثقة، ويهمهم الارتقاء بالنتاج الادبي والثقافي المحلي،أو ان الوزارة يجب أن تضع لجانا مؤهلة وقادرة على التمييز بين الغث والسمين،أمّا ان نضع التلفاز المعطوب عند (معمر بابور الكاز)لاصلاحه فهذا جهل ما بعده جهل،وهذا هو الفساد بعينه.
مؤسساتنا الثقافية وكبار السّن
لم تعد مشاكل مؤسساتنا الثقافية محصورة في قضية ذلك البعض الذي يتربع على عرش مؤسسات ثقافية كبيرة، مع أن علاقته بالثقافة كعلاقة "مصلح بابور الكاز" بالتكنولوجيا كالحاسوب وغيره، مع أن مصلح البابور –وهي مهنة شريفة- لم يدّع يوما أنه يستطيع اصلاح عطب جهاز الحاسوب"الكمبيوتر" وبالتالي فإن من يرتكب الخطأ في هذه المقارنة هو صاحب الحاسوب المعطوب، الذي أخطأ عنوان من يستطيع اصلاح حاسوبه...لكن الهابطين على قمم مؤسسات ثقافية بمظلات وراثية أو عائلية أو سياسية في بلادنا عامة وفي قدسنا خاصة، ولا علاقة لهم بالثقافة يزعمون أنهم على دراية بالثقافة وفنونها ودروبها وكيفية رعايتها...تماما مثلما هو حال مؤسسات أخرى، ذات تخصصات مختلفة...وتأخذ المأساة أبعادا أكبر عندما نجد أشخاصا يقفون على رأس مؤسسات تعليمية وثقافية منذ سنوات طويلة، مع أنهم بلغوا من العمر عتيا، بل إن بعضهم في أرذل العمر...ورغم كونهم غير مؤهلين أصلا لهكذا مناصب، إلا أنهم لا يفتحون المجال لغيرهم، ويبقون الآمر الناهي حتى يغيبهم الموت، ولو أنهم يميتون المؤسسة قبل موتهم...ولا أحد يقرع الجرس أمامهم لأن السيطرة على بعض المؤسسات محكمة عائليا وعشائريا وحتى سياسيا، مع أنها مؤسسات عامة.
وللتذكير فقط فان الدراسات التي بحثت عن أسباب انهيار امبراطورية الاتحاد السوفييتي، وجدت من ضمن ما وجدت أنه لم تتح فرصة للأجيال الشابة للمساهمة في رفعة الدولة، فمثلا كان عمر وزير الرياضة والشباب السوفييتي 83 سنة. لذلك فان أحدا من الرياضيين السوفييت لم يحصل على ميدالية ذهبية في الألومبياد في عصر ذلك الوزير.
وبما أننا لا نتعلم من أخطائنا ولا من أخطاء غيرنا فان أحدا من مسؤولينا لم يفكر بالاستفادة من قدرات المبدعين من بناتنا وأبنائنا الشباب، فمثلا في المجال الثقافي مبادرة شباب جبل المكبر الشبابية، والتي عمرها سنة وبضعة أشهر أبدعت ونفذت حدثا ثقافيا غير مسبوق عالميا، وهو "السلسلة القارئة حول سور القدس التاريخي" التي تمت في 16 آذار –مارس- 2014. وما نتج عنها من تأسيس ثلاث مكتبات في أحياء هامة وحساسة في القدس، إضافة الى المكتبة الرئيسة التي تحوي آلاف الكتب في مقر المبادرة في جبل المكبر، واضافة الى اللقاءات الثقافية والتعليمية والتربوية الأخرى التي تنفذها المبادرة...والحديث يطول... فهل ستترك هذه القدرات الخلاقة والمبدعة محاصرة حتى يموت سابقوهم من الأبوات المتسلطين؟
ومع احترامنا للدور الذي قام به الآباء الرواد والمؤسسون، فإن للعمر أحكامه...فجهودهم مشكورة وقيمتهم محفوظة، لكن عليهم وعلى غيرهم أن يدركوا أن المؤسسات يجب أن تستمر، وأن هناك كفاءات عالية ومؤهله ومتخصصة وفاعلة ممن هم أصغر منهم عمرا...وهم الأولى والأجدر باستلام المهمات لتفعيل المؤسسات والنهوض بها والحفاظ على استمراريتها. أم أن هناك من "الأبوات" من لا يزال غير مدرك لدور الثقافة؟ أم أننا مصرّون على استمرار الهزائم في مختلف الأصعدة؟.
بدون مؤاخذة- الثقافة من دمار الى خراب
وللالتفاف على مقدّرات شعبنا، وتجييرها الى أشخاص معينين، فقد انتشرت المنظمات غير الحكومية التي تخدم أجندة مموليها، وهي في غالبيتها إن لم تكن كلها تنسق وبناء على طلب الممولين مع منظمات مشابهة في الجانب الاسرائيلي، وتركز في غالبيتها على حقوق الانسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة، والتثقيف الديموقراطي، حتى وصلت الى الحياة الثقافية. كما أنها في غالبيتها لا تخدم الشعب في شيء، بل تثير البلبلة وتمارس الفساد، وتعيق عمل المؤسسات الرسمية. واذا كانت المؤسسات الثقافية غير مطلوب منها انتاج ثقافة، فإن وظيفتها هي احتضان النشاطات الثقافية ودعمها...وهذا مغيب في بلادنا الى درجة كبيرة. ولمّا كانت الانتقادات كبيرة على الفساد الوظيفي في العديد من المؤسسات الرسمية، فإن الوضع كارثي في المنظمات غير الحكومية، بما فيها المؤسسات الثقافية، فهي مجيّرة لأشخاص معينين، ولكل منهم وظيفته ومهامه الملقاة على عاتقه، فعدا عن الثراء الفاحش الذي وصلوا اليه على ظهر الشعب والوطن، فإنه يجري اعداد بعضهم ليكونوا قيادات مستقبلية ستقرّر يوما مصير هذا الشعب وهذا الوطن، ويجري تسخير وسائل اعلام لهم بما في ذلك فضائيات موجودة في كل بيت، لتلميعهم من خلال التصريحات النارية التي يطلقونها.
ولا يختلف الوضع في المؤسسات الثقافية عن غيرها من المؤسسات الأخرى...بل هو أكثر صعوبة نظرا لأن من يقومون على بعضها لا علاقة لهم بالثقافة...وبالتالي فإن الضرر الناتج منهم يكون مضاعفا، لكنّهم خالدون مخلدون في هذه المؤسسات حتى يغيبهم الموت، وبعد موتهم فإن البدائل الشبيهة لهم جاهزة للحلول مكانهم. فبعض مؤسساتنا الثقافية لا تحمل من الثقافة إلا اسما مكتوبا على لافتة تزين الجدار الخارجي لمقر تلك المؤسسة، فلا نشاطات ولا رعاية للثقافة، بل إنهم يتخوّفون من أيّ نشاط ثقافي، ويرفضونه، ومع ذلك فهم لا يتورعون من طلب الدّعم المالي والمعنوي لهذه المؤسسات بذرائع شتى، ويحصلون عليها من جهات محلية وأخرى أجنبية، ولا يعلم أحد مصير تلك التبرعات إلا علّام الغيوب، ونفر من المتسلطين على تلك المؤسسات. والزائر لمقرّات هذه المؤسسات سيجدها مجهزة بأحدث الأجهزة والأثاث، ولزيادة الفساد فسادا فإننا نجد من يشيد برؤوس الفساد تلك، ويقوم بعمل احتفالات تكريمية لهم، والفساد لا يعني بالضرورة الاختلاس، فوضع الانسان غير المناسب في مناصب لا تناسبه أيضا فساد، واستمرار من شاخوا في مناصبهم وما عادوا مؤهلين صحيا وعقليا فيها فساد أيضا...وهكذا...أمّا قضية إحالة من هرموا وشاخوا من الرؤوس الكبيرة، ويحتاجون الى ترجمان من العربية الى العربية، فهي غير قابلة لمجرد البحث...ولله في خلقه شؤون.
بدون مؤاخذة- الفوقية في الثقافة
وبما أننا ورثة حضارة عريقة، لها ما لها، وعليها ما عليها، فإن عقلية الفوقية، التي تحمل في طياتها"اخدمني وأنا سيدك" لا تزال قائمة عندنا وفي مختلف المجالات، ولم نتعظ من مقولة"أهل مكة أدرى بشعابها" فالكبار سواء كانوا كبارا في مناصبهم أو في أعمارهم أو في كليهما معا، لا يرون كفاءة في أيّ شخص غيرهم، ولكم أن تتصوروا على سبيل المثال أن تشكيل اللجنة الوطنية لرعاية نشاطات واحتفالات" القدس عاصمة للثقافة العربية في العام 2009" فجاء تشكيل اللجنة فصائليا وحزبيا، دون الالتفات الى المثقفين من كتاب وفنانين تشكيليين ومسرحيين وموسيقيين وسينمائيين وغيرهم، فلم يكن واحدا من هؤلاء من القدس التي هي العاصمة السياسية والدينية والثقافية والتاريخية والاقتصادية للشعب الفلسطيني ودولته العتيدة، وعندما أعلنت وزيرة الثقافة الفلسطينية في حينه أنه سيصدر كتاب كلّ يوم في ذلك العام، فانه على ارض الواقع لم يصدر 10% مما أعلنت عنه، وحتى يومنا هذا فان وفودنا الثقافية التي تسافر الى العواصم العربية والصديقة-خصوصا بعد الاعلان العربي أن القدس عاصمة دائمة للثقافة العربية- نادرا ما يكون أحد أعضائها من المبدعين أو المهتمين بالثقافة، ممh يبقي ثقافتنا مغيبة بشكل وآخر عن الساحات العربية التي هي امتداننا الثقافي...مع أن ثقافتنا جزء من الثقافة العربية، وكأن الثقافة ونشرها حكر على موظفي وزارة الثقافة فقط - مع احترامي لهم جميعهم-. ولولا شبكة الاتصال العنكبوتية- الانترنت- لبقيت أسماء مبدعة كثيرة وكبيرة مغيبة الى ما شاء الله.
وامعانا في التربية الفوقية وثقافتها السائدة، وطريقة تعاملها مع الآخرين، وما يهمنا هنا هو الجانب الثقافي حيث أننا نجد بعض المتنفذين، يريدون أن تبقى هيمنتهم على المؤسسات الثقافية قائمة في كلّ الظروف والأحوال، لهذا لم يكن غريبا على سبيل المثال استقالة البعض من اتحاد الكتاب الفلسطينيين وانسحابهم من عضوية الاتحاد بعد انتخابات الهيئة الادارية الأخيرة للاتحاد، لأن من فازوا بالانتخابات ليسوا ممن يريدونهم، علما أن للفائزين مساهمات جادّة وظاهرة في النتاج الابداعي والأنشطة الثقافية، بل إنهم أنجزوا انجازات غير مسبوقة، فقد بعثوا الحياة في الاتحاد بعد أن كان في ثلاجة الموتى، كما نشروا عددا من الأعمال الشعرية والأدبية الكاملة لعدد من الرّواد والمبدعين الفلسطينيين، وقاموا بتكريم نخبة ممن تركوا بصماتهم على ثقافتنا المحلية والعربية، ومع ذلك فإن انجازاتهم لم تشفع لهم باسكات من يناصبونهم العداء ممن يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحركة الأدبية والثقافية.
وفي الكثير من مؤسساتنا الثقافية، وكما غيرها من المؤسسات الأخرى، هناك قوانين ولوائح داخلية تضع قيودا على عضوية الهيئات العامة لهذه المؤسسات، وتحصر العضوية في عدد محدود مبني على أساس عائلي أو سياسي ضيق، لتبقى الهيئات الادارية ومن يرؤسونها حكرا على أشخاص معينين، بغض النظر عن كفاءاتهم أو قدراتهم، أو عمّا ستؤول اليه المؤسسات من خراب ودمار ذاتي.
بدون مؤاخذة- ثقافة الخوف من النجاح
يقول علماء النفس أن المريض نفسيا أو عقليا، عندما يدرك أنه مريض ويعترف بذلك، فهذا يعني بداية شفائه، وعندنا كثيرون من المثقفين وأشباه المثقفين ممن باعوا أنفسهم لمصالح شخصية ضيقة، جيّروا ثقافتهم لتزيين الهزائم التي نعيشها على مختلف الأصعدة، فزيفوا الحقائق والوقائع وحوّلوها الى انتصارات وهمية، واستمروا في أكاذيبهم لخداع العامّة، ثم ما لبثوا أن صدقوا هم أنفسهم هذه الأكاذيب، والنتيجة هي تكريس هزائمنا واخفاقاتنا. لذلك فهم يخافون نجاح غيرهم من المخلصين الأوفياء...ولا يتردّدون في حصار الناجحين، بل ومحاربتهم، لأنهم يرون في نجاح الآخرين سقوطا لهم.
والصراع بين الخير والشّر في المجال الثقافي أخذ مناحي عدّة، ووصل الى تخريب وهدم مؤسسات ثقافية، تمثل في كثير من النواحي، مثل تعيين أشخاص غير مناسبين وغير أكفياء في مناصب ثقافية رفيعة، ومنها وسائل الاعلام، ولكم أن تتصوروا أن محرّرا في احدى صحفنا المحلية كان يفاخر بجبروته و"عبقريته" بأنه كان يمنع نشر عدد من الرسومات الكاريكاتورية للمبدع الشهيد ناجي العلي! وبما أن هؤلاء "العباقرة" يسخرون صلاحياتهم الوظيفية لمحاربة وطمس أيّ نجاحات ثقافية محلية، فانهم يتعمدون مع سبق الاصرار والترصد عدم نشر أي خبر عن ابداعات الناجحين ثقافيا، ولو كان الخبر يتعلق باصدار كتاب جديد، ومما يدعو الى الضحك و- شرّ البلية ما يضحك- أن احدى صحفنا المحلية، وبناء على "عبقرية" محررها رفض نشر وقائع أمسية ثقافية لندوة ثقافية رائدة، أرسلت للصحيفة بعد الانتهاء منها مباشرة، واعتبرها-كلام فاضي- حسب رأيه، ثم نشرها بعد ثلاثة شهور، وعلى صفحة كاملة، مذيّلة بـ "منقول عن صحيفة القدس العربي اللندنية" وبالتأكيد فان نشره لها جاء لانبهاره بكل ما هو خارجي، دون قراءته، ولو قرأها لما نشرها، لأنه يعرف شخصيا الأسماء التي تحدثت في الندوة، وهم من الموضوعين على قائمته السوداء.
ومن العمى الثقافي والاعلامي الذي شاهدته في معرض فلسطين الدولي التاسع للكتاب، أن أحد المواقع الثقافية الذي يتخطى اسمه حدود فلسطين، قد نشر على صفحته الأولى خبرا ممنتجا بطريقة لافتة يدعو فيه الزائرين لحضور حفل توقيع لكتاب شخصية قيادية، وهذا أمر جميل، لكن العمى الاعلامي تجلى في عدم النشر عن الكتب الأخرى التي ستوقع في اليوم نفسه والساعة نفسها، لذا فلا غرابة أن نجد أسماء بعينها هي التي تظهر على صفحات عدد من صحفنا المحلية.
أمّا عن نشر الكتب في المؤسسات الرسمية والشعبية، فالوضع لا يختلف كثيرا عن النشر في الصحافة إلا من رحم ربي، وإذا ما كان المبدعون في الدول المتقدمة يحصلون على ثروات كبيرة كمردودات لمبيعات ابداعاتهم، كما يحظون بمكانة اجتماعية مرموقة، فإن الابداع في بلاد العربان، وفلسطين طبعا ليست استثناء، يشكل نكبة مادية لكثيرين –خصوصا الشباب منهم-، لأنهم يطبعون ما يبدعونه على حسابهم الخاص، وهذا يقودنا الى التساؤل عن جدوى وجود ما يشبه "المافيا" الثقافية بين ظهرانينا؟ والى أين ستصل بنا؟
بدون مؤاخذة-الثقافة والتمويل
لسنا هنا في مجال الحديث عن أهمية الثقافة ودورها في بناء المجتمعات والنهوض بها، فالمثقف في بلاد العربان متهم حتى يثبت ولاؤه للنظام، ويحارب حتى في لقمة عيشه، ولسنا هنا في مجال الحديث عن كثيرين من المبدعين والعلماء العرب الذين لم يجدوا متسعا لهم للعيش في بلدانهم، ولجأوا الى العيش في بلاد الغرب"الامبريالي" حيث وجدوا هناك الحرية للتعبير عن أفكارهم، كما وجدوا العيش الكريم أيضا، لذا فان العلم والثقافة هو آخر ما يتم الانتباه له عند العربان، ولا غرابة حسب احصائيات منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة "اليونسكو" أن ما يترجم الى اللغة الاسبانية في العام الواحد يعادل ما ترجم الى العربية من عهد الخليفة العباسي المأمون حتى أيامنا هذه، أي في أكثر من ألف عام، وأن ما تنفقه اسرائيل على البحث العلمي في العام الواحد يعادل ما تنفقه دول العربان في عدة سنوات.
وإذا ما عدنا الى التمويل الثقافي، ولا نقصد هنا تمويل المثقفين والمبدعين- مع أن من حقهم أن تتوفر لهم ولأسرهم حياة لائقة وكريمة- فإن ما يخصص للشأن الثقافي من ميزانية دول العربان لا يكاد يذكر، وقد يصل الى نسبة واحد في الألف كما هو في فلسطين مثلا، والاستثناء هنا هو في دولة الامارات العربية التي تخصص ميزانيات لائقة لرعاية الابداع الثقافي.
ومع الشّح في ما يخصص للتمويل الثقافي في بلادنا، ولا أقصد هنا وزارة الثقافة، لأن ما يخصص لها لا يكاد يفي برواتب موظفيها وأجور مقراتها، وإنما المؤسسات الثقافية الشعبية وشبه الرسمية، وهذه تنطبق عليها مقولة" قالوا عند الغولة حفلة عرس، فردوا عليهم: يا ليت يكفيها ويكفي اولادها" فهذه المؤسسات تحصل على تبرعات من مؤسسات ودول شقيقة، وبعضها يجد تمويلا أجنبيا، ومن تبرعات بعض الميسورين، مع أن بعضها لا يقوم بأيّ نشاط ثقافي يذكر، ولا فضل لها سوى تعليق لافتة على واجهة مقرها تفيد بأنها مؤسسة ثقافية، لأن المؤسسة مجيّرة للقائم أو القائمين عليها، وغالبا ما تأخذ الطابع العائلي، واذا ما أقيم فيها نشاط ثقافي من ناشطين ثقافيا، فإمّا أن يطلبوا منهم دفع أجرة لاستعمال المقرّ، أو في أحسن الأحوال فانهم يبخلون عليهم بالضيافة ولو كانت ماء الشرب أو فنجان قهوة، هذا إذا لم يرفضوا النشاط الثقافي بالمطلق، لأنهم يخافون الثقافة لبعدهم عنها، وقد يعتبرونها "بعبعا" يضرّ بهم لجهلهم بها. وإذا ما طُلب منهم دعم نشاط ثقافي، كأن يوفروا الضيافة والمواصلات للمدعوين القادمين من مسافات بعيدة، فإنهم يضعون شروطا تعجيزية على طالبها، يستحيل عليه تنفيذها. ويبرّرون ذلك يا للعجب! "بالشفافية في الانفاق المالي" مع أن الصحيح هو أنهم لا يريدون الصرف، أمّا أين تذهب الأموال المخصصة للنشاطات الثقافية فذلك علمه عند علّام الغيوب وعندهم، والأسئلة حول ذلك ممنوعة، أو لا إجابات مقنعة عليها. والحديث هنا يطول.
بدون مؤاخذة-الثقافة والذاكرة المفقودة
وبما أن وزراء الثقافة في دول العربان قرّروا بأن القدس عاصمة دائمة للثقافة العربية، فهذا قرار صائب وله دلالات مع أنهم لم يأتوا فيه بجديد، لأن القدس منارة علمية وثقافية ودينية وحضارية عبر تاريخها، منذ أن بناها الملك اليبوسي العربي ملكي صادق قبل ستة آلاف عام لتكون عاصمة لمملكته، ويشهد على ذلك باطن أرض المدينة وظاهرها، إلا أن ما يحزن القدس أن لا أحد ممّن يتغنّون بالقدس من أصحاب القرار، عمل شيئا للقدس يرسم الفرحة على وجه المدينة، ففي الوقت الذي يجري فيه سرقة وتزييف تاريخ المدينة بعد جغرافيتها، فإننا نساهم بشكل وآخر وبغض النظر عن كل التبريرات في طمس الثقافة العربية في هذه المدينة الذي يعتبر مسجدها الأقصى جزءا من العقيدة الاسلامية التي يدين بها أكثر من مليار ونصف شخص، تماما مثلما هي كنيسة القيامة بالنسبة للمسيحيين الذين يزيد عددهم في العالم على المسلمين. فعلى سبيل المثال فقد جرى بعد اتفاقات أوسلو الموقعة في ايلول 1993 والتي نحصد نتائجها الآن، تغييرات كثيرة شوّهت معالم المدينة، وفلسطينيا جرى نقل مؤسسات ثقافية من القدس الى رام الله، مثل مقر اتحاد الكتاب الفلسطينيين، ومسرح القصبة، ومقر اتحاد الصحفيين الفلسطينيين الذي عاد لافتتاح مقره قبل عدة أيام في المدينة، في تظاهرة اعلامية جرى فيها"تكريم عدد من الصحفيين القدامى" والذي لا نعرف كيف صنفوا من هم القدامى؟ أو هل هم يعرفون حقا الصحفيين القدامى؟ لكنه أمر جيد ومحمود ويُشكرون عليه بأنهم عادوا، كما أن صحفا ومجلات كانت تصدر في القدس قد توقفت واختفت مثل: صحف الفجر وملحقها الأدبي، المنار، الشعب، النهار، الصدى، ومجلات مثل: العودة، الكاتب، الأسبوع الجديد. ولم يبق في القدس إلا صحيفة القدس. فلا تقبلي عذر أحد يا قدس، ولا تسامحي أحدا منا، فكلنا يا جنة السماوات والأرض مقًرون بحقك، وعاقون لك يا أمّنا الرؤوم.
وظهرت صحف جديدة في رام الله مثل الأيام والحياة الجديدة وغيرهما، وهذا أمر جيد أيضا...لكن لماذا تمّ اغلاق الصحف والمجلات التي كانت تصدر في القدس؟ صحيح أن عددا كبيرا من الصحفيين من خارج القدس لا يستطيعون دخول القدس بعد اغلاقها في 28-3-1993 ، وعزلها عن محيطها الفلسطيني وامتدادها العربي،لأنهم يعيشون خارج المدينة المقدسة، لكنه كان بالامكان التغلب على هذه القضية من خلال الفاكس والانترنت.
بدون مؤاخذة - الثقافة ونشر الكتب
عندما نشرت اليونسكو أن العربي يقرأ بمعدل ست دقائق في السنة، بينما يقرأ الفرنسي بمعدل 280 ساعة، لم يصدق كثيرون من العربان تلك الاحصائية، ولم يصدقوا أن أمّة اقرأ لا تقرأ، وأنا شخصيّا ممن لم يصدّقوا ذلك، لكن من منطلقات أخرى غير منطلقات أولئك الذين يعتبرون من يؤمّون الصلاة علماء، حتى وإن كان منهم أشباه أمّيين، ولديّ ما يثبت عدم دقة احصائية اليونسكو، وليس عدم مصداقيتها، فاليونسكو تعتمد في احصائياتها تلك على الكتب المطبوعة والصادرة عن دور نشر في دول فيها مكتبات وطنية، تعطي رقم ايداع لكل كتاب يصدر، ونحن في فلسطين لا مكتبة وطنية عندنا، وبالتالي فان اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية لا تعرف شيئا عن الكتب التي تصدر عندنا، ولا حتى عن الكتّاب بمن فيهم من صدر لهم عشرات الكتب.
واذا كانت جهود كتابنا مجهولة دوليا، فان النشر في بلادنا مشكلة بجدّ ذاته لأسباب كثيرة منها:
أن ميزانية وزارة الثقافة محدودة جدا، وبالتالي فان مخصصاتها لدائرة النشر في الوزارة محدودة جدا هي الأخرى، وكذلك الأمر بالنسبة لاتحاد الكتاب وبيت الشعر، اللذين لا مخصصات لهما، حتى أن بعض المؤسسات التي تصدر أبحاثا ودراسات قيّمة مثل مركز البحوث والدراسات الاسلامية، تصدر منشوراتها بطريقة بائسة وفقيرة، وبعشرات النسخ التي توزع على مؤسسات، مع أنها تستحق التعميم بآلاف النسخ وبطباعة أنيقة.
لكن اللافت أنه كان في القدس دور نشر ما لبثت أن أغلقت أبوابها لأسباب مالية ومنها: دار الكاتب، دار العودة، منشورات صلاح الدين، ووكالة أبو عرفة وغيرها. وفي العام 2010 ظهرت دار الجندي للنشر والتوزيع، وهي دار نشر خاصة يملكها الكاتب سمير الجندي، وهذه الدار سدّت فراغا كبيرا، و نشرت حوالي 200 كتاب، كما أنها تشارك في معارض الكتب التي تقام في العواصم العربية، ولها الفضل الكبير في إيصال الكتاب المحلي الى العالم العربي الذي نحن جزء لا يتجزأ منه، وكذلك الأمر بالنسبة لدار الشروق في رام الله لصاحبها الكاتب فتحي البسّ. وهناك منشورات أوغاريت، ومنشورات مؤسسة تامر التي تعنى بأدب الأطفال، وجمعية الزيزفونة التي تصدر مجلة باسمها ونشرت عددا من قصص الأطفال، وهي مؤسسة خاصة تقوم على جهد صاحبها الكاتب شريف سمحان وغيرها...لكن ذلك لا يكفي، لعدم وجود دعم للكتاب، في ظل ارتفاع أسعار ثمن الورق والطباعة، مما يرفع سعر الكتاب الذي يصبح ثمنه فوق القدرات الاقتصادية للقارئ الجاد في ظل تدني المداخيل.
لكن في الأحوال كلها فان الكتّاب الشباب يبقون هم الضحية الأولى، فهم مضطرون لطباعة كتبهم على حسابهم الخاص، وهذا قتل للابداع، بدل تشجيعه، وهناك طلاب موهوبون ومبدعون، ولا مداخيل لهم، وينحدرون من أسر فقيرة، ولا يجدون من يأخذ بأيديهم لنشر ابداعهم.
بدون مؤاخذة- الثقافة وتفريغ المبدعين
كتب الشهيد ماجد أبو شرار مجموعة قصصية بعنوان "الخبز المرّ" وكتب الراحل المغربي محمد شكري "الخبز الحافي"، وان اختلفت منطلقات كليهما باختلاف بيئيتهما وظروف معيشتهما واهتمامات كل منهما، إلا أنهما توحّدا أمام رغيف الخبز، وذات يوم من عام مضت عليه عقود، كان عدد من الأدباء في ضيافة أديب مصري كبير، وبينما هم جلوس في صالة الضيافة يتحاورون في أمور شتى، دخلت طفلة المضيف بنت السنوات الثلاث، ووقفت فوق كنبة ترقص مقلدة راقصة رأتها في أغنية على التلفاز، فقال لها أبوها الأديب مازحا:"ارقصي يا بنت الكلب حتى تعيشي، فدخل راقصة في الليلة الواحدة يزيد على دخل والدك طيلة حياته" ونحن هنا لا نقلل من قيمة الرقص الفني الملتزم وليس الخليع، إنما نورد هذا المثال لتبيان الوضع الاقتصادي المتردي للأدباء في بلاد العربان، في حين أن أقرانهم في بلدان ناهضة يملكون الملايين ويعيشون ترف الحياة، ويزدادون ابداعا، لذا فاننا ومن باب خداع الذات نجد بين ظهرانينا من يُنَظِّر "بأن الحرمان يلد ويفجرالابداع" وكأن حرمان الأدباء العرب من حق العيش الكريم شرط لابداعهم، ودون الالتفات الى أن مئات ملايين المحرومين عندنا وعند غيرنا لم يبدعوا، لأن الفقر أساس المصائب كلها.
ونحن هنا بصدد واقع المبدعين ومنهم الأدباء، فجزء من مبدعينا يعاقب على ابداعه بدلا من مكافأته، وأحد الشعراء العرب حُكم قبل أشهر بالسجن خمسة عشر عاما لأنه كتب قصيدة تعرض فيها لسياسة رأس السلطة في بلاده، وكثيرون من المبدعين محرومون من العمل في وظائف رسمية، لأنه مشكوك بولائهم للنظام، ومن يستلم وظيفة فإنه غالبا لا يحصل على دخل يوفر له حياة كريمة. وفي الأحوال كلها فانه لا يجري تفريغ المبدعين وتوفير دخل لائق لهم، كي يتفرغوا لتنمية قدراتهم ومواهبهم الابداعية، وبالتالي سينتجون ابداعا لائقا.
وعندنا في فلسطين فنانون مسرحيون وكتاب وفنانون تشكيليون...الخ مبدعون يعانون البطالة والعوز، ويمارسون أعمالا لا تليق بمواهبهم وقدراتهم للحصول على رغيف "الخبز المرّ" فأحد الفنانين المسرحيين "يبيع الكعك" متجولا في شوارع مدينته على سبيل المثال، وأحد الشعراء يدخن"الهيشي" لأنه لا يملك ثمن علبة سجائر....الخ.
بدون مؤاخذة-الثقافة وتكريم المبدعين
من حق ذوي الفضل علينا أن نذكر أفضالهم، ومن حق المبدعين أن يتم تكريمهم في حياتهم، مع أننا من أمّة ثقافتها "ذِكْر محاسن الموتى" و"مديح الوجه مذمّة" وعندنا مبدعون لا يلقون أيّ اهتمام شعبي أو رسمي يليق بما قدّموه من نتاجات للحياة الثقافية، ولوحظ أن عددا من المؤسسات صارت تلجأ الى تكريم بعض المبدعين من خلال اقامة احتفال تلقى فيه كلمات، وتوزع فيه دروعا خشبية تحمل اسم المؤسسة، وهذه الدروع هي دعاية للمؤسسة أكثر مما هي تكريم للمبدع، ويلاحظ أن هذه الدروع هي شكلية ولا قيمة ماديّة لها، ويحضر لقاءات التكريم هذه مسؤولون كبار لتقديم هذه الدروع، كما أن لهم هم الآخرون دروعا تقدم لهم "لابداعاتهم التي لا يعلمها الا الله".
قبل عامين كنت مشاركا في حفل تكريم ثلاثة من أدبائنا الكبار من قبل مؤسسة ثقافية كبيرة، ولديها امكانيات مادية كبيرة، وكان في الحفل قادة سياسيون ووزراء ورموز ثقافية، في حين كان التكريم يقتصر على الكلمات وتقديم درع زجاجي يسهل كسره، فاستذكرت حادثة وردت في الأثر وقلت:" مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأعرابي يقرأ القرآن على ناقته الجرباء، فقال له: لو أضفت قليلا من القطران على قراءتك لشفيت ناقتك" وأضفت أنا: ولو أضافت المؤسسة الراعية للحفل قليلا من "القطران" الى درعها الزجاجي لكان لهذا التكريم معنى، خصوصا وأن مبدعينا يعانون أوضاعا مادية غاية في الصعوبة، فاستحسن الحضور ما قلت وصفقوا بحرارة.
أمّا الجوائز التقديرية والتي لها قيمة مادية مهما كانت بسيطة، فلا احد يعلم كيف يتم توزيعها غالبيتها إلا من له باع طويل في "علم الكولسات" وهو علم عربي بامتياز.
أمّا النخب الحاكمة والتي تصرف الكثير من خزينة الدولة على احتفالات كثيرة، فماذا كانت ستخسر مثلا لو وفرت سكنا لائقا على سبيل المثال للمبدعين من أبناء شعوبها، ورحم الله رمزا من رموزنا الثقافية، الذي ترك لنا أكثر من خمسين كتابا قيما، وهو أب لشابين عندما قال وهو على فراش الموت متحسرا:" نظرا لانشغالي بالأدب فانني لم أترك لأبنائي شيئا ".
بدون مؤاخذة-ثقافة المطالعة
لا أعتقد أن هناك عاقلين يختلفان على أهمية العلم والمعرفة، فبالعلم تنهض الأمم، وبالثقافة والابداع تسمو، وفي الوقت الذي تعتبر فيه الشعوب المتحضرة والراقية الرياضيات أساس العلوم، فإن "شيوخ" العربان يعتبرون العلوم الشرعية أساس كل العلوم، متناسين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على التفكير وطلب العلم، ولم يميزوا بين متطلبات الدين ومتطلبات الدنيا، ولم يشغل تفكيرهم يوما سبب تقدّم الشعوب الأخرى ورقيها على مختلف الأصعدة، وهم راضون بما هي عليه شعوبهم ودولهم من تخلف عن الرّكب الانساني، وحتى أنّهم يسيئون مفهوم التّوَكّل القائم حقيقة على قاعدة "اعقل وتوكل" فهم يتوكلون ولا يعقلون. ولا ينتبه كثيرون الى الأميّة المتفشية، والتي تصل الى حوالي 70 مليون عربي، يضاف اليها أشباه الأمّيّين وهم أكثر من نصف العالم العربي، عدا عن "أميّة المتعلمين" بسبب تخلف التعليم في مختلف مراحله بما فيها المرحلة الجامعية في جامعاتنا، لعدم مواكبتها التطورات العلمية على مستوى العالم. ومع ذلك نجد مناّ من هو فرح وسعيد بجهله ظنّا منه أنه العالِم الوحيد في عصره، غير مدرك لمقولة الامام الشافعي رضي الله عنه والتي مفادها " أجهل الجهلاء من يجهل ولا يعلم أنه يجهل" وهذا ما أدركه أبو العلاء المعري المتوفى عام 1057م، أي قبل عام عندما قال:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله...وأخو الجهالة في الجهل ينعم
ويضاف الى جهلنا جهل آخر هو"الانغلاق الثقافي" المتمثل بعدم الاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى، وعلى ما وصلت اليه من نهضة مذهلة.
وبعدها نتساءل: لماذا أمّة اقرأ لا تقرأ؟ ولماذا كبريات دور النشر في العالم العربي لا تطبع أكثر من عشرة آلاف نسخة من مؤلفات كبار المبدعين والمفكرين العرب؟ توزع في الدول العربية جميعها. في حين غيرنا من الشعوب تطبع مئات آلاف النسخ من كل كتاب، مع أن عدد شعوبها لا يساوي 10% من عدد شعوب العربان.
وعدم قراءة العربان لها أسباب كثيرة منها تفشّي الأميّة، والفقر والحرمان وارتفاع سعر المطبوعات قياسا بالمداخيل المتدنية وغيرها، لكنّنا نغيب السبب الأكثر أهمية وهو تغييب ثقافة المطالعة، التي اذا ترسخت تصبح سلوكا. ودعونا نتساءل عن نسبة من يملكون مكتبة في بيوتهم؟ وعن نسبة من يشترون كتبا لأطفالهم في مراحل الطفولة ليشجعوا بناتهم وأبناءهم على المطالعة؟ وعن نسبة من يُهدون كتابا لأصدقائهم في المناسبات؟ وعن نسبة من يحترمون الكتاب والكاتب؟ وعن نسبة المدارس التي تمتلك مكتبات وتشجع طلابها على المطالعة؟ وعن نسبة رواد المكتبات العامة؟ وبالتأكيد فاننا اذا حصلنا على اجابات دقيقة لأسئلتنا فانها ستشكل صدمة لنا.
ونحن إذ نسوق ذلك ليس من باب جلد الذات، ولا من باب تسجيل المواقف، وانما لنقف على أسباب الخلل في عدم وجود مجتمعات قارئة، لأنها لو وجدت لكان باستطاعة دور النشر أن تطبع مئات آلاف النسخ من كل كتاب، وستبيع الكتاب بسعر معقول؛ لأنها ستحقق أرباحا مجزية سيكون للكاتب منها نصيب، وسينعكس ذلك فيما لو حصل على وعي الشعوب وتقدّمها، لكن الأمنيات شيء، والواقع شيء آخر مع الأسف.
بدون مؤاخذة- مؤسساتنا الثقافية بين الوهم والحقيقة
جاء في تقرير الاحصاء الفلسطيني بأن عدد المراكز الثقافية العاملة في فلسطين 658 مركزا في عام 2013؛ 575 مركزا في الضفة الغربية، و83 مركزا في قطاع غزة، وهو عدد كبير قياسا بمساحة الأراضي الفلسطينية وعدد سكانها، ومع ذلك فان النشاطات الثقافية لا تتناسب وهذا العدد، مما يعني أن هناك مؤسسات ثقافية مرخصة، ولها مقرات وميزانيات، لكنها لا تمارس أي نشاط يذكر، ومما جاء في تقرير جهاز الاحصاء الفلسطيني:" قدمت المراكز الثقافية خلال عام 2013 حوالي 9.4 ألف نشاط ثقافي؛ 8.9% من هذه الأنشطة ندوات، و10.2% محاضرات، 63.0% دورات، و15.9% عروض فنية، و2.0% معارض.
ويلاحظ من خلال التقرير أن غالبية النشاطات تتركز على الدورات 63.0% دورات، فما المقصود بالدورات؟ والمتابع للشأن الثقافي سيجد أنها في غالبيتها العظمى دورات تقوية لطلبة المدارس، تجبي من خلالها المؤسسات رسوما مالية من الطلبة، وهي بذلك تبقى دورات تعليمية لا ثقافية، واذا ما أضفنا اليها 10.2% محاضرات، وهي في غالبيتها محاضرات سياسية لا علاقة لها بالثقافة، سنجد أن ثلاثة أرباع هذه النشاطات بعيدة عن الشأن الثقافي. ويلاحظ أن تقرير جهاز الاحصاء الفلسطيني لم يشمل القدس العربية المحتلة، مع أنها جوهرة الأراضي الفلسطينية والعاصمة السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية للشعب الفلسطيني ودولته العتيدة، وهذه بحد ذاتها قضيّة ثقافية أخرى.
كما يلاحظ أنه لا يحسب أي حساب لأيّ مؤسسة ثقافية غير مرخصة، مهما كانت فاعلة، فعلى سبيل المثال ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، والمستمرة منذ آذار – مارس- 1991 وحتى يومنا هذا، وصدر عنها حتى الآن ثلاثة عشر كتابا توثيقيا لجلساتها، وتعتبر الأكثر استمرارية ونشاطا مواظبا ليس في فلسطين فحسب، بل في البلاد العربية جميعها، إن لم نقل في العالم جميعه حسب رأي رئيس اتحاد كتاب أدب الأطفال في السويد -الذي زار القدس قبل عدة سنوات- والتقى رواد الندوة، ومع ذلك فان الندوة غير معترف بها على المستوى الرسمي، لأنها غير مرخصة، وكأن الثقافة بحاجة الى ترخيص، أواذا لم يكن المبدع مرخصا فانه لن يبدع، أو لا يسمح له بأن يبدع.
وعودة الى المؤسسات الثقافية المرخصة، والتي لا تمارس أيّ نشاط يذكر، اللهم إلا اذا اعتبرنا جمع التبرعات وتخصيص الميزانيات نشاطا، ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر دار اسعاف النشاشيبي في القدس، التي اشترتها مؤسسة دار الطفل العربي قبل سنوات بملايين الدنانير، لاستعمالها كمركز ثقافي يحمل اسم أديب العربية اسعاف النشاشيبي 1985-1948 والذي أبّنه أحمد حسن الزيات غداة وفاته قائلا: "إن النشاشيبي كان خاتم طبقة من الأدباء واللغويين المحققين، لا يستطيع الزمن الحاضر بطبيعته وثقافته أن يجود بمثله، فمن حق المحافظين على التراث الكريم، والمعتزين بالماضي العظيم، أن يطيلوا البكاء على فقده وأن يرثوا لحال العروبة والعربية من بعده". فهل واصل المركز الثقافي مسيرة النشاشيبي في بيته في هذا الزمن الأغبر؟ وماذا كان سيقول محمد حسن الزيات لو طال به العمر ورأى حال المركز الثقافي الذي يحمل اسم صديقه أديب العربية؟ والمركز الذي افتتح رسميا في أواخر العام 2012 فيه مكتبة متواضعة، وغير مرتبة ومصنفة كما يجب، تمّ رفدها في الأشهر القليلة الماضية بتسعة آلاف كتاب جمعها وأرسلها لها ابن القدس البار المبعد الى الأردن الدكتور صبحي غوشة، وقد تكلم مدير المركز المهندس خالد الخطيب أكثر من مرّة على ضرورة وضع برامج ونشاطات ثقافية يومية للمركز، لكن يبدو أن صلاحياته مقيدة من قبل إدارة مؤسسة دار الطفل العربي، ليبقى النشاط الأبرز للمركز هو الكافتيريا التي تشغل طابقه الأول منذ عدة شهور...وهذا يضعنا أمام تساؤلات كبيرة منها:
- هل مركز دار اسعاف النشاشيبي مركز ثقافي عام أم مؤسسة تجارية ربحية خاصة؟
- من المسموح له القيام بنشاطات ثقافية في المركز؟ وبالتالي من المسموح له حضور نشاطات المركز ان كان فيه نشاطات؟ وما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر فيه؟
- حسب علمنا هناك مكتبة عامة في المركز، فهل هي مكتبة عامة فعلا أم مكتبة خاصة؟ ومن يجوز له ارتيادها والاستفادة من مقتنياتها؟ وماذا يترتب عليه اذا ارتادها؟
- هل مؤسسة دار الطفل معنية بتفعيل دار اسعاف النشاشيبي كمركز ثقافي؟ أم هو مجرد مركز عليه لافتة باسمه؟ أو بالأحرى ما هي الأهداف المتوخاة من المركز؟ أم هو فقط يعتمد على الكافتيريا الموجودة فيه؟ وهل هناك شروط ومواصفات لمن يريد ارتياد الكافتيريا"المقهى"؟ وهل مسموح لمن يرتاد الكافتيريا أن يتكلم في الثقافة مع زملائه، أم هناك محاذير ومحظورات؟
وبالتأكيد هناك مؤسسات أخرى مثل مركز اسعاف النشاشيبي، مع التأكيد مرّات ومرّات بأن المؤسسات الثقافية لا تنتج ثقافة، وغير مطلوب منها ذلك، لكن عليها رعاية واحتضان النشاطات الثقافية بل ودعمها، وكان الله في عون شعبنا.
بدون مؤاخذة-الثقافة والعفاريت
جاء في لسان العرب: يأتي الاسم عفريت من الجذر الثلاثي (ع - ف - ر) ويجمع على عفاريت أو عفاري ومعنى الكلمة:
الخبيث - الماكر - الداهية - الداهي الخبيث الشرير - الشديد القوي - المتشيطن وأيضا يأتي معنى عرف الديك.
وللعفاريت والشياطين حكايات كثيرة وردت في المأثور الشعبي عند مختلف الشعوب والثقافات، وهي تأتي حاضنة للشرّ ومعاكسة للخير، وبالتالي فهي مخيفة ومرعبة، وهي انعكاس لجهل الانسان في فهم بعض الظواهر الطبيعية والحياتية.
وفي ثقافتنا الشعبية الكثير من الحكايات الخرافية عن العفاريت والشياطين والغيلان، التي تثير الرعب في نفوس متلقيها خصوصا الأطفال. لكن انساننا الشعبي مع كلّ ذلك تعايش مع هذه الخرافات رغم تأثيراتها النفسية عليه. ونظرا للتطور العلمي والحضاري للبشرية فقد تحرّر كثيرون من سطوة هذه الحكايات، لكنّها لا تزال تسيطر على عقول تحجّرت، وانغلقت على وعي معين، رغم أنها تعتبر نفسها علّامة عصرها ووحيدة زمانها، بل إن "عفاريتها" المعششة في رؤوسها جعلتها لا ترى غيرها ممن فاقوها علما وخبرة ودراية ومعرفة.
ولكم أن تتخيّلوا أو تتصوروا أن مجلس إدارة احدى مؤسساتنا الثقافية في القدس يعقد جلسات يبحث فيها اغلاق مقر المؤسسة الثقافية، التي كلّفت الملايين، وعدم استعماله لأنهم يعتقدون أن أرواحا شريرة وعفاريت يسكنونه، ويأتي هذا الاعتقاد من معرفتهم الشخصية لسلوكيات غير لائقة للراحل الذي بنى المقر. ولأنه ينطبق عليهم المثل القائل:" اللي يخاف من العفريت في الليل يطلعه" وجماعتنا "عفاريت الجهل" تتلبسهم ليل نهار، لكنهم أي مجلس الادارة لم يبحثوا يوما أن يتخلوا هم عن مناصبهم، ليفسحوا المجال لغيرهم ممن تهرب منهم "العفاريت والأرواح الشريرة".
وعندما سمعت بذلك ترحمت على جدتي التي ماتت وهي تقص علينا حكايات العفاريت والغيلان وغيرها من الخرافات، لكن جدّتي الأمّيّة -رحمها الله – لم تزعم يوما أنها عالمة، ولم تشغل أيّ منصب في حياتها سوى الحمل والولادة ورعاية جدّي الذي لم يرحم انسانيتها.
لذا ألا تتفقون معي بأن ثقافتنا بخير وتواكب العصر؟
بدون مؤاخذة- الثقافة وعبادة العجول
في ثقافتنا الشعبية أمثال وحكايات أفرزتها الطبقات المستبّدة التي خرّبت البلاد وأهلكت العباد، ومع أن الطبقات المستبدّة والنفعية قد انسلخت عن تراث شعوبها، إلا أنّها رسّخت ثقافة الخنوع لعامّة الناس، ومن هنا فان كثيرين يردّدونها حتى أصبحت سلوكا ومنها: " اللي يتجوز أمّي هو عمّي" و"اليد اللي لا تقدر تقطعها بوسها وادع عليها بالقطع" و"إذا لقيت ناس يعبدوا عجل حشّ واطعمه" و"اخدمني وانا سيدك"وغيرها كثير. وبما أن شعوبنا بمسلميها ومسيحييها في غالبيتها متدينة، فانها لم تأخذ بدينها لمحاربة الفساد، فثقافتنا الدينية تقول:" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان" وبما أن ثقافة التغيير باليد أصبحت في خبر كان عند حكومات العربان وعند شعوبهم، فان ثقافة التغيير باللسان يعتبرها البعض تشهيرا غير لائق، أمّا ثقافة التغيير بالقلب فتلك أمور فيها "خيانة للضمير"!، وبالتالي فاننا استسغنا "عبادة العجول" مع ما تحمله من شرك وكفر، ومع أن المطلوب أن لا "نحشّ للعجل المعبود ولا نطعمه" بل نهدي عبدته ونذبح العجل ونأكله وإيّاهم. وهذا ما لا يحصل عندنا.
وقد يغضب البعض من هذا الكلام، ولا يحب سماعه انطلاقا من ثقافة الخنوع المستأصلة...لذا فان الفساد يستشري في الكثير من مؤسساتنا الثقافية وغير الثقافية، وهو واضح للعيان...لكنّ المفسدين يواصلون ممارسة الفساد والتخريب، والأنكى من هذا كله أن بعضهم على قناعة تامة بأنّه على حق، وأن ابتعاده عن المؤسسة قد يكون سببا في اغلاقها وانهائها...وبالتالي فانه يخرق دستور ولوائح مؤسسته، ولا يؤمن بالانتخابات إلا لمرّة واحدة وهي التي أوصلته الى دفّة الادارة. خصوصا وأنه لا يجد من يحاسبه، أو يوقفه عند حدوده...أي أنه " يتفرعن لعدم وجود من يردعه عن فرعنته" وامعانا منه في "الفرعنة" والاستمرارية فانه يحصر عضوية الهيئة العامة في المؤسسة بأفراد من شاكلته "يحشّون لعجله ويطعمونه" واذا ما غيّبه الموت فان البدائل له من هذه الشاكلة جاهزة، ولنبقى ندور في حلقة مفرغة، وكأن المؤسسات العامة ملكية خاصة لبعض العائلات المتنفذة، مع أن بعضها له تاريخ أسود.
وعندما تقع مؤسسات "عبدة العجول في مآزق مالية، فان البحث يجري حول كيفية حل هذه المشاكل دون البحث عن أسبابها، لنعود مرّة أخرى لتسمين"عجولنا".
بدون مؤاخذة- ثقافة التحريم
ومن الأمور التي لم تعد عجيبة في عصر هزائمنا هذا أن تجد بين ظهرانينا من يحرّمون صنوف الابداع، ويحاربونها، فهم يحرّمون القصّ والرواية والفن التشكيليّ والنحت، والموروث الشعبيّ وغيرها، ولولا أن الرسول استمع للشعراء لحرّموا الشعر، مع أنهم يحرمون شعر الغزل، ولم ينتبهوا الى قصيدة كعب بن زهير التي مدح فيها خاتم النبيين، مع أنّه افتتحها بالغزل:
بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُ
وأنه واصل الغزل والتشبيب في أكثر من ثلثي القصيدة الى أن وصل مديح الرسول بقوله:
أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَني والعَفْوُ عَنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُو