بعد حرب إسرائيل على غزة عام 2008، تصاعد جدل كبير، حول دور «حماس» فيها، وحمّلت مسؤولية ذلك، بحجة أنه لولا صواريخها لما كانت الحرب. الحجة ذاتها تستعاد الآن. وهناك حجة تشبهها قيلت يوماً بخصوص حرب إسرائيل على لبنان عام 2006.
وبعكس هذا الاتجاه، كان الاتجاه الممانع الذي يتجاهل الطبيعة الأصولية والطائفية لحركة «حماس» و «حزب الله» وشمولية دول الممانعة، فيعطيها صفات تصل إلى تمجيدها كإله ما دامت لديها نية ضرب إسرائيل وليس الفعل ذاته. وهذا اتجاه نظامي، يوظف طاقاته الفكرية في خدمة تلك الحركات والدول من دون أن ينتابه القلق من أن هذه التشكيلات ربما كانت لديها غايات أخرى.
أما الآن فالجدل يحاول تلمس القضية بعمق أكبر. فلم تكن المقاومة المدنية البديل عن الصواريخ، بل خضعت غزة لحصار مشدّد وأمعن التقطيع بالضفة وبنيت المستوطنات الجديدة وصودرت الأرض وهمشت سلطتها. وهذا بالضبط ما دفع سلطة الضفة وحركة «حماس» للذهاب نحو حكومة المصالحة، وهو ما رفضته إسرائيل وشنت حربها على غزة. إذاً ليست تلك الصورايخ سبب الحرب ولا استطاعت كذلك أن تكون البديل كما تقول جماعات الممانعة. وفي لبنان تهمّش «حزب الله» ولم يعد بمقدوره الدفاع عن خيار المقاومة، وقد تآكلت شعبيته التي توسعت بعد حرب 2006. فهو في سورية يقاتل مع نظام الممانعة ضد الشعب.
لا شك في أن جديداً حصل في ما بعد الثورات العربية. فالأنظمة الشمولية تخلخلت كثيراً، وإمكانية تحقيق الحريات صارت من حقائق الواقع وإن بتعثر ما، وإسرائيل التي وعدت سلطة الضفة بدويلة على أراضي 67 وفق أوسلو لم تقدم شيئاً لها. وأمامنا نقاش جديد يظهر من خلال كتابات المثقفين السعوديين وغير السعوديين كذلك في جريدة «الحياة». فقسم منهم يقول إن الصواريخ هي السبب وقسم آخر يرى المشكلة الحقيقية هي إسرائيل ورفضها لتطبيق اتفاقيات أوسلو وليس لسلطة «حماس» فقط.
واقع ما بعد الثورات العربية يؤكد أن الأنظمة تتهاوى ولنقل تتغير. وبالتالي تطرح كل قضايا المنطقة بقدر من الموضوعية، وبعيداً من البعد الإيديولوجي والذي في وجه منه كان ضدياً ويرفض كل آخر، وبالتالي فالليبراليون يرفضون جماعات المقاومة والممانعة لأنهم كذلك، والأخيرون يرفضون الأوائل لأنهم كذلك. وفي موضوع فلسطين فإن طبيعة إسرائيل لم تتغير كدولة صهيونية استعمارية، وقد طرحت نفسها بشكل صريح كدولة لليهود، ويتكشف كذلك أن خيار تغييب الشعب باسم المقاومة أو السلطة أفلس نهائياً.
إسرائيل متخوفة من كل هذه الأجواء، وهذا ما دفعها إلى رفض حكومة المصالحة وتحذير سلطة الضفة من ذلك، ولاحقاً قامت بغزو غزة. إسرائيل الآن ستعيد حساباتها، فالإدارة الأميركية لا تستطيع حمايتها من متغيرات المنطقة، وربما كانت حرب غزة من آخر الحروب التي تُغطى أميركياً، وفي هذا الإطار من الخطأ تجاهل التقارب الأميركي الإيراني والجفاء مع السعودية. وهنا لا ننسى أن من أفشل مهمة كيري الذي تردّد على المنطقة مرات عدة هي إسرائيل ورفضها التساهل في المفاوضات مع الضفة. طبعاً غزوها الأخير والقاسي ستكون غزة بعده مدماة تماماً، وستتعثر من جديد حكومة المصالحة التي كان مزمعاً تشكيلها. وقضية إعادة إعمار غزة ستكون مشكلة الحكومة القادمة لزمنٍ طويلٍ.
و «حماس» و «حزب الله»، على رغم الحضور الكبير للإسلام السياسي بعد الثورات العربية، أصبحا سبباً إضافياً للأزمات في لبنان وفلسطين ومصر وليبيا واليمن وسواها، وبالتالي أصبح الميل الشعبي يتجه الى رفض دورهما السياسي الرئيسي.
لقد فشلت «حماس» في غزة، والحصار ليس سبب كل مشكلات غزة، إذ هناك أيضاً سياسات «حماس» الاستئثارية. وفي لبنان تبين لغالبية مؤيدي «حزب الله» بطلان دعواه بتبني المقاومة، فجنوده يقاتلون السوريين ويعودون مجرد جثث لا شهداء. وفي مصر سقط حكم «الإخوان» بسبب استحواذهم وتفردهم في السلطة ورفضهم حتى التعاون مع السلفيين، وفي تونس يتبين كل يوم فشل «الإخوان» في حل الأزمات، وفي ليبيا فشلوا في الانتخابات الأخيرة. وهكذا بدأ يتشكل ميل مضاد للإسلام السياسي، وهذا ما سيطرح على الواقع مجدداً كل أشكال المقاومة في فلسطين وسواها، لكنها لن تكون بقيادة الحركات الإسلامية كما الأمر في العقود السابقة. هذا ما تخشاه كذلك إسرائيل، سيما أنها تقرأ مؤشراته في اندلاع احتجاجات واسعة قبل الغزو وأثناءه، وهناك من يصفها بالانتفاضة الثالثة.
هذه التغيرات تقلق إسرائيل كثيراً، وتقلق «حماس» كثيراً. ولكنها تعبر عن أن المتغيرات بسبب الثورات لن تتوقف عند عودة بعض أشكال الحكم القديمة للسلطة مجدداً. الحركات الجهادية ليــست البديل بل هي نتاج الحروب والأزمات الكبرى، وستتقلص حالما تترسخ التغيرات المستمرة لجهة الحريات ودخول الشعوب حقل المشاركة السياسية والمطالب الاقتصادية والاجتماعية وسواها.
* كاتب سوري
عن الحياة اللندنية