رغم تكرار الدعوة فى خطابنا السياسى لأهمية التفكير الابتكارى أو التفكير من خارج الصندوق، فإن التفكير التقليدى هو التفكير السائد لدى غالبية البشر.
وغنى عن البيان أن التفكير الابتكارى يقوم على النقيض من ذلك كله؛ فالتكرارية بالنسبة للتفكير الابتكارى لا تعنى الكثير، بل على العكس فإن المفكر الابتكارى لا يكاد يرى شيئًا مكررًا. كذلك فإن التفكير الابتكارى يقوم على الفروق الكمية البسيطة ويتمرد على الاحتياجات الذاتية المباشرة ويبتعد عن التعميمات المطلقة مبرزًا فكرة البدائل.
عالم الإدارة «بارتون جولدسميث» يستهل مقالًا له نشر فى أغسطس عام 2001 بعبارة منسوبة لألبرت اينشتاين يقول فيها اينشتاين «إن الخيال أكثر أهمية من المعرفة» ويمضى بارتون ليقرر أن عصر المعلومات الذى يراه وريثًا لعصر الصناعة يتطلب تطوير العديد من المهارات الجديدة على رأسها الابتكارية وحل المشكلات.
ويتفق ذلك مع جوهر ما ذهب إليه عالما النفس فرنش و رودر فى كتابهما المنشور عام 1992عن تعليم مهارات التفكير, حين يقرران «أننا حين نتحدث عن التفكير, فإن أول ما يتبادر إلى الذهن بالنسبة لأغلبنا هو موضوعات كحل المشكلات, والتفكير الناقد، والتفكير المبدع, وهى التعبيرات اللامعة ذات الرنين, والرائجة فى تسويق برامج التدريب والتدريس, والتى يحرص رجال التعليم على إبرازها لتأكيد أنهم يسيرون على الطريق الصحيح».
يعد موضوع حل المشكلات إذن من القضايا الرئيسية التى يتناولها علماء النفس وهم بصدد معالجة عمليات التفكير, ولكن ترى ماذا نقصد بتعبير «مشكلة». تعريفات المتخصصين فى علم النفس عديدة, فإذا ما أضفنا إليها تعريفات علماء الإدارة، والسياسة, أصبحنا حيال ركام هائل من التعريفات لا أظن ثمة نفع كبير فى استعراضها. ما يعنينا هو أن نقف على القسمة المشتركة التى تجمع بينها. المشكلة موقف محبط بمعنى أن المرء يكون راغبًا فى بلوغ هدف بعينه ولكن هناك ما يحول دون بلوغه مما يدفعه للتفكير فى بدائل.
غير أنه فى بعض الأحيان تكون ثمة مشكلات واقعية قائمة بالفعل يعيها البعض, ولكنها تغيب عن وعى الآخرين. ربما لأنهم لا يستشرفون المستقبل بدرجة كافية, وربما لأنهم لا يقدرون تقديرًا صحيحًا مدى تأثيرها على حياتهم, و ربما لأنهم يعتبرونها أمورًا طبيعية أو قدرية لا طائل من النبش فيها, أو ربما لأن وجودها يخدم مصالحهم, أو لغير ذلك من الأسباب. وفى أحيانٍ أخرى قد لا تمثل ظاهرة ما مشكلة حقيقية تستدعى حلًا, ومع ذلك يدركها البعض باعتبارها مشكلة, بل وقد يروجون لذلك ويحشدون القوى لحل تلك المشكلة التى تم اصطناعها وتضخيمها. وفى كلتا الحالتين تبرز قضية التوعية باعتبارها الوجه المكمل لقضية الوعي. ونعنى بالتوعية ذلك الجهد المقصود الذى يستهدف التأثير على الوعى. قد يتمثل ذلك الهدف فى إثارة الوعى بمشكلات قائمة أو قادمة, وقد يكون الهدف هو تغييب ذلك الوعى بجذب الانتباه بعيدًا عما هو قائم أو قادم, وفى كلتا الحالتين فالأمر يستلزم جهدًا منظمًا سواء كان ذلك على المستوى الفردى أو على المستوى الجماعى.
ونظرًا لأن التفكير بطبيعته لا يمكن دراسته بشكل مباشر فقد انصبت تلك المعالجة على دراسة التفكير كما يبدو لنا فى موقف محدد مضبوط، هو موقف مواجهة الكائن الحى لمشكلة تتطلب حلاً. ولذلك فإن التعريف السائد للتفكير هو أنه ذلك الذى يحدث حين يواجه الكائن البشرى أو الحيوانى مشكلة فيتعرف عليها ويحلها.
ورغم أنه لا توجد وصفة جاهزة واحدة للتدريب على الابتكارية، إلا أن ثمة قواعد أو مؤشرات عامة ينبغى الالتزام بها ولعل أهها:
أولا: فتح الباب على مصراعيه لتقبل البدائل، بمعنى التأكيد دائمًا على أن الواقع ليس هو الممكن الوحيد. الفرد المبدع ينظر إلى الواقع القائم باعتباره أحد الاحتمالات العديدة اللانهائية الممكنة.
ثانيا: ادراك أن العالم متغير دومًا وأن الثبات نسبى تمامًا. بعبارة أخرى فإن الفرد المبدع لا يكاد يرى شيئين أو أمرين أو لحظتين متطابقتين تمامًا. انه يتميز بحساسيته لإدراك الفروق ومن ثم فإنه يدرك العالم فى كل لحظة كعالم جديد يستحق إعادة التفكير من جديد. ولعل الصورة الكاريكاتيرية للمخترع أو المبتكر الذى لا يكف عن الاندهاش حتى حيال الأمور العادية صورة لا تخلو من بعض الحقيقة.
ثالثا: ترسيخ فكرة أن خطأ المحاولة ليس نهاية الطريق، بل انه فى حد ذاته يمثل متعة للمبدع الحقيقي. بعبارة أخرى فإنه إذا كان المفكر التقليدى يخشى أكثر ما يخشى الخطأ، فإن المبدع يستمتع بالمحاولة الجديدة ولا يكف عنها ولا يدفعه خطأ النتيجة إلا إلى تعديل المحاولة والعودة من جديد.
عن الاهرام