قرار المجلس المركزي الفلسطيني، الذي اتخذه مؤخراً، بوقف التنسيق الأمني مع سلطة الاحتلال الصهيوني، كان يمكن أن يشكل خطوة مهمة سيكون لها ما بعدها، أو ربما يمثل تحولاً استراتيجياً في سياق النضال الوطني الفلسطيني، لو وجد طريقه إلى حيز التنفيذ .
فالقرار، وان جاء متأخراً، وحمل في مضمونه رداً على غطرسة الاحتلال، وإمعانه في استباحة الأرض والمقدسات، وتحلله من الالتزامات والاتفاقات كافة التي وقع عليها، بما فيها الاستيلاء على أموال الضرائب العائدة للسلطة الفلسطينية، إلا أنه يأتي استجابة لمطلب شعبي فصائلي سبق أن تمت الدعوة إليه مرات ومرات من دون أن يلقى آذاناً صاغية .
وبعيداً عن تحدي حركة "حماس" للسلطة بتنفيذ القرار، فان التجربة في حد ذاتها أضفت على هذه الإمكانية شكوكاً كثيرة، إذ لطالما تظاهرت السلطة بالاستجابة لهذا المطلب، بل هددت، هي ذاتها، في مرات عديدة بوقف التنسيق الأمني رداً على هذه الجريمة أو تلك من جرائم الاحتلال، ليتبين لاحقاً أن هذه الاستجابة وذاك التهديد لم يكن سوى لامتصاص الغضب الشعبي الذي كاد يوشك على الانفجار . لكن السلطة التي بنت استراتيجيتها على المفاوضات فقط، هي التي أوصلت الأمور إلى المأزق الحالي، وجعلت من التسوية والمفاوضات التي تراهن عليها مسألة عقيمة، باتت محاولات إحيائها كمن يسبح عكس التيار في الظروف الراهنة، فلا الإدارة الأمريكية قادرة على المبادرة في ظل الخلافات الناشبة بينها وبين الجمهوريين، أو بينها وبين الكيان الصهيوني بعد خطاب نتنياهو في الكونغرس، على الرغم من المناكفات التي لجأ إليها البيت الأبيض بإجراء تغييرات على مستوى المسؤولين عن الشرق الأوسط في تلك الإدارة . ولا العرب مهيئون لاتخاذ مواقف قوية ومؤثرة في ظل انشغالهم بقضاياهم الداخلية، وانخراط معظمهم في الحرب على الإرهاب التي أصبحت أولوية المجتمع الدولي ككل .
وقبل هذا وذاك، هناك الموقف الصهيوني، المنشغل بالانتخابات البرلمانية، بعد أن أوغل كثيراً في الذهاب إلى العنف والتطرف ونسف كل الأسس التي يمكن أن تقوم عليها أي تسوية، باستثناء التنسيق الأمني، باعتباره المبرر الوحيد للقبول ببقاء السلطة .
في الإطار العملي، وضع قرار المجلس المركزي الأخير، السلطة الفلسطينية أمام خيارين خطرين، فإما أن ترفض تنفيذ القرار ليلحق بجملة المواقف العاطفية التي استهدفت تفريغ شحنات الغضب الشعبي، لكنه في هذه الحال، سيتحول من سيف بيدها، إلى سيف مسلط على رقبتها، بمعنى أنها لن تستطيع استخدامه أبداً، وبالتالي تكون قد حرقت هذه الورقة وأسدت خدمة مجانية للكيان . وإما أن تلجأ إلى تنفيذه، وهو خيار مستبعد، لأنه يحمل في جوهره حقيقة حل السلطة مع كل التبعات والتداعيات المترتبة عليه، وبالتالي إعادة الصراع إلى مربعه الأول بين احتلال وشعب محتل، ما يعني أن السلطة ستستمر في المناورة، بلا أفق، في محاولة لكسب الوقت بانتظار أي متغيرات قد يلوح معها شبح المفاوضات مجدداً ولو من بعيد، فيما سيظل الشعب الفلسطيني يدفع ثمن كل هذه المواقف والسياسات إلى أن يستعيد زمام المبادرة ويتمكن من استنهاض مشروعه الوطني التحرري، وفي مقدمته المقاومة بكل أشكالها في مواجهة الاحتلال .
عن الخليج الاماراتية