تاريخ النشر: 2025-10-09 | 13:43
تاريخ النشر: 2025-10-09 | 13:43
بين أزيز الطائرات وصدى الانفجارات، ثمة معركة أخرى لا تُرى بالعين، لكنها لا تقل ضراوة عن القصف والدمار. إنها الحرب النفسية التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين، محاولةً كسر إرادتهم عبر الخوف، والإشاعات، والتشكيك، والضغط المعنوي المستمر. هذه الحرب ليست جديدة، لكنها في العدوان الأخير بلغت ذروة غير مسبوقة، مستخدمة أدوات إعلامية وتقنية وسياسية لتقويض الروح المعنوية للمقاومة وسكان غزة على حد سواء.
منذ اللحظة الأولى، حرصت إسرائيل على بث رسائل تهدف إلى زرع اليأس في النفوس، مستخدمة وسائل التواصل ووسائل الإعلام لبث الشائعات حول “هزائم للمقاومة”، و”انشقاقات داخلية”، و”نهاية وشيكة للمعركة”. كما كثّفت من نشر صور وفيديوهات مفبركة لتضخيم قوتها وإظهار المقاومة بمظهر الضعف، في محاولة لخلق حالة من الإحباط لدى الجمهور الفلسطيني، وإضعاف الالتفاف الشعبي حولها.
لكن ما لم تفهمه آلة الاحتلال أن الشعب الفلسطيني تمرّس في مواجهة هذا النوع من العدوان، وأن الحرب النفسية تفقد تأثيرها حين تُقابل بإيمانٍ راسخ بعدالة القضية. فبدل أن تضعف المقاومة، باتت هذه المحاولات دافعًا جديدًا لمزيد من الصمود، إذ تحوّل التحدي النفسي إلى حافز للثبات والإصرار.
كما لم تقتصر هذه الحرب على الداخل الفلسطيني فحسب، بل امتدت إلى الساحة الدولية. حاولت إسرائيل تصدير روايتها للعالم بأنها “الضحية”، وأن ما يجري في غزة هو “دفاع عن النفس”، في حين تُظهر الوقائع أن الاحتلال هو من يزرع الموت والدمار. هذه الرواية المضلّلة تمثل جزءًا من العدوان الإعلامي الذي يوازي في خطورته العدوان العسكري.
الحرب النفسية الإسرائيلية تسعى إلى أمرين رئيسيين: كسر الثقة بين المقاومة وشعبها، وتشويه الصورة الذهنية للفلسطينيين في الخارج. ومع ذلك، أثبتت التجارب أن هذه الحرب تُخفق حين تواجه وعيًا ناضجًا وشعبًا متماسكًا يدرك أن الكلمة قد تكون رصاصة، وأن الشائعة قد تقتل كما يفعل الصاروخ.
إن أخطر ما في الحرب النفسية هو أنها لا تترك آثارًا مادية يمكن ترميمها، بل تستهدف الروح والإيمان والعزيمة. غير أن الفلسطينيين، الذين عاشوا تحت القصف والاحتلال لعقود، باتوا أكثر مناعة في مواجهة هذا النوع من العدوان، وأكثر وعيًا بوسائل تفكيكه والتصدي له.
في النهاية، يمكن القول إن الحرب النفسية هي الوجه الآخر للعدوان الإسرائيلي، وجه أكثر خفاءً لكنه أكثر دناءة. فالقصف يُدمّر البيوت، أما الدعاية فتسعى لهدم المعنويات. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الثابتة أن من يمتلك قضية عادلة لا تهزمه الأكاذيب، ومن يتسلّح بالإيمان لا تهزمه الحروب مهما تنوعت وجوهها.
فما زال الفلسطيني يقف شامخًا، يواجه حربًا بالسلاح وأخرى بالكلمة، لكنه في كلتا الحالتين يقول للعالم:
“لن تهزمونا… فالحرب النفسية تسقط حين يسكن اليقين في القلوب.”