تاريخ النشر: 2016-06-28 | 09:10
تاريخ النشر: 2016-06-28 | 09:10
لا أشك للحظة فى إرادة الحكومة ورغبتها الأكيدة فى مكافحة الفساد والكثير من الظواهر المحيطة، مما يؤكد أن ملاحقات تتم فى الكثير من المؤسسات والهيئات لظواهر باتت فجّة وغير مقبول تحمّلها.
ولا أستبعد أن جانباً من أزمة امتحانات الثانوية العامة وتسريبها والكشف عنها وضبط بعض المتهمين بالتسريب وقرارات وزارة التعليم فى مواجهة تداعيات ما جرى، كل هذا جزء من مواجهات منظومة الفساد فى المجتمع.
وليس بمستغرب أبداً الحديث عن مواجهات للفساد داخل منظومة السلع الغذائية الأساسية المدعومة لمحاربة أساليب وخطط يرسمها فاسدون، لتفريغ سياسات الدعم الجديدة واستنزاف الجهود المبذولة، بهدف تحويل نتائج تلك السياسات إلى جيوب الفاسدين والمحتكرين وتجار السوق السوداء.
كلى ثقة أن أى مواجهات ستقوم بها الدولة لمواجهة الفساد ستقابل بحرب عظيمة وحملات تشويه وإساءة وسيستخدم فى جانب منها الناس أصحاب المصلحة، فللأسف جانب كبير من الفساد تحول إلى ما يمكن تسميته «فساد شعبى».
المؤكد أن الصمت على الفساد لحقب وعهود طويلة تسبّب فى تحويله من فساد داخل مؤسسات الحكومة إلى فساد مؤسسى ممنهج انتشرت أذرعه وتشعّبت فى جميع مناحى الحياة، وتواصلت أشكاله إلى ما لا يمكن تخيله.
من تجارب عملية فإنك كلما حاربت الفساد شن عليك الفاسدون حرباً يتهمونك أنت بالفساد، وهى واحدة من أخطر أساليب الفاسدين يستخدمون فيها المستفيدين، وهم جماعات وشبكات لا يجب أبداً التقليل من شأنها.
أصابت الدولة وهى تنظم حملات توعية وتثقيف وتنشيط إعلامية لمدارك الناس فى مواجهة الفساد وتوضيح مخاطره على حياتهم وحقوقهم، بل هى أيضاً تروج لجوانب مهمة فى حياتنا توقظ بها ضمائر المصريين.
الحاصل أننا نمارس الفساد ليل نهار، وفى كل ساعة، رغم جميع شكوانا وتذمّرنا من الفساد وويلاته، فمن يبحث لابنه عن واسطة لمقعد فى مدرسة أو لوظيفة متميزة فى مكان متميز، ومن يقدم لموظف عام «وهبة» أو «يعزمه» على كوب شاى نظير «تشهيلات» أو إنهاء أوراق، كل هذه مظاهر فساد، غير الحديث عن تجارة العملة أو سحب السلع من الأسواق، وغيرها العشرات من الظواهر التى نمارسها، فنشارك بها ضمن منظومة الفساد.
ربما يقول البعض إن هذه الظواهر ليست بدرجة التأثير التى يتسبّب فيها فساد الكبار، وربما يكون ذلك صحيحاً، لكن الأصح أن منظومة الفساد متنوعة الأدوات والأشكال ومختلفة المستويات، بصورة تجعل من الحديث عن الفساد فى مصر ومواجهته لا يجوز أن تقتصر على اتهامات لجانب محدّد أو لفئة بعينها، دون النظر إلى جميع جوانب المنظومة.
لذلك من الصعب أن تتخيل الحكومة كفاية حملاتها الإعلامية والإعلانية لمكافحة الفساد فى إقناع الناس، فالأمر يتطلب حزمة متكاملة تتعامل مع جميع الظواهر، وعلى مختلف مستوياتها، بما يمكن اعتباره حرباً شاملة على الفساد.
اعتقادى أن الحرب على الفساد فى مصر لا تقل فى صعوبتها ولا مخاطرها عن حرب الإرهاب، ولست مبالغاً فى اعتقادى هذا، كون الفساد نجح فى تكوين شبكة عنكبوتية عظيمة التعقيد والتأثير وممتدة إلى ما هو أبعد من قدرات التحليل والتوصيف.
وفى ظنى أن بداية الحرب على الفساد ترتبط بإصدار تشريع المساواة ومنع التمييز فى تولى الوظائف العامة، واستحداث الآلية الوطنية لمكافحة الفساد، وهى ليست بديلاً عن المؤسسات والهيئات والأجهزة العاملة فى هذا الشأن، لكنها آلية قيادة الحرب على الفساد ووسيلة تنفيذ قانون المساواة.
عن الوطن المصرية