في اعقاب إصطدام مشروع القرار الفلسطيني العربي ب"الفيتو" الاميركي بطريق غير مباشر في مجلس الامن، قام الرئيس محمود عباس بالتوقيع على الانظمام لعشرين منظمة ومعاهدة اممية وعلى مرأى العالم كله يوم الاربعاء الفائت، اليوم الاخير من العام الماضي
لم تكن الخطوة الفلسطينية إرتجالية او إنفعالية، ولم تكن ردة فعل غير مدروسة. بل جاءت إنعكاسا للتوجهات القيادية، التي حددتها اللجنة التنفيذية للمنظمة. وعكست حرص القيادة على التناغم الواعي مع مزاج ورغبة الشارع الفلسطيني وقواه السياسية. وقطعت الطريق على بعض القوى المتوترة والموترة للرأي العام الفلسطيني، التي ذهبت بعيدا في محاكاة السياسة الواقعية للرئيس عباس. حتى حركة حماس، لم تتمكن من المزاودة على ابو مازن، ورحبت بالخطوة، وباركتها، وطالبت بتعميقها.
وللاسف ان بعض فصائل منظمة التحرير لم تقرأ التكتيك والسياسات المنهجية لرئيس المنظمة بطريقة موضوعية، وخانها التشخيص الدقيق للحظة السياسية، وكيفية ادارة الصراع مع دولة الاحتلال الاسرائيلية والقوى الدولية وخاصة الادارة الاميركية، ووقعت في دائرة التشنج والتقييم غير الايجابي للامور، مما دفعها لمقاطعة الاجتماع الاخير للقيادة، الذي وقع فيه الرئيس ابو مازن على المعاهدات والمنظمات الاممية. مما اظهر عجزها وقصور نظرها.
بديهي من حق الفصائل والقوى والشخصيات المستقلة ان تقول رأيها، وتسجل مواقفها على هذا القرار او ذاك، على هذه الخطوة او تلك، لكن طالما السياسة المتبعة والمنفذة تستجيب للتوجهات، التي تم تبنيها بشكل مشترك في الاجتماعات القيادية السابقة، فإن المسؤولية، كانت تحتم عليها (القوى) حضور الاجتماع وليس الغياب عنه. وعلى حد قول احد الاصدقاء من اعضاء اللجنة التنفيذية، كان بالامكان ان يطلب اعضاء اللجنة التنفيذية لقاءا خاصا بالرئيس دون حضور اللجنة المركزية لحركة فتح، وبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وبعيدا عن الشأن الداخلي، فان ردود الفعل الاسرائيلية والاميركية على الخطوة الفلسطينية بالانظمام للمعاهدات الدولية تعكس مدى خشية دولة الابرتهايد الاسرائيلية من الانضمام لمعاهدة روما، اي محكمة الجنائية الدولية، التي ستكون في المستقبل المنظور مكانا هاما للصراع وملاحقة القيادات الاسرائيلية، التي ارتكبت جرائم حرب ضد ابناء الشعب العربي الفلسطيني. وبغض النظر عن تعقيدات ملاحقة القيادات الاسرائيلية ارتباطا بالنظام ولوائح عمل المحكمة، إلآ انها ستبقى سيفا مسلطا على رقاب القادة الاسرائيليين، الذين لن تتمكن اميركا من حمايتهم إلى ما لا نهاية.
كما على الادارة الاميركية ان تكف عن مطاردة القيادة الفلسطينية وإحراجها، وفرض الاملاءات عليها. لانه لم يعد امام قيادة منظمة التحرير مجالا للانتظار اوالمراوحة في ذات المكان بعد مرور واحد وعشرين عاما على التوقيع على اتفاقيات اوسلو، ومواصلة دولة الاستعمار الاسرائيلية التهويد والاستيطان وتغيير معالم المدن الفلسطينية وخاصة القدس، ومواصلتها كل اشكال القهر والحصار على الجماهير الفلسطينية، وقطعها الطريق على خيار الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 67، الامر الذي املى عليها اعادة الاعتبار لدورها ومصداقيتها كحاملة لراية التحرر الوطني وتحقيق اهداف الشعب الفلسطيني. لا خيار امامها سوى ما فعلت،ومسؤولياتها تحتم عليها تصعيد الكفاح الشعبي والديبلوماسي والسياسي وعلى الصعد المختلفة لحماية القضية الوطنية والمصالح العليا للشعب من التبديد او الاضمحلال.