فى السياسة مثل الحياة، الفريك مايحبش شريك، فالسلطة ثمرة من الواجب على السياسيين التنازع عليها لقطفها أو حتى الاقتراب منها والاستظلال تحت شجرتها، وعندما تغيب السياسة وتكون الثمرة ملقاة على قارعة الطريق -مثل حالتنا الحالية- أو فى حجر طرف دون غيره، يسعى البعض إلى صناعة كيان يصنع توازناً ما فى المشهد، حتى تسير عجلة الديمقراطية حتى لو كانت شكلية إلى الأمام ولو خطوة أو خطوات حسب التساهيل، فى مصر الآن مأزق مرت به روسيا عقب تفكك الاتحاد السوفيتى، فدولة الحزب الواحد والكيان الواحد تعانى عند محاولة الخروج من سلطة الأحادية الشمولية، فهى مثل السرطان الذى يلزمه بتر عضو أو أكثر، لكن ماذا تفعل إذا كان الورم قد وصل الغدد الليمفاوية السياسية والمجتمعية أيضاً؟ فالشمولية لا تحكم سوى مستسلمين خانعين خاضعين وإن وجد الممانعون فإنهم فى مرمى نيران الجميع، بمن فيهم العامة الخائفون من المستقبل طول الوقت بسبب ودون سبب!!
يتشكل حالياً حول سلطة الرئيس عبدالفتاح السيسى مجموعة من شبكات المصالح، فى هيئة أحزاب سياسية تريد أن تأتلف فى كيان واحد لخوض الانتخابات المقبلة، وجميعهم لم يعمل لصالح الرجل فى حملته الانتخابية بل سخر صوره ورقص «بشرة خيرة» لمعركة البرلمان المقبلة بانتهازية جميعنا رأيناها فى ريف وحضر مصر، فتجربة الـ3 سنوات علمت الجميع أن الوثوب فى مراكب السلطة أصبح من السهولة بمكان، فقط عليك أن تهلل وتطبل لأى ما كان فى السلطة، إخوان أو ظلاميين أو حتى زعماء، لا يوجد فارق!
الكيان أو التيار -سمه ما شئت- يتشكل باستدعاء موظفى دولة مبارك السابقين، مع تركيبة عسكرية شرطية، تماشياً مع ترتيبات المشهد الحالى، والأسهم تتجه إلى شخص مراد موافى لقيادة هذا الائتلاف -الذى أعتبره اختلافاً واختلالاً أيضاً- فجميعهم بلا قواعد، وليسوا على قلب رجل واحد، وبعد قليل سيتقاتلون على كل شىء، وأولها السيسى نفسه، الثنائية الروسية «بوتين - ميدفيديف» يبدو أنها ملهمة للبعض خاصة فى ظل تقارب روسى مصرى فقد يراها البعض «سيسى - موافى»، وهذه الثنائية ينقصها بعض الرتوش، لنعلم من يريد للبرلمان المقبل أن يكون خارج سياق الفعل والإرادة، فهل هى جزء من التخطيط للمستقبل حتى يستطيع السيسى أن ينفذ ما يسعى إليه دون ضجيج المجالس النيابية أم أن هؤلاء ساعون للسلطة التى تعودوا عليها وسيقدمون القرابين سواء طلب منهم ذلك أو لم يطلب؟ مجرد سؤال برىء.
السيسى قد لا يستطيع العمل دون ظهير سياسى، رغم أن الظهير الشعبى يكفيه، وقد أثبتته الصناديق «صناديق الاستفتاء ثم صناديق الرئاسة»، ومن ثم فإن الظهير السياسى للسيسى بمنطق اللحظة الحالية «ائتلاف المسخ الفلولى السياسى» سيضر بالرجل، فالمصريون يكرهون هذه الوجوه القديمة الجديدة، ولن يساعده هذا المسخ فى البرلمان، فهم تذكير بأغلبية «خليهم يتسلوا» الشهيرة إلى كانت نقطة مفصلية مبشرة بنهاية عهد مبارك، فالوضعية الجديدة التى فرضها دستور 2014 بخصوص التوازن بين سلطات الرئيس والبرلمان ورئيس الحكومة تضع هواجس للبعض عن شكل العلاقة بين رئيس للإنقاذ، وحكومة وبرلمان قد يكونان مثل الشريك المخالف، رغم أن الظروف الموضوعية والواقعية تقول بعكس ذلك، التناغم بين الرئيس من جهة والحكومة والبرلمان من جهة أخرى هو تناغم ستفرضه الأزمة التى تمر بها مصر حالياً، ولا تحتاج المعادلة إلى إنتاج مسخ سياسى يرتدى لباس شماشرجية صفوت الشريف، فالضرورة هنا حتمية للاتفاق على خلق صيغة سياسية جديدة متوازنة لكى ننتج السياسة من جديد، حتى نستطيع التغلب على مشاكلنا ولا ندور فى فلك الزيت والسكر والحاجة والعوز، التى تأتى بفاشلين دائماً يتصدرون مشهداً من المفترض أن تتراجع فيه «الأنا» وتعلو فيه «نحن».
تجربة حزب السلطة فى إطار الديمقراطية الموجهة الشكلية كما الحالة الروسية ليس شفاء لمرض، فلا يمكن نعالج المريض بسم عضال، لا تهرولوا فتصنعوا حزباً حكومياً جديداً ونبكى مرة أخرى بالدم وليس بالدموع، السياسة لعبة ينبغى أن نخطط الملعب لها ثم نختار اللاعبين بنزاهة وبعدها نضع الخطة وقواعد المنافسة وفى النهاية يفوز من يفوز ويخسر من يخسر، دون أن تظل مصر هى الخاسرة دائماً، ولنا وقفة أخرى مع ثنائية «بوتين - ميدفيديف» و«السيسى - موافى» التى يريدها البعض وتفتح الباب سريعاً للمظلمين والمتطرفين.
عن الوطن المصرية