المناضل لا يفكر فى هموم بيته بل يشغله هموم الوطن ، ترسم ذاكرته خارطة الوصول الى تحرير أرضه من مغتصبيها ولا تحاول رسم أحلامه الخاصة ، فالوطن هو حلمه الأكبر وهمه الأكثر حضوراً فى وجدانه .. هذا هو الشهيد مصطفى الحمدنى الذى رحل مترجلاً إلى السماء وهموم فلسطين حاضرة على وجنتيه .
لمن لم يعرف الشهيد مصطفى الحمدنى "أبو عبد الله" ، شهيد الفكره والنضال ، شهيد العمال والكادحين ، عاش فى أزقة المخيم ولامس قلبه معاناة شعبه فرفض الخنوع والاستسلام لقدرية الاحتلال ، وخرج ثائراً مقاوماً بسلاحه وكلماته التى تركت أثرها بكل من عرفه ، دافع عن مخيمه وشعبه ولم يأبه لسجان أو معتقل ، عرفته سجون الاحتلال بصلابته وقوته وعزيمته على الاستمرار فى درب النضال والثوار ، عاش كريمأ نقي القلب والجيب ، لم تخدش مواقفه النضالية كراسى أو مناصب ، عاش ومات حاملاً قضايا الكادحين ، قاوم الاحتلال وقاوم الفساد رغم انجرار الكثيرون وصمم على طهارة فكرته ثم مات شهيد المرض الذى لم يفتك بروحه التى ستبقى ترافق شرفاء الوطن .
رغم الرياح العاتية التى هاجمت حياته وفرار الوقت فى مواجهته لعدوه إلا أن إيمانه بذاته وعدالة قضيته ووعيه بالمسؤلية الوطنيه الكبيرة الملقاة على عاتقه وعاتق رفاقه الثوار حولت تلك الرياح إلى أنوار تضيئ قلوبهم بيقين النصر فى نهاية النفق المظلم .
كان نصيراً للعمال وناضل من أجلهم ، فكانت وحقيقته الأولى أن العامل هو اللبنة الأولى فى بناء المجتمع المقاوم الباحث عن الحرية والاستقلال ، لقد عانقت روحه معاناة العمال وأبت الوداع إلا فى يومهم لتخبرنا كل عام أنها حاضرة وحاملة لهموم الكادحين .
أبا عبد الله .. كم حاولت اكتب عنك ولكن الكلمات لم تسعفنى لوصفك والحديث عن تجربتك النضالية ، فسيرتك النضالية أقرئها فى الكثير من مذكرات مناضلين عايشوك وأسعد بأننى عايشتك وعرفتك عن قرب وكنت وما زلت صديقة وابنه لعائلتك ، فأنت حكاية وطن يصعب علينا وصفها أو تدوينها وإنما نحاول إبلاغ روحك السلام ، روحك الطاهرة المرافقة لقوافل شهداء الوطن القابعين على أعتاب السماء وكلهم حزنأ وغضباً على انقسامنا الفلسطينى الفلسطينى البغيض .. نود إعلامك أن فلسطين تفتقدك وتفتقد كل المناضلين أمثالك ، نفتقدك فى الأوقات العصيبة التى تعيشها فلسطيننا ، كما شوارع المخيم تفتقدك كما قلوب أحبابك وعائلتك وذاكرة كل من عرفوك .
سنبقى على عهدك وعهد شهدائنا ولن نتنازل عن الثوابت وسنحفظ الأمانة ولن تضيع بوصلة فلسطين .. فالثوار ما زالوا على دربكم سائرون إلى القدس وفلسطين .
لك الرحمة والمغفرة وجنات عرضها السموات والأرض .. ولنا الصبر والسلوان على غيابك .