تاريخ النشر: 2016-10-05 | 10:26
تاريخ النشر: 2016-10-05 | 10:26
غادر الأستاذ صالح المنصور هذا العالم قبل أن يحقق أي من أهدافه. لعله مات حزينا. العالم الذي رام تغييره زاد سوء. تفشت فيه الرأسمالية وانهارت آخر صفوف العمال وتحولت المبادئ الكبرى إلى مواد سينمائية وكوميدية. لم يعد ثمة متسع للنضال. تغير العالم وتركه وحيدا. ناضل لتغيير العالم ثم قاوم لمنع العالم من الغوص في المزيد من الانحطاط وأخيرا مات صامدا كما تموت الأشجار الباسقة. أخذته سيارة غاشمة والقت به بعيدا عن كل شيء. عزاءه الوحيد أن يلتقي الرفاق تحت الأرض ويتسامر معهم ويشكي لهم الحال.
لم التقه بعد ثورة الاتصالات كثيرا ولم تتح لي فرصة الحوار والسواليف معه منذ ذلك الحين. كنت اجلس معه كثيرا في النادي الأدبي في الرياض في الثمانينات والتسعينات. في كل مناسبة في النادي كان اول الحاضرين وآخر المغادرين. ما كنا نتكلف دعوته والاتصال به. سنراه في صالة المحاضرات حتى قبل يجهزها الفني. كان أكثر الحاضرين أسئلة بيد أن أسئلته لا علاقة لها بالمحاضرة التي تلقى.
من حسن حظه أن افتقر للحس القيادي. لو تمتع بحس قيادي كان يمكن أن تكون مغادرته هذا العالم في نفس الموعد الذي غادر فيه العالم رفيق دربه وشريكه في الأيمان تشي غيفارا. كلاهما يتمتع بنفس الإصرار و الأيمان و الأمل. يمكن القول أن تشي غيفارا مات مفعما بالامل. مات تاركا وراءه كمية كبيرة من أحلام النصر. مات صالح بعد ان تلاشى الامل وبعد أن ساءت حال البشرية زيادة على سوئها الذي كشفه كارل ماركس.
أدار العالم ظهره لصالح. لم يعد يوجد من يريد أن يناقش معه المصائر الكبرى. كم هو مريع انهيار الشيوعية. لم يبق منها عمود واحد يتكئ عليه أصحاب الحنين. كيف حالك بعد أن يغيب حتى مناهضيك ومعاديك. ولا تجد في الاجيال الجديدة من يعرف شيئا عن موضوعك العظيم. حرمه القدر حتى من النقاش ولوك الأسباب والتغني بالأمجاد. أي بؤس هذا.؟
أتذكر ان ناقشت معه كتاب محطة فنلندا. كانا نتبادل الفهم واستظهار المواد العلمية ودقائق التواريخ ونفسر الصعوبات التي ملأ بها ادمون ولسون كتابه. أين كانت منابع البلاشفة وما الذي تعنيه محطة فنلندا في وسط مدينة سان بطرس برغ السوفيتية. في احدى المرات أثرت معه مسألة اغتيال تروتسكي. مات بفأس هوى على راسه ففلقه إلى نصفين وانتثر دماغه على الحيطان الأربعة في منفاه القسري في عاصمة الارجنتين. لم يجرؤ احد على مناقشة الواقعة في موسكو. أرسل ستالين إلى الجحيم كثيرا من الرفاق قبل يرسل إليهم الرجل الثاني في الثورة. لم يكن تروتسكي الرجل الثاني فحسب بل كان اهم المنظرين ورفيق لينين ومن راهن على انتصار الثورة في روسيا قبل أن تنتصر في أوروبا. يعد تروتسكي صاحب نظرية الثورة الدائمة. لا يمكن لشيوعي صادق الأيمان ان ينكر دور تروتسكي قبل وبعد الوصول إلى محطة فنلندا. امتعض صالح وعد سؤالي نوع من التجديف وطالبني بالكف عن الخوض فيما شجر بين الرفاق. هكذا إذا المؤمن, لا يسمح للسؤال ان يخرب دفء المبادئ وبريقها. خلت الدنيا من الرفاق فألحقته سيارة رأسمالية بالرفيق الأعلى.