سئم الفلسطينيون كثرة العبث بمأساتهم. وكأنما لم يكفهم مأزقهم المستمر منذ طردهم من وطنهم، وازدراء ما يسمى "المجتمع الدولي" قضيتهم بكتابة قرارات على ورق لينقعوه ويشربوا ماءه فقط، نبت بينهم كالزرع الشيطاني زُراع فُرقة شتتوا شملهم. وإذا كنا نتحدث اليوم عن مؤامرات خارجية لتحريض التقسيمات الطائفية والأيديولوجية بين العرب لتخريب بيوتهم، فإن ذلك يحدث دائماً مع الشعب الفلسطيني الذي تفتت إلى شيع وفصائل وأيديولوجيات وإقطاعيات. ومع عدم استبعاد اللعب الخارجي، فإن الأيدي التي ترسم "الحدود" والعداوات بين الفلسطينيين هي –للأسف- محلية، مثل دود الخل ما غيره.
السواد الأعظم من الفلسطينيين المحيّدين والمغرّبين تماماً عن مسارات قضيتهم قرِفوا من اللعب بأقدارهم والمساومة على حقوقهم من جهة أشخاص نصبوا أنفسهم حاكمين بأمر الله بأنفسهم (على طريقة "الخليفة" البغدادي). وفي الوقت الذي تجتمع فيه كلمة العدو حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين، تعمل "القيادات" الفلسطينية على هواها وفيما لا تستشير فيه غير رأسها، فتحبط شعبها وتقلب المخيم الفلسطيني الكبير إلى ساحة للاحتراب الداخلي والاختلاف. ومثلما تذرع مجاهدو "داعش" بأنهم سيطهرون بيت المسلمين الداخلي قبل مقاتلة العدو في فلسطين، يبدو "مناضلو" فلسطين منكبين -ممارسةً وخطابة- على شيء شبيه: استهداف من يختلف معهم وإنهاك بعضهم بعضا وتبادل الاتهامات والمعارك الكلامية والعسكرية.
في الحقيقة، أصبح شعور الفلسطينيين الأميز هو الضيق من حكامهم المتحكمين المنفصلين عن جوهر القضية ومعناها بأكثر من انفصال أسوأ المستبدين عن شعوبهم. أصبحوا يضيقون بهذه "الأنظمة الحاكمة" غير الكفؤة المغتربة عن غاياتها والاستبدادية –حرفياً- والتي تسفر جهودها غير المحمودة فقط عن إخراج النضال الفلسطيني عن سكته التي ينبغي أن تكون معروفة. وإذا كان ملايين الفلسطينيين في الداخل والمنفى قد حافظوا على هويتهم وحيوية قضيتهم بفضل عنادهم الشخصي، فإن "القيادات" تعمل حتى ضد ذلك فيما يبدو، "علمانية" كانت أم "أخروية".
كنتُ أقرأ شيئاً عن أحوال اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، واللاجئين إليهم من مواطنيهم بسبب حرب سورية. وقد ذكّرت كاتبة التقرير بالذي نتناساه ولا ننساه: تبرع القيادة الفلسطينية الحالية بالتخلي عن حق العودة غير القابل للتصرف والموثق في قرارات الأمم المتحدة، لصالح "السلام" مع الاحتلال. وتذكّر بكلام قريع عن توطين اللاجئين في بلدان المنفى، وكيف أعطى لنفسه الحق في تجريدهم من فلسطينيتهم إلى الأبد. كما تذكّر بتصريح الرئيس عباس، الذي يفترض أنه يتحدث "بلسان وقلب" كل فلسطيني كزعيم، أنه لن يعيش في صفد لأنه ليس له حق العيش فيها –بما يعني أنه لا يرى لأي منفي فلسطيني حقاً في العيش في بلدته وقريته التي سُلبت منه، ويعمل على أساس ذلك! وفي الوقت الذي يعلن فيه الكيان عن بناء وحدات استيطانية جديدة في القدس نفسها، تشارك "القيادة الفلسطينية" مرة أخرى في الحديث عن استئناف "محادثات السلام" التي شلت مشروع المقاومة، وضيعت أكثر من 22 عاماً من الوقت الذي كان ينبغي أن ينفقه الفلسطينيون في شيء جدير.
فوق ذلك، يعطل السادة القادة حق الضحايا الفلسطينيين في أي شكل من العدالة يمكن أن تقدمه المحاكم الدولية التي تتوسل الرسميين الفلسطينيين التقدم إليها –مجرد التقدم إليها- لعلها تقدم للمنكوبين بعض الإنصاف. بل وأعاقوا وصول التقارير الدولية عن جرائم العدو ضد الفلسطينيين إلى وجهاتها. كل ذلك مضافاً إلى خدمة الاحتلال على رؤوس الأشهاد بحماية صفاقته بالبنادق الفلسطينية. وقد وصل الناشطون والمعقبون الأجانب الذين لا يجاملون إلى وصف الأشياء من هذا القبيل باسمها: خيانة.
يتذرعون بأن الفلسطينيين لا يجب أن يصعِّدوا حتى لا يصعِّد الكيان فيخسرون. هل كفّ الكيان عن التصعيد في أي يوم؟ وهل هناك تصعيد أكثر من الاحتلال ودوام نكبة الفلسطينيين في أي مكان؟ لقد سئم الفلسطينيون هذه التكتيكات والوجوه والأنظمة المتشبثة بالجلوس على عرش الفجيعة. إنهم يريدون، في المنفى والوطن المحتل، أن يروا رباناً يستطيع أن يحملهم في سفينة واحدة وإلى وجهة واحدة. يريدون أن يروا ظهور الحكام الحاليين المفلسين المحيّرين، ورؤية قيادة تعرف مَن هي، ومن هم الذين تمثلهم، وماذا يريدون!
عن الغد الاردنية