الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الفوضى تطرق أبواب العرب

إذا لاحظت أن الدولة التي ناصبت الربيع العربي العداء منذ لحظاته الأولى هي ذاتها التي تقود تحولات المنطقة في الوقت الراهن، فإن ذلك يعد مؤشراً يمهد للإجابة عن السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟

(1)
المنطوق أعلاه ختمت به مقالة الثلاثاء الماضي (11/3/2014) التي كان عنوانها «نحن نزرع وإسرائيل تحصد»، وأوردت فيها عديداً من الشهادات التي عبرت عن حفاوة الإسرائيليين الشديدة بالتحولات التي شهدتها مصر، وآخرها حظر أنشطة حركة حماس باعتبارها منظمة «إرهابية». كما أوردت شهادات أخرى عبرت عن المدى الذي بلغه الاسترخاء الإستراتيجي الإسرائيلي في ظل تلك التحولات، واطمئنان قادة الدولة العبرية إلى جسور التفاهم الممتدة مع بعض الأنظمة الخليجية انطلاقاً من التقاء المصالح بين الطرفين في مواجهة «الخطر الإيراني».
ولئن توقع البعض مني أن أفي بما وعدت حين طرحت السؤال: إلى أين نحن ذاهبون، فإنني أرجو ألا يحسنوا الظن بي إلى الحد الذي يصور لهم أنني على علم بالمآلات التي تنتظر العالم العربي في نهاية المطاف، وهو ما لا أستطيع أن أدّعيه، لكني فقط أستطيع أن أشير إلى بعض علامات الطريق الذي نمضي عليه، متصورا أن ذلك يساعدنا على تصور المآلات في الأجل المنظور على الأقل. وقبل أن أعرض ما عندي من تلك العلامات، فإنني أضيف إلى ملف الشهادات الكاشفة واحدة مهمة نشرتها جريدة «الشروق» في 7/3/2014، لمراسلها في واشنطن الأستاذ محمد المنشاوي، الذي هو في الوقت ذاته خبير بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن ومتخصص في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط. في شهادته، ذكر الأستاذ المنشاوي ما نصه: لم يتخيل أكثر العرب تشاؤماً أن يأتي اليوم الذي يذكر فيه مسؤول أميركي أنه «لو غطى وجوه من قابلهم من كبار المسؤولين خلال زياراته الأخيرة للرياض وأبوظبي وتل أبيب واستمع إلى تصوراتهم بخصوص قضايا ومستقبل الشرق الأوسط، فلن يستطيع التمييز بين السعودي أو الإماراتي أو الإسرائيلي، حيث إن آراءهم متطابقة حيال تلك القضايا». وهي شهادة أكتفي بها من دون تعليق، وأزعم أنها تشكل إحدى علامات الطريق الذي نحن ماضون عليه.

(2)
ما عاد خافياً على أحد أن الدولتين المذكورتين تبنتا موقفاً مقاطعاً ورافضاً للربيع العربي منذ لاحت بوادره في العام 2011، وكانتا من أشد أنصار الرئيس الأسبق حسني مبارك ونظامه، حتى كان عدم مساندة واشنطن لمبارك إحدى نقاط الخلاف بينهما وبين الإدارة الأميركية. ولم تكتف الدولتان بمقاطعة الربيع العربي، ولكنهما لم تتوقفا عن محاصرته ومحاولة إجهاضه في جميع الدول التي بلغتها أصداؤه، في مشرق العالم العربي ومغربه، والقرائن الدالة على ذلك كثيرة بعضها خفي تكفلت به الأجهزة الأمنية، وأظهرها مورس من خلال الدعم المالي الذي بدا باذخاً في محاولة صد رياح الربيع ودعوات التغيير التي استصحبته، في حين ظل ممسكاً وممتنعاً عن الدول التي بلغتها أصداء التغيير. وقد بدا ذلك موقفاً مفهوماً اقتضاه الحرص على الدفاع عن النفس وتأمين الداخل من عواقب التفاعل مع أصداء الربيع التي أنعشت الآمال في مختلف أرجاء العالم العربي. إلا أن قوة تلك الأصداء بدت مقلقة، بحيث دفعت الدولتين إلى محاولة وقف ذلك المد خارج حدودها بمختلف السبل، الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول إنهما احتلتا مقعد قيادة الثورة المضادة، وكان تحركهما مشهوداً في ذلك الاتجاه على مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية والإعلامية.
ما حدث في مصر كان الإنجاز الأكبر الذي تحقق في ذلك المسعى. ورغم أن خلفيات التغيير لم تتكشف وقائعها بعد، إلا أن اندفاع البلدين في الحفاوة به ودعمه بعد حدوثه كاف في دلالته. إن لم يكن الدافع إلى الإسراع في إثبات الحضور في قلب المشهد المصري مقصوراً على محاولة الفوز بالدولة العربية الأكبر، وإنما اعتبر ذلك باباً أوسع لصد رياح الربيع العربي وإضعافه حيثما وجدت.
رسالة البلدين كانت واضحة من البداية من دون إعلان، فهما بالأساس ضد 25 يناير 2011 ومع التمرد (المحظور فيهما) الذي أفضى إلى انتفاضة 30 يونيو 2011 ومهد لنظام الثالث من يوليو. ولست أشك في أن الجموع التي خرجت يوم 30 يونيو لم يخطر على بالها التداعيات اللاحقة للحدث، علماً أن خروجها آنذاك كان إعرابا عن السخط على أداء حكم «الإخوان» والدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مفاجئاً في خبرة الأداء السياسي: أن يمضى الغضب في اتجاه، ثم يقطف ثماره آخرون ويوظفوا الغضب باتجاه آخر.
يغرينا المشهد بالمقارنة بما جرى في عصر الرئيس الأسبق أنور السادات، الذي انتسب إلى ثورة 23 يوليو 52 ثم أخرج البلد من مسيرة النضال العربي ومن الصف العربي. ذلك أن ما حدث في مصر مؤخراً يكاد يكرر تلك التجربة. فما جرى في الثالث من يوليو 2013 انتسب بدوره إلى ثورة 25 يناير 2011 واعتبر انتفاضة 30 يونيو امتداداً لها، ثم أخرج مصر من الربيع العربي.
لقد كانت السعودية أول دولة هنأت القاهرة بالتغير الذي تم ولحقت بها الإمارات. ثم توالت رسالة الحفاوة بالوضع المستجد مع الحط من شأن ثورة 25 يناير في إعلام البلدين. وبعد ذلك انهالت صور الدعم والمساندة التي توالت من باب الاقتصاد، وهو الوتر الحساس في أزمة الوضع المصري. وحتى الآن تم ضخ 16 مليار دولار في الخزانة المصرية. وقرأنا عن مليون مسكن جديد ستقوم الإمارات بتمويلها في مصر، وقيل إن هناك مليونا أخرى من مجلس التعاون الخليجي. كما تحدثت الصحف عن آلاف رؤوس الماشية التي تم الاتفاق عليها لإغراق الأسواق المصرية بها. وما تم في الشق الاقتصادي تكرر في عدة مجالات أخرى. أعلن عن بعضها ولم يعلن عن البعض الآخر. لست أستبعد أن يكون كل ذلك مسكونا بمشاعر التضامن والمروءة والمقدرة، إلا أنه لم يكن بغير مقابل. ذلك أن الدول ـ حتى إذا كانت شقيقة ـ ليست جمعيات خيرية، بل لها حساباتها ومصالحها التي تتوخاها فيما تتبعه من سياسات.

(3)
في الخامس من شهر مارس الحالي، سحبت ثلاث دول خليجية سفراءها من قطر لأول مرة في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، والدول الثلاث هي السعودية والإمارات والبحرين. وبعد ذلك بأيام قليلة، جرت مناورات عسكرية مصرية إماراتية في أبوظبي حملت اسم زايد (1). وفى الوقت الذي كانت المناورات جارية فيه، زار مسقط الرئيس الإيراني حسن روحاني في مسعى لتوثيق العلاقات وتنسيق التعاون مع سلطنة عمان. ما الذي يعنيه ذلك؟
عند القراءة المتأنية ستدرك أن سحب السفراء كان بداية انهيار وتفكيك مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في العام 1981. يعني أيضا أن الإمارات أرادت أن تستقوي بمصر في مواجهة قطر من خلال المناورات المشتركة، وهو ما عبرت عنه الصحف المصرية التي ذكرت ان المناورات بعثت برسالة إلى قطر وتركيا (البعض أضاف الولايات المتحدة). يعني ذلك أيضاً أن إيران ارتفعت أسهمها أكثر في الخليج، بعد التفاهمات التي حدثت بين واشنطن وطهران بخصوص المشروع النووي الإيراني. إذ وجدت أن الظرف بات مواتياً لمد مزيد من الجسور مع السلطنة التي شهدت التفاهمات الإيرانية الأميركية (أعلن يوم الأحد 16/3 أن إيران تعتزم بناء عشر محطات نووية على سواحل الخليج وبحر عمان).
هل هذا كل شيء؟ ليس بالضبط، لأنه يعني في الوقت ذاته أن الأوراق بصدد الاختلاط في الخليج، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور خرائط جديدة له تستصحب تحالفات عربية جديدة ستكون مصر طرفاً فيها وستقوم السعودية ومعها الإمارات بدور القيادة لها.
سننحي جانباً مظاهر الفوضى المشرقية التي تلوح في سوريا والعراق وبدرجة أو بأخرى في لبنان. ولن نتحدث عن أصداء الداخل في السعودية والإمارات حيث مكنتها التوازنات الجديدة من تشديد القبضة الأمنية وإحكام قمع أصوات دعاة الإصلاح الذين أصبحوا يصنفون كإرهابيين، وهو ما لاحظناه من محاكمات النشطاء في البلدين، التي طالت حتى المغرّدين الذين يسجلون خواطرهم على موقع «تويتر». لن نخوض أو نفصل في هذا أو ذاك. لكننا سنجد أننا بصدد خرائط جديدة للاستقطاب. واحدة تضم السعودية والإمارات والبحرين وبدرجة ما الكويت، ومعها مصر والأردن وإسرائيل. والثانية تضم قطر وتركيا وتونس، وبدرجة ما إيران وسلطنة عمان. وهناك دائرة الدول التي تقف في البين بين مثل المغرب والسودان واليمن وموريتانيا والجزائر. (ليبيا لا تزال تبحث عن موقع).
لسنا نبالغ إذا قلنا إن العالم العربي مقبل على حالة من الفوضى التي تظل الأبواب خلالها مفتوحة أمام مختلف الاحتمالات، سلبية كانت أم ايجابية.

(4)
إذا جاز لي أن أستخلص علامات أخرى من هذه الخلفية، فلعلي أوجزها فيما يلي:
ـ إذا كانت مصر بصدد الخروج من الربيع العربي، ولو مؤقتاً، فالقدر الثابت أنها خرجت من دائرة التأثير، عربياً وإقليمياً. وفي أوضاعها الاقتصادية المتردية والسياسة المأزومة فإنها أصبحت مفعولا به وليست فاعلا.
ـ إن العالم العربي لم يعد بحاجة إلى مؤامرات تحاك ضده في الخارج، لأن صراعات دوله تحقق لأي متآمر عليه مراده من دون حاجة لبذل أي جهد من جانبه، حتى أزعم بأن الصراع العربي العربي أصبح الشاغل الأساسي «والقضية المركزية» للأنظمة القائمة.
ـ إن التدهور الحاصل في منطقة الخليج، وهو الذي لا يزال سياسيا حتى الآن، مرشح لأن يتطور إلى حصار اقتصادي لقطر يضغط عليها بحيث يقطع الطريق البري الذي يوصل إليها من السعودية. وهناك تسريبات لا أريد أن أصدقها تتحدث عن احتمالات المواجهة العسكرية بين البلدين، خصوصاً إذا ما تحققت الدعوة إلى إقامة اتحاد بين الدول الثلاث السعودية والإمارات والبحرين.
ـ إن ما حدث يمثل ضربة موجعة للربيع العربي، ليست بالضرورة نهاية له، رغم أن إعلام الثورة المضادة مستمر في تشويهه واعتباره كارثة حلت بالأمة، لكنني أزعم أننا بصدد حالة من الجزر والتراجع مماثلة لما شهدته ثورات أخرى. ويظل الباب مفتوحاً لتحول ذلك الجزر إلى مد يعيد الأمل والثقة في الربيع. على الأقل فذلك ما نلاحظه في تحرك شباب الثورة في مصر، الذي يرفض الاستسلام للتراجع ويقاومه بشدة.
ـ إن قضية فلسطين لم يعد لها ذكر في الخطاب السياسي العربي الراهن. ولذلك، فإنني أعتبر أن إسرائيل هي الفائز الأكبر في التحولات الراهنة، حيث لم تعد سياساتها محل اعتراض أو حتى اكتراث من جانب الأنظمة العربية. ولا نستطيع أيضاً أن نتجاهل ارتفاع أسهم إيران وتقوية ساعدها خليجياً ومشرقياً.
لا أعرف إلى أين نحن ذاهبون بعد ذلك. لكن الذي أعرفه أننا سائرون على طريق الندامة، وليس السلامة بأي حال. والله أعلم بعد ذلك بالمآلات.

عن الشروق المصرية

×
أخبار
باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط