كثير من القيادات السياسية في ظل تنافس الأجيال تميل للإنتقاص من اقرانها أو من الجيل الشاب الوافد من مواقع إعلامية. رغم ان وجودها في موقعها القيادي عميق الصلة بميدان الصحافة والإعلام. هذا البعض حين يقوم بالتعريف على أقرانه من القيادات ذات الجذر الإعلامي الثقافي، وكنوع من التهميش او الإنتقاص من مكانة الآخر وخاصة امام جهات حزبية او من اوساط عامة او ديبلوماسية، تعرف عليهم كإعلاميين او صحفيين وتختزل الجانب القيادي او الوظيفي. مع ان هذا الشخص او ذاك موجود في هذا اللقاء او ذاك بصفته القيادية والوظيفية. بالتأكيد لا يعيبه إعادة الأمور إلى اصولها. لإن الأصل والعامل الرئيس في تبوأ موقعه السياسي او الوظيفي ناتج عن الدور الريادي، الذي لعبه في الحقل المذكور. أضف ان كلا الحقلين الإعلامي والثقافي يحتاج إلى المعرفة والإلمام بالفكر السياسي وادوات التحليل وإستشراف المستقبل في هذه اللحظة السياسية او تلك. وبالتالي لا يجد غضاضة في تعريفه بصفته المهنية.
ولو عدنا لتاريخ الشعب الفلسطيني المعاصرة لوجدنا كم كبير ممن تبؤأوا مواقعهم القيادية، هم أصلا مثقفين وإعلاميين، نذكر منهم: كمال ناصر، كمال عدوان، ماجد ابو شرار، غسان كنفاني، صخر حبش، محمود درويش، بشير البرغوثي، إيميل حبيبي، إيميل توما، توفيق زياد، سالم جبران، صابر محي الدين، فضل شرورو، ناجي علوش ... إلخ من الراحلين، ومن الأحياء: الطيب عبد الرحيم، احمد عبد الرحمن، نبيل عمرو، داود تلحمي، حسين ابو النمل، ومروان عبد العال، والحاج رفعت شناعة وبسام ابو شريف .. القائمة تطول ولا تسعف الذاكرة المرء على إيراد كل القادة في الساحة الفلسطينية ممن تسلموا مواقع قيادية في المشهد السياسي الفلسطيني في مراحل تطوره المختلفة.
مما تقدم يمكن الجزم أن حقل الإعلام والثقافة بفرقه ومدارسه الإبداعية كان، ومازال يشكل أرضا خصبة لإستقطاب الكفاءات القيادية الوطنية. وسيبقى دوما نبعا عظيما لإلتقاط اولئك الشخاص، الذين يمتلكوا الموهبة والقدرة الإستشرافية للمستقبل والشجاعة في قول كلمة ورؤية تتجاوز حدود السقف السياسي المسموح به في هذه اللحظة او تلك. وبالتالي التعريف بشخص معين انه صحفي او إعلامي او كاتب، هو تعريف إيجابي. ويعيد الأمور إلى حقيقتها ومكانتها الواقعية، غير ان ذلك في إخفاء جانب آخر، أو فيه إغماض عين بشكل متعمد عن التعريف الموضوعي والمنسجم مع الواقع.
لكن على الأخرين ان يكفوا عن السقوط في براثن الإنتقاص من اقرانهم أثناء تعريفهم امام الجهات الأخرى. ومنحهم حقهم ومكانتهم المطلوبة، والتي ليست مِّنة او عطية من هذا الشخص او ذاك. لإن موقع سين او ص المهني، هو الذي سلط الضوء على شخصه، وعرف القيادات السابقة والموجودة عليه وعلى موقعه، مما حدا بهذا القائد او ذاك الإستعانة بالشخص المحدد لما تمتع به من كفاءة. كما ان الأحزاب والفصائل الوطنية لا تعتمد أي شخص لتسلم مهمة الناطق الرسمي باسمها او المسؤول الإعلامي عن صحيفتها المركزية او منبرها الإعلامي إلآ اذا كان يتمتع بالمكانة، المناسبة، التي تؤهله لتبوأ الموقع. أضف لذلك لو نظرنا للمسألة من زاوية اخرى، سنجد ان اهمية الإعلامي والمثقف تأتي من إختلاف مكانته المهنية، أي كونه يختلف عن اقرانه من اصحاب التخصصات الأخرى. فهو يبقى متواجدا في الميدان المعرفي والمشهد السياسي اي كان موقعه، ويبقى حاضرا بحجم حضور التطورات والأحداث وتعامله معها. لانه مسكون بالمعرفة والكتابة بانواعها ومدارسها المتعددة. ودوره القيادي هنا او هناك، لا صلة له بالموقع الوظيفي، الذي لا يضيف له شيئا جديدا. لإنه حصل على مكانته عبر تجربته الرائدة من وجهة نظر مجايليه، وإقرارهم بملكته الفكرية والسياسية والمعرفية عموما.
والقائد الإعلامي السياسي يختلف نسبيا عن الصحفي العادي، الصحفي العامل في حقول الريبورتاج والمحرر للأخبار او سكرتاريا التحرير او اقسام المهنة المختلفة السياسية والإقتصادية والرياضية والإجتماعية والدينية والترفيهية. وهذا لا ينتقص من مكانة الصحفي، غير ان هناك تباين بين صحفي وصحفي، وبين مثقف ومثقف، وسياسي وسياسي. وهناك الكثير ممن تحملوا مسؤوليات سياسية، اثبتت التجارب عدم اهليتهم للقيام بمهامهم المحددة. النتيجة على من حملتهم منابر الإعلام لمواقع القيادة، الإعتراف لزملائهم بمكانتهم القيادية دون إستصغار، لإن الإرتقاء بمكانة الأخر، هو تعزيز لموقع هذا القائد او ذاك، وليس العكس.