الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

"الكاوتشوك الفلسطيني".. وضوح الرؤية وسط الدخان

"الكاوتشوك الفلسطيني".. وضوح الرؤية وسط الدخان

تاريخ النشر: 2018-04-09 | 11:09

الأسلاك الشائكة التي تفصل قطاع غزة عن الجيش والقناصة الإسرائيليين تكتب قصة مُدهشة هذه الأيام، عنوانها «لم يمتُ الكبار ولم ينسَ الصغار». في غيوم الدخان الكثيف المنبعث من أرتال إطارات «الكاوتشوك» بدا وكأن الحدود التي صنعها المحتل في فلسطين انمحت واختفت. الفتيان الذين كان من المُفترض أن يكونوا قد نسوا، يزحفون على الأرض التي أحبوها غارسين أكواعهم وأقدامهم في التراب المُتحالف معهم. يصلون إلى الأسلاك البشعة، وبأيديهم الصلبة يشدونها لأسفل. وراءهم كان هناك كبار سن، أجداد وجدات، يجرون بعضهم بعضاً، وكان من المُفترض أن يكون هؤلاء قد ماتوا من زمن طويل بحسب الروزنامة الإسرائيلية. الكبار كانوا يريدون إلقاء نظرة الحب السرمدية على أراضيهم وقراهم التي تنفسوها صغاراً وطردوا وهجروا منها كباراً، وبقيت هناك على الجانب الآخر من الأسلاك الشائكة. والشبان والشابات الجدد كانت عيونهم تشتاق لاحتضان الارض نفسها التي انتقلت إلى وجدانهم مزنرة بقصص وحكايا آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم، وصارت منسوجة في أعماق وعيهم. بعيداً من الأسلاك وعلى الجانب الآخر كانت أسلحة الجيش المغرور قد أصيبت وشُلت في أعمق نقطة في داخله. ضباطه يراقبون كيف تحولت سواعد الشبان إلى محاريث تنهل الأرض وتزيل الأسلاك وتُخرس المدافع.

في قلب جبال ذلك الدخان الأسود الكثيف كان ثمة وضوح أبيض كالثلج. وكان ثمة إعادة لروح الناس الطيبة، يقودهم السخط والثورة إلى اجتراح صور مبدعة في الرفض والمقاومة، وإعادة تسطير القصة. في قلب السواد ذاك كتبت غزة وأهلها ومنتفضوها فصلاً مقاومياً مُذهلاً في وجه جبروت الآلة العسكرية لعدو باطش. لو كان ثمة مساحة إضافية لأساطير الفينيق والإغريق والرومان لسُطرت أسطورة جديدة وطازجة تخلد سواعد الغزيين وهي تخلع الأسلاك الشائكة وتطرد دبابات الجيش المغرور كأنها الذباب.

بيد أن المفارقة تكمن في أن جوهر أسطورة الأسلاك والدخان لا جديد فيها! جديدها المُبدع هو قديمها غير الممل، وإصرارها الطازج على أن سردية فلسطين لا زالت تُعيد إنتاج روحها الرافضة بنفس الحرارة والسخونة التي عاشها الكبار وتلقفها الصغار. قادة إسرائيل سواء الأوائل أو الأواخر قالوا وراهنوا على أن الجيل الفلسطيني الذي شهد النكبة وتجرع مراراتها سوف يكبر في المنافي ومخيمات اللاجئين، سوف يظل متأرجحاً بين حدي الأمل المغدور والعجز الفظيع، ثم لا يلبث أن ينتهي ويموت. أما جيل أولادهم فسوف يكبر في دوامة الفقر واللجوء والعوز، ثم تجرفه الحياة بجبروتها واحتياجاتها، وهذه تسلمه بدورها إلى النسيان كي يبلعه ويمضغه ويلفظه كائناً لا طعم ولا ذاكرة له. وما بين موت الكبير ونسيان الصغير تبهت فكرة الصراع مع السارق وتصير عملية السطو التاريخي على ارض شعب وطرده وتشريده تفصيلا من تفاصيل العالم المزدحم بقضايا «أكبر». وهكذا، فإن دولاب الحياة الطاحن ومساراتها وضغوطاتها وحسابات الربح والخسارة فيها، كما توق الناس إلى تحقيق أحلامهم الصغيرة والكبيرة لن يبقي لهم الكثير من الوقت والاهتمام والصبر لمواصلة «النضال». كان هذا هو التحليل لما ستؤول إليه الأمور على قاعدة أن الوقت هو الحليف الدائم لعملية السطو تلك، تحليل مباشر ومادي يقود إلى تلك النتيجة الواحدة والمأمولة: «يموت الكبار وينسى الصغار». ولا تنسى تلك النتيجة تفصيلا مهماً على الهامش يقول إن مناصريهم، عرباً ومسلمين وشرقيين وغربيين، هنا وهناك سوف يقتلهم الضجر من «القضية» وتجرفهم اهتماماتهم الضاغطة وبالتالي يرفعون أيديهم تدريجياً عنها وعن أصحابها.

لا يخلو هذا التحليل من منطق، ورفضه كله دفعة واحدة يخرج المرء من مسار التفكير العقلاني. لكن في الوقت ذاته تظل مفردات التحليل التنبئي والاستشرافي في السياسة وأمزجة الشعوب تحديداً مكشوفة لتلقي صدمات وصفعات. تأتي المفاجآت من وقوع ما لم يُتوقع، وعدم وقوع ما تُوقع. فلسطينياً، بدا وكأن الكبار لا يموتون، فيما تأكد أن الصغار لا ينسون. من يوم النكبة بل وحتى ما قبلها امتنع الآباء عن الموت والصغار عن النسيان. تتالت مراحل الرفض ولم تتوقف بسبب فداحة اختلال ميزان القوى ومناصرة القوى الغربية إسرائيل، وتتالت معها حقب العناد التي لم قوضت معادلة الرياضيات الإسرائيلية تلك. في فترات خادعة بدت تلك المعادلة وكأنها التقطت أنفاساً وصارت تشتغل، وما إن عادت تطل برأسها حتى جاءت الانتفاضة الأولى في أواخر عام 1987. تهشمت المعادلة تلك وتنبؤها بأن الفلسطينيين حُشروا في زوايا مطاردة رغيف الخبر وأولويات الحياة في مخيمات اللجوء والبؤس التي أُلقوا فيها، وأن كبارهم يموتون وصغارهم ينسون. جاءت الصفعة من المكان الأكثر تعرضاً للبؤس والفقر، وأيضاً للاختراق الإسرائيلي ونشر العملاء: غزة. ومن هناك انتشرت الانتفاضة الشعبية وتجسدت وتمثلت الاسم الذي أطلق عليها «انتفاضة» حيث انتفض الشعب ونزل إلى مواجهة المحتل المدجج بالسلاح. كانت ولا زالت عدالة القضية وفداحة الظلم الطويل هي وقود المُنتفضين، كما هو تاريخ البشر الذين يؤمنون بالكرامة والثورة على الظلم. تمددت الانتفاضة إلى الضفة الغربية وانتقل جزء من روحها حتى إلى فلسطين الداخل وقلبت حسابات إسرائيل وأعادت وضع فلسطين على أجندة العالم.

كلما حاولت تلك المعادلة أن تُعيد إنتاج ذاتها وتأمل أن جيلاً انقضى وأجيالاً جديدة نشأت وكلاهما أُنهك إما بالموت أو النسيان، تأتي صفعة جديدة لهذه المعادلة. وهذه الأسابيع، أسابيع «مسيرة العودة» الستة التي تعلنها مخيمات ومدن وناس قطاع غزة حتى منتصف الشهر القادم حيث ذكرى «النكبة»، تكتب تفاصيل الصفعة على امتداد كيلومترات الأسلاك الشائكة، أو «السلك» كما يصفه الغزيون. خجل «السلك» يوم الجمعة الماضي من بشاعته، من رؤوسه المدببة وهي تنغرس في أيدي الشبان الغاضبين وسواعدهم، تمنى لو تحول إلى أغصان زيتون أليفة تحضن فلاحين يشذبونها بالحب وأغاني الميجنا. أما في السماء، فقد كان الدخان الأسود الكثيف قد تحول إلى غيوم بيضاء ينعكس عليها ضوء الشمس فتصير الأمور أكثر وضوحاً. أما الذين يتحسرون على الفلسطينيين ويريدون لهم أن يستسلموا لقدر الهزيمة حتى لا يموتوا، أو أن يقبلوا بـ»أي شيء» لأن العالم كله غير مُنشغل بهم، أو لأن «أمنا أمريكا» منحازة تماماً لإسرائيل، أو يتصايحون اليوم عبر الهواتف والاجتماعات والنداءات بهدف «استعادة الهدوء» فإنهم لا يفهمون سوى معادلات الرياضيات المُضللة التي لا تنطبق على أمزجة الشعوب وروحها وانتفاضاتها. هؤلاء لا يرون في الدخان الأسود سوى سواده، صعب عليهم إدراك ما هو مُركب في الشعوب، ويألفون ما يقوله القوي والسيد ويتمتعون بالرضوخ له. كيف لهؤلاء أن يفهموا أن جبال الدخان الأسود المتصاعدة في قلب السماء وفوق خط الأسلاك الشائكة في قطاع غزة تجعل الرؤية أكثر وضوحاً؟ سؤال البداية هو سؤال النهاية لفظاً لكن فيه الجواب معنى ومضموناً.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط