تاريخ النشر: 2022-03-28 | 05:19
تاريخ النشر: 2022-03-28 | 05:19
الكتابة تحت الاحتلال أول ما قرأت العنوان تبادر إلى ذهني على الفور حكاية لكل أبناء الرب أجنحة وهي حكاية مشهورة في التراث الشعبي الإفريقي- الأمريكي، يبدأ الراوي الحكاية قائلاً: " في سالف الأيام كان لكل الأفارقة أجنحة، كانوا قادرين على التحليق كالطيور، لكنهم نسوا أو تناسوا..." ويأخذنا الراوي إلى امرأةٍ تعمل في مزرعةٍ ولما تتعافى بعد من الوضع، يبكي وليدها فتجلس لترضعه. يراها سائق العبيد فيهوي عليها بالسوط فتقوم للعمل، ولكنها تسقط من شدة الوهن والتعب، وبكاء الصغير الذي لا ينقطع، وثانيةً يضربها السائق، تنظر المرأة لشيخٍ إفريقي من العبيد وتقول له بلغةٍ لا يفهمها سادة المزرعة: هل حان الوقت يا والدي؟ فيجيب: حان الوقت يا ابنتي.
فإذا بالمرأة تطير بصغيرها وقد نبتت لها أجنحة. ويتكرر المشهد مع عبدٍ آخر وآخر وآخر، حتى ينتبه سيد المزرعة ونائبه وسائق العبيد إلى أن الرجل المُعَمَّر هو مصدر الكلمات التي تجعل العبيد يطيرون، فيهجمون عليه لقتله، ولكن الشيخ يضحك ويوجه كلامه بصوت جهوري لكل عبيد المزرعة. وأثناء حديثه كانوا يتذكرون كل الأشياء التي نسوها، الغابات التي تركوها، الأرض البكر ورقصات المطر، رائحة الأرض عند أول عناق، هدهدة الأم وليل أفريقيا الطويل ويستحضرون، يستحضرون ما كان لهم من قوة فقدوها، ثم ينهضون جميعاً معاً، العبيد الجدد والعبيد القدامى. يرفع الشيخ يديه فيقـفزون جميعاً في الهواء، وفي لحظةٍ كانوا يحلقون كسرب من الطيور، ذلك لأن لكل المقهورين أجنحة.
تذكرت الحكاية المجتزأة من كتاب لرضوى عاشور وكان قد ألقاها تميم برغوثي في أمسية كان لي شرف حضورها وتذكرت الثيمات التي تضمنتها الحكاية: القهر، الراوي، الكلمة، الحلم. ذاك معجوننا السحري الذي يُطلق أجنحته في الرأس فنعلو، نحن " مخلوقي/ خالقي " الكلمة. وتذكرت دور الأدب في شحذ الهمم، في الأغاني التي تملء الحناجر، في الكتابة التي توثق وتعري وتفضح وتسجل أيضاً، نحن الرواة الرواة، وعلى عاتقنا يقع لا تسجيل الرواية فحسب بل تصويبها أيضاً. ومن المؤسف أن نقول أننا بعد لم نروِ حكايتنا، فما زال الفلسطيني في أول سطرٍ من خط حكايته، ما زال لدينا الكثير من المهام لإعادة تصحيح كتابة التاريخ. لا فيما يخص التزوير التوراتي لتاريخ المنطقة ومروياتها فقط، بل وحتى تزوير تاريخنا الحديث نسبياً، إذ يعز علي مثلاً أن يكشف بني موريس عما حدث في الطنطورة عشية تشريدنا عام 1948، ويظل اللاجىء الفلسطيني صامت! فكم طنطورة عششت في رأس الفلسطيني، كم دير ياسين وصبرا وشاتيلا وما الذي وثق من تاريخنا! تاريخ الحكايات التي يتناقلها الأحفاد عن الأبناء عن الأجداد في سلسلةٍ هي البلاد! لقد جرى " إصمات " التاريخ وإسكاته ولا شعوريا وربما دون وعي... تواطئنا.
إن الاستعمار هو فعل عنفٍ جغرافي والأفظع منه الاستيطان الذي يغير الفضاء الجغرافي تماماً ويُنّكر الأسماء والجغرافيا ويقلب الأرض رأساً على عقب في محاولةٍ منه لطمس الرواية، فالفلسطيني لا يتعرض للعنف المادي فقط، بل للعنف المعرفي أيضاً في محاولةٍ لإثبات الرواية التوراتية وإنكار الرواية الفلسطينية وعلى كاهل الأدب والمثقف يقع استعادة الجغرافيا واستعادة وكتابة الرواية. من هنا تظهر الأنا الجمعية لدى الكاتب / المثقف المشتبك الذي يسعى لاستعادة الرواية وكتابة المستقبل من خلال رؤية ثورية تستلهم الماضي للمضي قدماً في طريق التحرر، ففعل التحرر هو فعل تواصل وتجذر ومواصلة دون انقطاع. لهذا ننحني على الأوراق ونحفر. ومن هنا، من هذا الشعور بالهم الجمعي، بما يحدث في أرضنا من نفي وطمس وقتل وتشريد وتهجير، وضرورة أن يكون هناك من يروي، ويحكي ويُسمع الصوت ولد قرار الكتابة.
من هنا ولدت لغة الماء التي هي احتفائي الأول بفعل الكتابة، فما تعرضت له مدينتي آبان الاجتياح والتعتيم الإعلامي الذي طال ما حدث في المدينة كان حافزاً ودافعاً وضعني – أنا شخصياً – تحت وطأة القهر والظلم، بعشرات البطولات الصغيرة، بالتفاصيل الدقيقة التي تروي الحدث، بالحقد الأعمى الذي طال الشجر والبشر والحجر والشوارع، والرجال التي تطوى كطي السجل ويصيرون ملصقات على الجدران وتكر الأعوام فتفر من أصابعنا ملامحهم وبطولاتهم ونحن من عاش وعاصر وشهد، فما بالك بمن لم يسمع ولا شهد!.
لهذا انحزت إلى الرواية لأنها تفتح قوس الحكايات وتسهب ، ولأنه لا يمكن بأية حال فصل واقع الكتابة عن ظرفها " التاريخي " المعاش، فالرواية إن لم تكن " تأريخاً "، فإن حاضنها الزمن والجغرافيا والبيئة التي انتجتها رغم بارت وفوكو وكل التفكيكيين، وليس من الممكن انتزاعها من لحظتها التاريخية ولا متنها الزمني والجغرافي، فالرواية تخبر عن بشرٍ في سياق، فلا رواية خارج التاريخ.
هل أكتب الرواية " التاريخية " إذن! في ما تساقط كانت المحاكمة أو لنقل القراءة النقدية، ملامسة لمقدسٍ هو في أذهاننا لا يطاله الباطل لا من خلفه ولا من بين يديه، أعني ثورتنا الفلسطينية. قلة من استطاعوا نقد أو انتقاد الثورة، ربما فلسطينياً كان العذر " حفاظاً على وحدتنا الشكلية"، وعربياً، عقدة الذنب وما مُنيّ به الإنسان العربي من خسارات مقابل خسارته " الجغرافيا " والأنكى " كرامته " أمام أسطورة الجيش الذي لا يقهر لهذا لم يقاربوا الثورة بقراءات نقدية. لذا كان لابد من هذه القراءة / المحاكمة فلسطينياً أولاً، فنحن الأولى بمحاكمة ثورتنا، والأجدر ربما بقراءتها دون أن تطالنا حجارة " التطبيع أو التطبيل للإسرائيلي "، ولابد من النقد خاصة وأن الجيل الحديث كفر بكل التنظيمات وما شكلته وتشكله، ولأنه لا يمكن البناء على أسس تعاني النخر، ولا يصح جسد نام على الصديد.
الذعر! هل نكتب بأصابع مقيدة! الكتابة والخوف بنظري لا يستويان، منذ فترة وجيزة شاركت بورقة في المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج وتم احتجازي عدة ساعات لدى المخابرات الإسرائيلية وتقليب هاتفي وأخذ معلوماته بدءاً من الإيميل إلى الرقم إلى الفيس بوك ...الخ الخ، مع توجيه تحذير لبق...انتبهي نحن معك في كل خطوة! فهل أصمت! ذاك سؤال ستجيب عنه الأيام والأعمال القادمة.
إن " مصادرة " الحكاية عنف آخر يواجهه الفلسطيني، وتصدر الرواية اليهودية عنف، وتنميطنا ضمن " المرويات " اليهودية والاستشراقية عنف، وهذا العنف المركب هو الذي يواجهه الكاتب / المثقف المشتبك. فأنت في كل لحظة أمام رواية مضادة، أمام تشويه متعمد للفلسطيني فأنت ابن " أرض بلا شعب " وعليك مد جذورك إلى الأرض التي تميد بك كشجر باسق أصله في الأرض وفرعه في السماء.
وبعد، لا يمكن الحديث عن الكتابة تحت الاحتلال دون المرور بفرانز فانون الذي أسس وعياً " ركائزياً " – إن جاز التعبير – في الآثار النفسية الوخيمة للوجود الاستعماري بما فيها العنصرية وموضوع المقاومة – وربما أُعرّج فأقول أن أدبنا الفلسطيني كان سباقاً في اختراع مصطلح أدب المقاومة، ومن هنا خلق سياقه التاريخي، والنفسي والبنيوي والتعريفي أيضاً، فكان أدباً نقيضاً للهيمنة، رافضاً للاستعمار والإمحاء. لقد سجل فانون ملامح ووقائع ثقافة المقاومة وبيّن الجدل الخلاق بينها وبين الثقافة التقليدية وما قد يتشكل في حومة المقاومة من عناصر ثقافية مستجدة تؤسس لثقافة وطنية. فالاحتلال هو كسرٌ وإعاقة للنمو الطبيعي للجماعة وتطورها ولابد أن ينعكس هذا الكسر في الكتابة، ولا يمكن لنا أن نغفل عن ذاك العالم الموازي الذي كان لابد سينشىء لو لم يكن هناك احتلال. ربما من هنا يأتي الشعر من ذاك العالم الموازي الذي أحلق به دون " ضغط " الأنا الجمعي، دون ضغط، الإنسان في نهاية الأمر قضية، والقضية هوية الكاتب، مطلق كاتب.
*ورقة مشاركة في أمسية تظمها المركز العربي - الأمريكي للثقافة في دير بورن ونظم الأمسية وأدارها الدكتور والسفير اللبناني السابق علي عجمي