تاريخ النشر: 2015-11-01 | 22:43
تاريخ النشر: 2015-11-01 | 22:43
إن لعبة الحرب قذرة بطبيعتها، وبذل الغالي والنفيس لأجل حماية المصالح هو ما يجعلها بهذه الصورة. في الحرب العالمية الأولى خسرت بريطانيا حليفها الصديق تركيا بعد دخول الأخيرة الحرب إلى جانب ألمانيا، فما كان لبريطانيا إلا البحث عن بديل لحماية مصالحها في الشرق الأوسط، والذي سرعان ما وجدته وهو الشعب اليهودي الذي كان يبحث عن وطن في فلسطين قلب الشرق الأوسط.
شابت الفكرة مخاوف بريطانية من التودد اليهودي للألمان بحثاً عن الدعم في إقامة وطنهم القومي المنشود، فكان على بريطانيا إلقاء كنز ثمين يثير حفيظة الشعب اليهودي ويبعده عن ألمانيا.
في عام 1917 وتحديداً الثاني من تشرين الثاني، أرسل وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد الزعيم الصهيوني الرأسمالي يشير فيها إلى مباركة الحكومة البريطانية فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
اعتبرت هذه الرسالة من ضمن الرسائل الأهم في التاريخ، حيث قطعت الامبراطورية البريطانية وعداً لليهود على أن تقيم لهم وطناً على أرض فلسطين أرض الميعاد – كما يسمونها. رق الاحساس البريطاني على كون اليهود شعباً أضاع أرضه وهو في الأصل بلا أرض فأرادت الإرادة البريطانية السامية أن تكون لها يد السلطة والقرار التاريخي في حل أزمتهم، فمنحتهم قطعة من أملاكها في ذلك الحين (فلسطين) ليقيموا لهم فيها وطناً قومياً.
يشير التاريخ إلى مساعدة اليهود لبريطانيا في الحرب العالمية الثانية، حيث أن الجهود المسخرة في علم الذخيرة في ذلك الوقت والتي كان يقودها حاييم وايزمان والذي كان متخصصاً في علم الكيمياء وقد سخر وقته وجهده وماله، وهذا ما منحة القدرة على استخراج مادة الاستون من بعض النبات، كمصدر بديل عن الخشب. وقد أثار هذا الاكتشاف فرحة بريطانيا التي وظفت هذا الاكتشاف لخدمتها في الحرب العالمية الثانية التي تشارك فيها، حيث عُلم عن بريطانيا حينها عدم وفرة الغابات الموفرة للخشب، الأمر الذي خلق للعالم الكيميائي حاييم لوايزمان المكانة القديرة لدى السيادة البريطانية.
تميزت بريطانيا في أدائها في الحرب وصالت وجالت بالذخيرة الوفيرة لديها، فرغبت أن تكرم وازيمان الذي أبى أن يتقاضى أي أجراً على مجهوداته لخدمة بريطانيا إلا أنه طالب بإقامة وطن قومي لليهود يحفظ لهم هويتهم وكيانهم من الذوبان في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها، ويوحد كلمتهم ويجمع شملهم في دولة واحدة.
لقي وازيمان - رجل الساعة حينها - القدسية المناسبة له في خدمة اليهود. كان قد انخرط في العمل السياسي وهو لم يتوان لحظة عن استغلال ما لديه من إمكانيات وثروة وأملاك وعلاقات شخصية ودبلوماسية ووسائل إعلام وجهود في التنظيمات ومشاركة جهوده في الناحية العسكرية والعلمية في الحفاظ على هوية اليهود وقوميتهم وحذّر من الذوبان الديمغرافي لليهود في أوروبا. جسد وايزمان الصهيونية التوفيقية التي جمعت بين الدبلوماسية السياسية والصهيونية العملية التي اتبعت سياسة فرض الواقع من خلال الاستيطان والهجرة وتعلم اللغة العبرية كلغة قومية وإلا لن تكون هناك حلول في الأفق لإقامة وطن لليهود.
كان لوازيمان ذراعاً بارعاً في التحول الفكري الصهيوني، حيث أدار الدفة من مسار جهود المفاوضات واتفاقية هرتزل التي كان هو جزءاً منها، إلى فكر فرض واقع يريده بني صهيون وهو استعمار أرض فلسطين وجعله وطناً لهم، ولكنه كان يبحث في ذلك الوقت عن الإطار السياسي الحاضن لهذا الفكر الصهيوني الذي نضج ضمن الرونق الحضاري الأوربي، فكانت بريطانيا ووعد بلفور.
كانت أوغندا هي الوطن الذي اقترحه هرتسل لليهود على المؤتمر الصهيوني العام، ولكن استطاع ذكاء وايزمان اقناع بلفور (وزير الخارجية البريطاني) أن إقامة وطن لليهود خارج أرض فلسطين هو كفر وأمر مرفوض قطعياً من أبناء الطائفة الصهيونية، حيث اعتبر أن فلسطين في الأساس هي أرض لليهود لا غيرهم. فلم تدخر الصهيونية أي جهود في اسقاط مشروع أوغندا المقترح، وحينا تكللت مساعي وايزمان بالنجاح والتي مهدت فعلياً لإنشاء دولة إسرائيل الحديثة.
استطاع الذكاء الصهيوني آنذاك اقناع الإرادة الملكية البريطانية بأن اليهود لديهم القدرة على تحقيق أهداف بريطانيا والحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط وتحديداً في فلسطين أرض الوصاية والانتداب. توجت نتائج المفاوضات والمشاورات (1918 – 1920) الصهيونية البريطانية والمشاورات على مستوى العالم بالحصول على أرض الميعاد بين دول الثقل السياسي (فرنسا وإيطاليا واليابان) بمباركة أمريكية في مؤتمر سان ريمو على فرض الوصاية البريطانية على أرض فلسطين واعتبار وعد بلفور البند الثاني بنداً صريحاً من بنود صك الانتداب تحت التنفيذ.
نص صك الانتداب البريطاني في فلسطين في مادته الرابعة على إقامة وكالة يهودية معترف بها لتقديم النصح للإدارة البريطانية، والتعاون معها في الميادين الاقتصادية والاجتماعية وغيرها فيما يتعلق بتأسيس الوطن القومي اليهودي مع اعتبار الجمعية الصهيونية القائمة هي الوكالة اليهودية حتى يتم تشكيلها.
تكالبت القوى ما بين بريطانيا وفرنسا على أوصال الأمة العربية وتم تقطعها وإضعافها حتى لا تقوى على مواجهة السرطان الاستيطاني الصهيوني القادم
ومن المؤسف أن ما يسجله التاريخ هو الخذلان المستمر للموقف العربي للقضية الفلسطينية أمام المؤامرة الصهيونية لتهويد أرض فلسطين، الذين اكتفوا برفض الوعد بحيثياته، وفي ذات الوقت لا زال التاريخ يسجل حتى اللحظة فخر الأعمال البطولية الفلسطينية المشرفة في شتى أشكال النضال نحو تحرير أرض فلسطين ومدينتها المقدسة مسرى الرسول من دنس الاحتلال الإسرائيلي.