تاريخ النشر: 2016-10-04 | 09:09
تاريخ النشر: 2016-10-04 | 09:09
من مؤتمر المحافظين في برمنغهام نهاية الأسبوع الماضي، أتى الخبر اليقين: تفعيل طلب الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيتم في آذار (مارس) المقبل، كما أكدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.
«الانسحاب يعني الانسحاب»، ذلك أن زعيمة «المحافظين» الجديدة التي نجحت الى حد بعيد في استعادة صورة سلفتها «المرأة الحديد» مارغريت ثاتشر، ليست مستعدة على الإطلاق لأخذ ورد في هذا الموضوع، باعتبار أن طلبات إعادة النظر في الأمر «تخريب للديموقراطية».
وبالتالي استمع مناهضو الانسحاب الى تأكيدات ماي في مؤتمر الحزب الحاكم، بأنها ستبذل ما في وسعها قانوناً لمنعهم من الطعن في القرار أمام المحكمة العليا، مشيرة الى أنها كلفت المدعي العام البريطاني جيريمي رايت بالحضور شخصياً أمام المحكمة في جلستها الأسبوع المقبل، والتي تنظر خلالها في طلب أعضاء في مجلس العموم (البرلمان) مؤيدين لأوروبا أن يحال موضوع الانسحاب المعروف بـ «بريكزيت»، الى البرلمان للتصويت عليه.
واقعياً، تبدو المحكمة المكان الوحيد الذي يمكن فيه الطعن بنتيجة الاستفتاء الذي أجري في 24 حزيران (يونيو) الماضي، والتي أتت لمصلحة الانسحاب بغالبية بسيطة جداً (52 في المئة في مقابل 48)، ذلك أن الخيار الآخر الذي تداوله مؤيدو البقاء في الاتحاد وهو الذهاب الى انتخابات مبكرة، لا يبدو في مصلحتهم، استناداً الى ما تظهره الاستطلاعات من ارتفاع مضطرد في شعبية حزب «المحافظين» منذ تولي المرأة الحديد الجديدة زعامته ورئاسة الوزراء، ما يجعل «الأمر لها» في حال الاحتكام الى الشارع.
وللعلم فإن الاستطلاعات أجريت في ضوء تظاهرات مطلبية لشرائح عمالية، وليس نتيجة السجال حول الانسحاب الذي أفاق عليه البعض في مجلس العموم متأخرين ونتيجة عريضة «مليونية» وقعها شباب وشيّاب متضررون من الانسحاب أو مؤمنون بـ «أوروبا موحدة». وستكون للمحكمة العليا الكلمة الفصل في الانسحاب الذي لم يعرف أحد بعد سرّ تمسك جزء مهم من نواة المؤسسة النخبوية في بريطانيا بضرورة حصوله، دع عنك الكلام الذي يتم تداوله حول «الحدود» و «المهاجرين الآتين من الشرق» و «الأعباء المالية للوحدة النقدية» وغيرها...
«كلمة السر» التي أكدت تيريزا ماي أنها «الديموقراطية» هي التي أتاحت تمرير قرار مصيري كهذا بغالبية بسيطة ونسبة إقبال أكثر بساطة، وهي ذاتها التي ستتيح تفعيل المادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبية لإطلاق مسار تفاوضي يستمر سنتين حول ترتيبات انسحاب هادئ، وصيغة التعاون المستقبلية بين بريطانيا والاتحاد، إذا بقي على حاله، ذلك أن الهزة السياسية الكبرى في تاريخ بريطانيا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، يتوقع أن ينتج منها أيضاً زلزال في «القارة العجوز». وخير مؤشر إلى ذلك ما يجرى من كباش بين الاتحاد ودول مثل هنغاريا، رافضة أيضاً إملاءات «البيروقراطية الأوروبية» في بروكسيل، خصوصاً في شأن فتح الحدود والتبعية في قرارات تنتج منها أعباء مالية.
كثيرون اعتقدوا أن نتيجة الاستفتاء شكلت مفاجأة غير متوقعة، فيما يتكشف يوماً بعد يوم، أن قادة «المحافظين» كانوا يدركون النتيجة بناء على استطلاعات ودراسات جدية، وأن زعيمهم السابق ديفيد كامرون قرر فجأة عدم المضي في بذل كل ما في وسعه لتفاديها.
ومصادر رئيسة الوزراء البريطانية تنقل عنها اليوم توقعاتها بأن يتم الانسحاب نهائياً بحلول نيسان (ابريل) 2019، لذا عليها أن تثبت استحقاقها لقب «المرأة الحديد» الجديدة بإتمامها «مهمة مستحيلة» تقتضي تجاوز رحلة مليئة بمطبات وتناقضات لم يسبق لها مثيل، والسير في برنامج تقشف، وفي الوقت ذاته، المحافظة على مصالح المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية على أبواب 2020.