يفترض نظريًا أن يختلف التفاوض عن المساومة، إذ يُعنى بالتفاوض أنه عملية عقلية دينماكية تحكمها أطر عامة ومباديء واضحة ويسعى من خلالها الطرفان لتحقيق مصالحهما بأسلوب لا يجعل أحدهما منتصرًا بالكلية والآخر مهزوم، أما المساومة فتعني الضغط على الخصم واستغلال نقاط ضعفه وممارسة ضغوط عليه بهدف عقد صفقة تحقق مصلحة طرف دون طرف آخر.. والواقع يخبر بأن ما يجري في العالم من لقاءات وحوارات ومناقشات ومجادلات في إطار البحث عن حلول هو من النوع الثاني (المساومة) الذي يمارس فيه الطرف الأقوى ضغوطه على الطرف الأضعف، بحيث يخرج خاوي اليدين بينما يحقق الطرف الأقوى مصالحه كلها.
فالحقيقة أن العالم، ما دام محكومًا بقوى كبرى تزعم احتكار المعرفة، وتنسب لنفسها دون غيرها التقدم والثقافة والتحضر والمدنية، وتلزم الآخرين باتباعها بل وتجبرهم على تسخير ما لديهم من موارد في خدمتها وخدمة متطلباتها الرفاهية، فهو عالم بلا ضوابط أخلاقية تحكمه الأنا، وتغيب عنه المصلحة العامة.. وآثار هذا ستتبدى حتمًا عند إجراء أي نوع من "المفاوضات".. فالمسألة برمتها، وأيًا ما كان القناع الذي تستتر خلفه، يُحتكم فيها إلى منطق القوة والضعف. وكل ما يشاع عن التقدم والتمدين يصير هباءًا منثورًا عند احتدام الصراع فتسقط عباءة الإنسانية والمباديء الأخلاقية ليحل محلها منطق الصراع والإقصاء بل والإفناء للخصم.
تأمّل إنشاء الأمم المتحدة والتي هي تطور ما لعصبة الأمم.. وكيف أنها قدمت المنتصرين في الحرب الأوروبية، التي أصر المؤرخون على تسميتها بالحرب العالمية، على سواهم وأخلت لهم موقع القيادة ليتولوه ويرسمون عبره خريطة العالم ويحددون للبشرية مسارها.. وهذه قضية قل من يتعرض لها.. كأنها من الحقائق الكونية التي لا تبديل لها. إن منح خمس دول انتصرت في حرب حق تعطيل أي قرار أجمع العالم عليه، هو بحق منتهى الظلم، وغاية الديكتاتورية.. صحيح أن استخدام هذا الحق مع بروز قوة الصين واستعادة روسيا لمكانتها بدأ ينضبط، بالشكل الذي يوازن المسألة ويحمي شعوب العالم الثالث ومعها الوطن العربي من أن تطيح بهم القوى الكبرى وتمرر إلي دولهم جنودها وطائراتها ومدرعاتها، لكن الفكرة في حد ذاتها فيها من الخلل والعوار ما يكفي لوصم اللعبة كلها.
في العقود الأخيرة رعت الولايات المتحدة بعد أن نصبت نفسها شرطي العالم قضية التفاوض بين الكيان الصهيوني والعرب بخصوص قضية فلسطين، وبالحيلة من جانب وقلة الوعي واختلال الضمير من جانب تم تنحية العرب أولًا عن القضية، والاستفراد بالفلسطينين ثم شرعت في بذر بذور الفتنة والشقاق، عبر الاستمالة وتوظيف الأحداث، حتى وصلنا إلى الحال السيء الذي وصلنا إليه.. وهذا بدوره يعيدنا لسؤال مركزي.. هل التفاوض مع "كيان" غاصب يحتل الأرض وينتهك المقدسات ويعتدي على الأعراض أمر مسموح به.. لا شك أن الإجابة هي: لا قاطعة، لأن التفاوض يكون بين خصمين متنازعين أما العرب في جهة والكيان الصهيوني ومن يدعموه في جهة فعدوين صريحين. فوق هذا وقبله، فإن "إسرائيل" في أصل تكوينها كيان لا جذور له اُصطنع اصطناعًا ولا يملك صفة ذاتية، والتعامل معه باعتباره دولة قائمة واعتدت على من سواها تلبيس وإضلال. ففي حال أعيد الحق لأصحابه ينتفي وجود الكيان ذاته. إذن فالكيان لم يكن قائمًا ولا معترفًا به ولا معتبرًا قبل استلاب الحق، فقضية الحق هي قضية وجوده ذاتها. وبناء عليه تكون مسألة التفاوض ليست أكثر من استراتيجية يمارسها العدو بهدف الاستنزاف والتشتيت وحرف البوصلة ولفت الانظار عن القضية الأساسية، وبالتالي يتسنى له إحكام السيطرة وبذر بذور الشقاق، فيتحقق التدمير سواء بمؤثر خارجي أو ذاتيًا.
مأزق التفاوض ظهر كذلك في الاتفاقيات المذلة التي انتهى إليها النظام الساداتي في مصر عقب حرب أكتوبر، وهي التي أحالت الانتصار العسكري بكل زخمه وتضحياته إلى هزيمة سياسية، لدرجة أن المشير عبدالغني الجمسي وهو من الأبطال العسكريين بكى بالدموع أثناء مفاوضات فك الاشتباك في 1974، متسائلًا عن السبب في قبول مثل تلك الإهانة ؟!.. وهذا بدوره يؤكد ما حاولنا الإشارة إليه في الفقرة السابقة من استحالة التوصل لحل عادل مرضي للقضية العربية في صراعها مع العدو الصهيوني عبر المسار التفاوضي، لانتفاء الأساس الموضوعي.. ومن ثم كل ما سينتج سيصب في صالح العدو على حساب مصالح الأمة ومستقبلها.
المسار الذي انتهجه السادات أثمر معاهدة بائسة حرمت مصر من ممارسة سيادتها الكاملة على سيناء، وحددت للجيش بعتاد مخفف أماكن تواجده في شرق القناة، وهو ما مهد الأرض لوجود المتطرفين في سيناء اليوم. وإن كان هذا الشق الأمني قد تغير كثير منه اليوم في إطار الحرب عل الإرهاب وهو مكسب غالي وثمين.
لم تنحصر النتائج المترتبة على كامب ديفيد فيما سبق.. فالمعاهدة لم تقتصر على ترتيب الأوضاع الأمنية في سيناء بل نفذت إلى القاهرة وأجبرت المصريين على رؤية علم الكيان العنصري الغاصب يرفرف أعلى سفارتهم بالدقي.. حتى جاء التاسع من سبتمبر 2011، وفيه ثارت التربة المصرية على هذا الدنس فأنتجت شبابًا وشيخًا أسقطوا العلم وأغلقوا السفارة.
نقول أن كامب ديفيد لم تكن معنية بالأمن فقط بل كانت معنية أيضًا باخترق النخبة الثقافية والسياسية والاقتصادية وإنتاج وتسوبق جماعات من المطبعين لا يجدون غضاضة في التعامل مع الكيان والتعاطي معه، وهذه كارثة حلت بمصر ومن ثم الأمة العربية على مختلف المستويات، والعزاء الوحيد أن الشعب ومعه نخبته الجادة ظل بعيدًا عن هذا العبث محصنًا ضد الاختراق، متكئًأ على فطرته السوية يشير بأصابعه العشرة إلى الكيان الصهيوني على أنه العدو ومن خلفه الغرب الاستعماري، الذي غرسها بيننا لتنفيذ مصالحه.
بالعودة إلى موضوع التفاوض، نشير إلى أن شخصية المفاوض تلعب دور أساسي في مسار المفاوضات، غير أنها في الوطن العربي تلعب دورًا أعظم مما ينبغي بسبب غياب الرقابة الشعبية، وانتفاء الكيان المؤسسي القادر على المحاسبة والتصويب، وهذا يجعل القضية أخطر وأعمق لأن مصير الأمة تتحدد وفق هوى حكامها، وعلى حسب شخصية القائد وعلى أساس ما يحتله ضميره منه. صحيح أن الشعوب تصحح وتصوب فيما بعد، وتستند في حركتها إلى وعي فطري وبوصلة لا تخطيء لكن في العادة ما تكون الضريبة كبيرة والكلفة غالية.
ختامًا إن التفاوض الذي يسعى من خلاله طرفان إلى الوصول لجزيرة وسطى تحفظ لكل واحد منهما قدرًا من حقه، لا ينطبق على ما يقدم بصفته تفاوضًا في أقطارنا العربية، لأن الطرف الآخر المعادي دائمًا ما يكون فاقدًا للمشروعية لا يملك في الواقع ما يُسمح له بناءًا عليه أن يخوض مسار تفاوضي.. شأنه في هذا شان تنظيم "داعش" الإرهابي، كيان مصطنع باغي يؤدي دورًا وظيفيًا في خدمة مصالح غربية استعمارية.. ولا آلية للتعامل معه سوى بالمقاومة بكل أشكالها مهما طال الوقت.. وهذا ما يجب التأكيد عليه كل يوم وكل ساعة حتى ولو بدا الكلام مكررًا أو غير مرحبًا به من جانب نخب ليبرالية حديثة اتم إعدادها وتجهيزها وتمويلها عبر مراكز ومنظمات غربية، لتستولي على الساحة وتؤدي دورها في تجريف الوعي وتلبيس المسائل!.