تاريخ النشر: 2016-12-19 | 22:27
تاريخ النشر: 2016-12-19 | 22:27
لم يكتمل إنشاء النظام السياسي الفلسطيني على الوجه الكامل ولذلك أسبابه الموضوعية والخارجية والداخلية.
فبعد اتفاق أوسلو وعودة القيادة الفلسطينية وكوادرها وبعضاً من دوائر منظمة التحرير الفلسطينية وعلى اعتبار أن م.ت.ف هي الحاضنة الكبرى للعمل السياسي ولأيّ اتفاق سياسي بما فيها اتفاق أوسلو مع إسرائيل وما ترتب عليه من إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية والتي دار جدلاً كبيراً حولها وبشأن من يرأسها ويديرها وكان هذا الجدل كغيره من الجدل في أروقة منظمة التحرير الذي ينتهي بقرار ورأيّ نهائي من قبل رأس الهرم ليصفق له حتى من كان يناقش من منطلق المعارضة لأن يشغل أيّ أحداً من قيادات وكودار م.ت.ف أي موقع في السلطة الوطنية الفلسطينية على اعتبار أنها تتبع سياسياً وهيكلياً إلى م.ت.ف وطالب الكثير أن يكون كافة رؤساء الحقائب ( الوزراء) ورئيس السلطة الفلسطينية من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ( الضفة الغربية وقطاع غزة) بحيث تبقى قضايا المفاوضات والاتفاقيات والتوقيع عليها بيد م.ت.ف والنأىّ بالسلطة الوطنية عن هذه الأمور لأنها ليس من اختصاصاتها.
انتهي الجدل بقرار من أبو عمار أجمع عليه البعض الباحث عن مواقع ومناصب رغم أنهم أعضاءً في اللجنة التنفيذية ومركزية حركة فتح، فخرجت التركيبة النهائية لشكل السلطة الوطنية يرأسها أبو عمار ويدير حقائبها (وزاراتها) أعضاء اللجنة التنفيذية، ومن هنا تماهى عمل وصلاحيات م.ت.ف في عمل وصلاحيات السلطة الوطنية في ظل أن رئيس المؤسستين شخص واحد وهو الرئيس أبو عمار، وقد ادى ذلك إلى التركيز على دور السلطة الوطنية وتنامى هذا الدور على حساب أدوار م.ت.ف التي أخذ الضعف والترهل يلحق بدوائرها ومكاتبها.
هذا السلوك خلق قلقاً غير هين في طريق إنشاء نظاماً سياسياً فلسطينياً مقوماته الدولة المكونة من :
أ- الشعب: في الوطن ( الداخل) وفي المهاجر – وهو موجود.
ب- الأرض: وهي موجودة (أراضي الثماني وأربعين والضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الحمة شمال بحيرة طبرية والتي كانت تحت الإدارة السورية وأصبحت محتلة من قبل الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب 1967).
ت- النظام السياسي: لا زال يراوح مكانه وهو في طور الانشاء لم تسعفه عشرون عاماً منذ اتفاق أوسلو حتى الآن ليتمم إكمال إنشائه وذلك لأسباب أهمها:
1- إنشاء مؤسسات السلطات الثلاث ( التنفيذية- والقضائية- والتشريعية) والتي لم يكن الفصل بين مهامها وصلاحياتها كاملاً شابه من التداخل الكثير مما أضعف أدائها والفشل في بعض الأحيان.
2- عدم تمكن منظمة التحرير من الحصول على تنفيذ استحقاقات اتفاق أوسلو وبالتالي لم تحصل على ما نص عليه الاتفاق من تسليم السلطة الأراضي المتفق علي تسليمها لها من الجانب الإسرائيلي مما أبقى نشاط وأداء السلطة محصوراً في قطاع غزة وبعض من أراضي الضفة الغربية، ورغم إنشاء السلطة في أراضي أخرى تم تسليمها لها إلا أن الاحتلال الإسرائيلي ظل اللاعب الأساسي والمعيق لتنفيذ الانسحابات لعدم جديته في المفاوضات للوصول إلى حل نهائي يمكن الفلسطينيين من الحصول على أراضي تنشأ عليها دولة فلسطينية وبالتالي يصبح الركن الأساسي في تطور النظام السياسي الفلسطيني مكتملاً وهو ( الأرض)، ولكن كان من نتيجة المفاوضات التي استمرت عشرون عاماً أنها فشلت بل استغل الجانب الإسرائيلي خبثه وضعف المفاوض الفلسطيني بالسيطرة على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية وإنشاء المستوطنات عليها أو توسيعها بما فيها القدس الشرقية والتي نجح الإسرائيليون في زرع بذور التفكك الجغرافي خاصة بعد قيامهم بإقامة جدار الفصل العنصري الذي التهم مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية بات معها عدم إمكانية إقامة كياناً فلسطينياً موحداً يمكنهم من إقامة دولة ونظام سياسي متكامل.
هذا وقد ساهم الانقلاب والسيطرة العسكرية على قطاع غزة من قبل حركة حماس إلى خلق حالة غريبة زادت من مساحة التمزق الجغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية في الوقت الذي كان لدخول حركة حماس الانتخابات التشريعية كفصيل فلسطيني كبير وقوي أن أعطى أملاً كبيراً لإكمال إنشاء النظام السياسي الفلسطيني والذي يكون فيه اندماج الحركات العسكرية والسياسية والفصائل جميعاً تحت مظلته فائدة كبيرة له.
3- عدم الفصل بين السلطات الثلاث: وهذا هو أخطر الأسباب التي تؤثر في النظام السياسي الفلسطيني بشكل سلبي وتجعله لا يتراوح مكانه فقط بل يترنح لفقدانه مصداقية السعي إلى تطوره ويتمثل ذلك بعدم الفصل في التدخلات والتداخلات بين السلطات الثلاث مما أثر على أدائها وأفقد البعض منها مصداقيتها وكأن النظام السياسي الفلسطيني يراد حرفه عن مساره الصحيح بحيث يصبح نظاماً لتكريس سلطة النفوذ الفردي والاستبداد والانفراد بالقرار مما يؤثر سلباً ليس على النظام بقدر ما يؤثر على عامة الناس ومؤسسات الدولة، وتصبح كل المسئولية فيها للذين يصبحون من هازيّ الرؤوس بالموافقة حتى على القمع وتجاوز القانون من قبل من يرهبون بطشه أو أيّ اجراءات انتقامية بحقهم إن خالفو تعليماته ومطالبه.
وبعيداً عن ذكر أيّ أسماء فإننا سنحصر الحديث فقط في بعض المواقف والقرارات التي أساءت للنظام السياسي الفلسطيني وفلسفة الفصل بين السلطات الثلاث وبالتالي قوضت الامكانيات والمعطيات لإقامة الدولة التي باتت معظم دول العالم بما فيها بعض من الدول العربية تسير في هذا الاتجاه. وهنا سنتحدث عن وضع السلطات الثلاث والعلاقة فيما بينها في ظل الانقسام البغيض الذي أصبح دوره السلبي متنامياً في كل ذلك ومؤثراً تأثيراً سلبياً أيضاً على إتمام إنشاء النظام السياسي الفلسطيني بما لا يقل عن المؤثرات والمعيقات الأخرى:
1- السلطة التنفيذية: ظلت السلطة التنفيذية ملتزمة بما حدده لها القانون الأساسي ( الدستور) من مهام إلا أنها أصبحت أكثر تحرراً من قيود تبعيتها لمنظمة التحرير في ظل ترأس شخص واحد لهما وهو أبو عمار وقد أدى ذلك إلى إضعاف دور مؤسسات م.ت.ف لحساب السلطة، ومن هنا جاءت المحاولات الكثيرة للتدخل في شأن السلطتين الأخرتين بشكل أو بآخر إن كان في الشأن القضائي أو البرلماني إلا أن نشاط المجلس التشريعي في تلك الفترة وتسارعه بإعداد وإقرار القوانين التي تنظم العلاقة بين السلطات الثلاث وإدارة شؤون الحياة في الوطن أدى ذلك من الحد من إمكانية التدخل في الشأن القضائي تنظيمياً وإدارياً وكذلك الحال بالنسبة للمجلس التشريعي الذي لم يستطع رئيس السلطة الوطنية من الضغط والتأثير عليه بحجب الثقة عن وزير بعينه أو حتى عن رئيس مجلس الوزراء أو منح الثقة لأيّ منهم وفق النظام والقانون، وكذلك لم ينجح ذلك الضغط في اقناع المجلس بتنفيذ طلبات رئيس السلطة برفع الحصانة عن أيّ نائب أو عضو في المجلس التشريعي لتمتعه بالحصانة البرلمانية ولم يسبق أن اتخذ رئيس السلطة أيّ قرار بحجب الثقة بموجب قرار رئاسي أو حتى فصل أيّ عضو من أعضاء المجلس لأيّ سبب كان حتى مهما بلغت درجة خلافه مع رئيس السلطة الذي كان يلتزم جدياً بالحفاظ على القانون والنظام واحترامه، حيث كان الموقف الرسمي للمجلس هو( أن المجلس التشريعي هو سيد نفسه) ويقوم باتباع الخطوات اللازمة والصحيحة كما نص عليها نظامه الداخلي والقانون الأساسي.
الآن وفي ظل الانقسام لم تعد السلطة التنفيذية واقعة تحت رقابة ومحاسبة المجلس التشريعي ولم يعد منح الثقة لمن يتم تعيينهم في مناصب وزراء أو من في حكمهم لم يعد قائماً في ظل وجود سلطتين تنفيذيتين تؤدي عملهما بعيداً عن العمل الموحد وكل جهة تقوم بتنفيذ إجراءاتها وفق رؤيتها دون أدنى أيّ احترام للقانون والنظام مما أدى إلى تراجع أداء المهام وتنفيذها على شطريّ الوطن، وقد انعكس ذلك على أداء كل من السلطتين القضائية والتشريعية.
2- السلطة القضائية: غاب عنها التنسيق في كلا شطري الوطن وأصبحت رغبة المناكفة هي السائدة، لذا يتم تعيين قضاة وبعضاً من الجهاز القضائي بعيداً عن مقومات التعيين التي نص عليها القانون القضائي كما أنه يتم إنهاء خدمة أو تعيين أو تشكيل محكمة دستورية أو قاضي قضاة دون العودة إلى قانون القضاء وقد لوحظ هذا مؤخراً في تدخل السلطة التنفيذية في العمل الفني للقضاء وتغطية هذا التدخل بمراسيم رئاسية لها قوة القانون وهذا مخالفاً للقانون الأساسي الذي أقر ذلك واشترط أن تعرض هذه المراسيم على المجلس التشريعي في أول جلسه تنظيم بعد توقفه قسراً لفترة من الزمن وذلك لإقرارها، إلا أن الوضع القائم وفي ظل تعطل عمل المجلس وانقسامه لم يعد هناك إمكانية لعقد جلسات للمجلس وبالتالي ازدادت القرارات الرئاسية التي لم تجد سبيلاً لطرحها على الجلسة الأولى للمجلس المتوقف عمله منذ عشرة سنوات.
3- السلطة التشريعية: فقد حددت اتفاقية أوسلو وتوابعها من توافقات بين طرفيها الفلسطيني والإسرائيلي حددت شكل المجلس التشريعي ومسماه وعدد أعضائه ومدته التي لا تتجاوز الفترة الانتقالية والتي لم يعد لها وجود عملياً واستمر المجلس منذ ذاك الوقت في أداء مهامه الثلاث التشريع والرقابة والمحاسبة، وقد أدى دوره بشكل غطى كل احتياجات الساحة الفلسطينية الداخلية من قوانين وتشريعات ومارس دوره الرقابي والمحاسبي إلى أن وقع الانقسام الحاد بين شطري الوطن فانقسم المجلس على أثر ذلك ولم يعد هناك جسم واحد وموحد له، ويعتبر أيّ أداء أو أيّ محاولات سن قوانين أو تشريعات في أيّ من غرف المجلس أن كان في رام الله أو في غزة تعتبر غير دستورية وفي حكم اللاغية لا سيما وأنه لا يتوفر النصاب القانوني لعقد أيّ جلسه وأصبح المجلس مفرغ من محتواه الشكلي العملي وتعطلت أدواره ومهامه التشريعية والرقابية أو حتى المحاسبية والمساءلة ولم يعد يعمل بنظام منح الثقة للوزراء الذين يتم تعيينهم إن كان من قبل السلطة التنفيذية في رام الله أو حتى في غزة، وأضحى المجلس التشريعي كالرجل المريض المتهالك مما أدى بالسلطة التنفيذية بالاستقواء عليه وتجاوز نظامه الداخلي ومارست ضده أعمالاً تتنافى والقانون والنظام وأصبح لا يحسب له حساب ولا لأيّ من أعضائه الذين تمارس بحقهم إجراءات سحب الحصانة البرلمانية لمحاسبتهم بتهم مختلفة أو اقتحام منازلهم وممتلكاتهم الشخصية وهذا مخالفاً للقانون أيضاً حتى لو كان لأيّ سبب كان ولم يحدث قبل الانقسام، وهذا يعتبر تجاوزاً خطيراًمن قِبل السلطة التنفيذية متمثلة برئيس السلطة الوطنية لكل ما نص عليه النظام الداخلي في المواد ( 42، 44، 45، 46، 47) من الفصل الخامس الخاصة بإسقاط العضوية عن عضو المجلس التشريعي.
أو المواد (95، 96) بكل تفرعاتها من الباب السادس ( الفصل الأول) من النظام الداخلي للمجلس الخاصة بحصانة الأعضاء.
وأن القانون الأساسي ( الدستور) يؤكد كل ما سبق في المواد ( 54، 57)، وجميعها لا يعط صلاحية لأيّ سلطة أو رئيس حق إسقاط العضوية أو الحصانة البرلمانية عن أيّ عضو كما لا يجوز ولا يحق للسلطة القضائية حتى من رأس الهرم فيها ذلك أيضاً ويعتبر ذلك تدخلاً وتداخلاً خطيراً في صلاحيات كل منهم.
وأخيراً أود الإشارة إلى المادة (144) من القانون الأساسي التي تؤكد على أنه لا يجوز حل المجلس التشريعي أو تعطيله حتى خلال فترة الطوارئ أو تعليق أحكام تلك المواد.
ومن هنا يمكن القول بأن السلطة الوطنية قد أصبحت مفرغة من أيّ شكل من أشكال نظام سياسي يمكن البناء عليه والاستمرار في تطوير نشوئه وإكماله في ظل ملامح تراجع فرص إقامة الدولة الفلسطينية بسبب كل ما ذكرناه.
وهنا يبقى السؤال قائماً منذ حوالي عشرة سنوات وحتى الآن وإلى أجل غير مسمى إلى متى هذه الفوضى السياسية في النظام السياسي الفلسطيني؟