ثمة أسئلة كبيرة ومشروعة , وترقب وتحليلات في الأوساط الفلسطينية والعربية والصهيونية والدولية , تدور في معظمها حول مآلات السلطة الوطنية الفلسطينية , بل والنظام السياسي الفلسطيني برمته , إذا ما غاب الرئيس محمود عباس عن واجهة الأحداث في فلسطين .
غياب الرئيس لم يعد مسألة افتراضية متخيلة في ذهن خصومه , بل هي إضافة إلى دخوله مرحلة الثمانينات من عمره , أمرا طرحه هو بنفسه في عدة مناسبات, حين أعلن عدم نيته الترشح في أية إنتخابات قادمة, سواء كان ذلك على مستوى السلطة, أم في مؤتمر حركة فتح المزمع عقده في نوفمبر 2011 , ناهيك عن تهديداته المستمرة بالإستقالة, تعبيرا عن يأسه من توقف المفاوضات التي لا بديل عنها من وجهة نظره , وانسداد أفق الحل السياسي , رغم قيامه بإنتظار الجار الإسرائيلي ليكون جاهزا للسلام كل هذه السنوات . الإجراءات الأخيرة بعزل السيد ياسر عبدربه عن أمانة سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير, وتعيين السيد صائب عريقات في هذا الموقع ,والحجز على أموال مؤسسة سلام فياض, واستمرار الصراع مع السيد محمد دحلان, فسرها المراقبون بأنها محاولة من الرئيس لترتيب شؤون البيت قبل مغادرته.
غياب الرئيس المفترض, وبغض النظر عن توقيته وظروفه والملابسات التي ستحيط به, يأتي في ظل التغول الصهيوني على ما تبقى من مظاهر سيادية للسلطة الفلسطينية, وغياب آليات واضحة لإنتقال السلطة, وصعوبة إجراء انتخابات جديدة في ظل وجود الإنقسام وسلطتي الأمر الواقع في شطري الوطن, وتراجع التأثير العربي على الوضع الفلسطيني , الذي بات يشهد تدخلا اسرائيليا متزايدا, يكاد يتحكم في كل مفاصل الحياة اليومية .
ثلاث مواقع يشغلها الرئيس , وهي مواقع متداخلة ومتشابكة , فهو رئيس للجنة التفيذية لمنظمة التحرير, ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية , ورئيس حركة فتح وقائدها العام . وكل من المنظمة والسلطة قد تآكلت شرعيتهما واختلت النظم والقوانين الحاكمة فيهما , في حين تعاني فتح من وضع متردي, يزيده سوءا صراعات السلطة, وغياب الأفق السياسي , وسط المجهول الذي ينتظرها في مؤتمرها القادم .
في اتفاق أوسلو الذي يتحكم بالوضع القانوني للسلطة الفلسطينية هنالك اعترافان : ألأول, تعترف به منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل, والثاني تعترف به إسرائيل بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة التي ستفاوضها عن الفلسطينين في عملية السلام .أي أن إسرائيل لا تعترف بالحقوق الفلسطينية, وإنما تعترف بالجهة التي ستفاوضها على ما تعتبره أمورا متنازعا عليها, بهدف منح حكم ذاتي محدود للفلسطينيين , وفترة انتقالية مدتها 5 سنوات للتوصل الى إتفاق نهائي, انتهت قبل نحو 20 عاما, وما زال الإحتلال جاثما فوق الأرض الفلسطينية .
ما يعنينا هنا , أن المنظمة نظريا هي جهة أعلى من السلطة الفلسطينية, وهي المناط بها عملية المفاوضات والوصول إلى تسوية نهائية , ولذا كان من المهم أن يكون رأس السلطة هو رأس المنظمة . نظريا ينتخب المجلس الوطني الفلسطيني رئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير , وهو ماتم لدى انتخاب أحمد الشقيري, ويحي حموده, وياسر عرفات . وعمليا يجب أن لا نغفل عن التأثير العربي في اختيار الرئيس في المراحل السابقة, والذي أدت مصر دورا محوريا فيه . هذا التأثير تضاءل كثيرا الآن, وربما أصبحت المؤثرات الأوروبية والأمريكية والإسرائيلية أقوى منه وأبلغ. بل يمكننا القول بأن منظمة التحرير الفلسطينية التي شكلت على الدوام وطنا معنويا للفلسطينين أينما كانوا , في الوطن أو الشتات , قد أصابتها عوامل الزمن والتردي , وانهار مشروعها السياسي الأساسي التي عبر عنه الميثاق الوطني الفلسطيني , لذا نجد على الدوام أن الكل الفلسطيني, ودون استثناء, ومن موقع التمسك بمنظمة التحرير وطنا للفلسطينين, يدعون إلى إعادة ( إحيائها ), ولعله أبلغ تعبير عن الحالة التي وصلت إليها من حيث هو إحياء من موتها السريري, ومعها النظام السياسي الفلسطيني برمته. حسبنا أن نذكر أن المجلس الوطني الفلسطيني, ومنذ أول دورة انعقاد له سنة1964, قد عقد 20 دورة في 27 سنة , وهذا دليل على حيوية النظام السياسي أنذاك . أما في ظل أوسلو , وعلى مدى ربع قرن, فقد عقد دورة واحدة سنة 1996 في غزة, خصصت لتعديل الميثاق الوطني , وشابها الكثير من المثالب في تغيير عضوية الأعضاء الذين لم يحضروا احتجاجا وتم استبدالهم بغيرهم , وكاتب هذه السطور واحد ممن طالهم هذا الأمر . كما تم لاحقا (2009)عقد جلسة طارئة لإستبدال أعضاء اللجنة التنفيذية الذين توفاهم الله . واذا كانت آخر جلسة للمجلس الوطني قد عقدت قبل كل هذا الزمن, فمن هم أعضائه الأحياء اليوم ,وكم يبلغ عددهم . أما اللجنة التنفيذية فإن بعض أعضائها قد مضى له في عضويتها أكثر من أربعين عاما .
تآكل منظمة التحرير على هذه الصورة , و تراجع دورها لحساب السلطة الوطنية , وفشل كل الإقتراحات لإنعاشها , بما فيها الإتفاق على قيادة وطنية موحدة , أو الدعوة إلى عقد اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني عبر إعادة تشكيله على أسس أكثر ديمقراطية تسمح بانتخاب أعضائة حيثما يمكن ذلك في الوطن والشتات , أصاب أسس النظام السياسي الفلسطيني الراهن بالتصدع , وجعل من الضرورة المبادرة إلى حلول أكثر جذرية, عبر مبادرات شعبية, من أجل أن تبقى منظمة التحرير الفلسطينية فعلا ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني .
تعيين صائب عريقات أمينا لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بدلا عن ياسر عبد ربه, قد يفتح له مجالا لأن يخلف الرئيس محمود عباس في رئاسته لمنظمة التحرير , تماما كما خلف عباس حين كان أمينا للسر الرئيس ياسر عرفات بعد استشهاده في رئاسة اللجنة التنفيذية .لكن قد يتم فصل هذا الموقع عن منصب رئيس السلطة الوطنية في المرحلة القادمة, خصوصا بعد تقليص دور المنظمة في النظام السياسي الفلسطيني, والتطورات التي طرأت على دور السلطة الوطنية في ظل الإحتلال , مما يدخل الحالة الفلسطينية في مرحلة جديدة أشد قتامة , يخشى بها أن يتحول دور المنظمة إلى تبرير لأفعال السلطة, مع التضاول التدريجي لفعاليتها, وصولا إلى إنهاء دور ما كان يعرف في التاريخ الفلسطيني بإسم منظمة التحرير الفلسطينية .
الرئيس محمود عباس انتهت ولايته منذ شهر أيلول (سبتمبر) 2009 وهذا هو حال المجلس التشريعي الفلسطيني . والسلطة الفلسطينية سلطتان بعد أن فشلت كل جهود المصالحة , ولا يبدو أن ثمة أفق جدي أمامها في المدى المنظور . الفراغ الرئاسي في حال رحيل الرئيس عباس يفترض أن يملأه رئيس المجلس التشريعي المنتهية ولايته أيضا , لمدة 3 أشهر تجري خلالها انتخابات جديدة . لكن ثمة قرار لافت لمحكمة العدل العليا الفلسطينية مؤخرا , والتي قضت بعدم جواز محاكمة النائب في المجلس التشريعي محمد دحلان عن قضايا فساد وجهت له لتمتعه بالحصانة البرلمانية . وإذا كان القرار يخص النائب محمد دحلان إلا أنه يعني إعتراف المحكمة ضمنا باستمرار شرعية المجلس التشريعي ونوابه الذين ما زالوا وحتى اللحظة, يتقاضون رواتبهم عن عضويتهم في هذا المجلس المنتهية ولايته . وهذا قد يعطي الحق لرئيس المجلس التشريعي, وهو من حماس, بالمطالبة بموقع الرئاسة . لكن الموضوع هنا وفي ظل الإنقسام يتعدى إطار الجدل القانوني والفقه الدستوري الذي لن يلتفت له أحد في ظل غياب الشرعيات الضرورية , وعلى الأرجح سيتم اختراع حلول أبسطها استدعاء المجلس المركزي للقيام باختيار الرئيس الجديد العتيد, باعتبار أن منظمة التحرير الفلسطينية هي صاحبة الولاية على السلطة الوطنية . هذا إذا لم يقم الرئيس محمود عباس بتعيين نائب له قبل رحيله .
رحيل الرئيس عباس يعني أن مرحلة جديدة توشك أن تبدأ . وإن كانت أولى خطواتها قد تمت منذ سنوات , عندما قضت إسرائيل على ما تبقي من إتفاق أوسلو عبر إجتياحها المناطق الفلسطينية , وعندما وضع الجنرال الأمريكي دايتون خطة التنسيق الأمني, وأعاد بناء أجهزة الأمن الفلسطينية بما يخدم هذه الخطة . عمليا لم تعد هنالك مناطق تسيطر عليها السلطة الفلسطينية, وازداد بشكل كبير هيمنة الأجهزة الأمنية على الحياة العامة, إلى الدرجة التي اعتبر فيها رئيس الحكومة د رامي الحمد الله أنها ليست من اختصاص حكومته . ولعل من أصدق ما قاله السيد ياسر عبد ربه في مؤتمره الصحفي يعد قرار عزله ونعيه لإتفاق أوسلو , تأكيده للتقاسم الوظيفي بين السلطة الوطنية وبين الإدارة الإسرائيلية .
الإحتلال الذي فكك أوسلو, ورفض عملية السلام , بالرغم من كل التنازلات التي قدمت له , وشيد الجدار , والتهم الأرض الفلسطينية واستباحها , وأنشأ المستوطنات التي تتضاعف أعدادها كل سنة . يسعى الى مرحلة جديده يعمل فيها على تفريغ الفصائل الفلسطينية من إرثها النضالى, وإلهائها بالصراعات الداخلية والجهوية , كما يهدف إلى إنهاء ما تبقى من مظاهر للسلطة الفلسطينية تدريجيا , وجعلها عبارة عن منظومة إدارة ذاتية تتقاسم الوظائف مع الحاكم العسكري الصهيوني , وتتحمل عنه جزءا من أعباء الإحتلال , وتسهر على أمنه وأمن مستوطنية , وتسمح له بالسيطرة على البلاد والعباد , والتحكم بكل الموارد والمرافق والمفاصل . وتفصل الأرض المحتلة عن الشتات , وأهل فلسطين المحتلة عن أقرانهم في أنحاء المعمورة .وصياغة واقع فلسطيني جديد معزول عن تاريخه ونضاله .
في ظل هذا السياق لن تعود مرحلة مثل مرحلة الرئيس محمود عباس, بالرغم من كل التنازلات التي قدمها , مقبولة بالنسبة للمحتل . ثمة إنحدارإلى هاوية أخرى , نمط جديد تجري صياغته أشبه ما يكون بحكومة فيشي في فرنسا , أو الشريط الحدودي في لبنان . مطلوب رئيس تكون مهمته الأساسية الحفاظ على التنسيق الأمني , والسكوت على جرائم المحتل . ضمن إدارة ذاتية للشؤون المعيشية بحدها الأدنى , مرجعها الحكم العسكري الصهيوني . ويبدو أن هذا هو المآل المحتم لمسيرة أوسلو وسياسة التنسيق الأمني .
في مواجهة ذلك ينبغي العمل بجد على صياغة نظام سياسي فلسطيني جديد ومقاوم , يقوم على أبقاء جذوة القضية الفلسطينية مشتعلة , وعدم السماح بتصفيتها , وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية على برنامج الميثاق الوطني الفلسطيني, وضمن صيغ تمثيلية ديمقراطية , تضمن إعادة وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وعرب فلسطين والشتات, متجاوزا كل مرحلة أوسلو وسياساتها . يتبنى هذا البرنامج المقاومة بكل أشكالها المتاحة والممكنة ,ويسعى إلى تعبئة طاقات الشعب العربي الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده , كما يعمل على أستعادة العمق العربي للقضية الفلسطينية , وإعادتها إلى مكانها كقضية مركزية للأمة العربية.
ثمة إيجابية يتيمة للمرحلة الجديدة , تتمثل في وضوح ألوانها , وغياب الضباب السياسي الذي كان يخيم فوق أجواء الوطن , ويمنع من الرؤية السليمة , كما يكشف كل المواقف على حقيقيتها , فلا يعود هنالك من مجال للإختباء خلف شعارات واهية, أوالتمترس خلف أشباه الجمل الثورية , أو تاريخ نضالي لا يعمل بمقتضاه في الحاضر المعاش .إذ ثمة خيار واحد لا ثاني له , إما أن نكون مع المحتل الصهيوني , أو أن نكون مع فلسطين