استبق اللبنانيون الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى بثلاث كلمات. واحدة لميشال عون في الشارع، واثنتان متلفزتان للسيد حسن نصرالله وسعد الحريري.
الجنرال عون بُحّ صوته وهو يدعو إلى إصلاح ما تبقى من نظام عبر انتخابات نيابية بقانون معقول، مع يقينه باستحالة ذلك. وإذا كان الإصلاح غير ممكن، لظروف محلية وخارجية، فتعبئة الشارع تبقى حلاً من باب استذكار القضية كي تبقى حية على الأقل، وإن عبر أنابيب التنفس الاصطناعي. وبما أن الشارع لم يعد مغرياً، لا ضير من استعادة مصطلحات ازدهرت خلال الحرب الأهلية كالفيدرالية. صحيح أن الجنرال أوضح مقاصده، إلا أن الطرح قابل للتحقق إذا تبدلت خرائط المنطقة. علماً أن عون كان قد كرر أكثر من مرة أن مفتاح الحل لأزمات المنطقة في فيينا.
السيد نصرالله خاطب الخارج بدوره، وأعاد تأكيد محورية القضية الفلسطينية وترابط «الساحات». وقال إن «طريق القدس تمر في القلمــون والحسكة ودرعا»، مؤكداً أن إيران هي الأمل الوحيد المتبقي لاستعادة فلســطين. ولم يكمل ليقول إنها صمام الأمان للحفاظ على سوريا، علماً أن السيد يعوّل تماماً على بحبوحة إيرانية مالية وسياسية تعيد التوازن إلى «خطوط القتال» في المنطقة.
الرئيس سعد الحريري لم يخرج عن إطار الرسائل ولا من إطار الشاشة، مثله مثل السيد. ووجّه رسالته بعكس ما يقول نصرالله حرفياً. «طريق فلسطين لا تمرّ بالزبداني بل طريق بيروت - إيران هي التي تمر بسوريا والعراق». الكلام واضح. تيار «المستقبل» في محور مضاد ومختلف، ويراهن على انهيار خطوط «النظام» في سوريا، وغرق إيران واتفاقها المعهود، في دوامات أمنية وعسكرية.
التعويل اللبناني على الاتفاق النووي مبالغ فيه، ساحات الاشتباك بين طهران وواشنطن هدأت نووياً، وتحررت الأرصدة الإيرانية في الخارج، وتمّ تسييل الذهب. لكن أميركا لا تزال «التجسيد الأكبر للاستكبار» ومقارعتها من «المبادئ الأساسية للثورة الإيرانية»، بحسب ما قال السيد علي خامنئي عشية توقيع اتفاق فيينا. الطرفان يعيشان اليوم شهر عسل بارداً، لكن يستبعد أن تتجاوز حدوده المفاعلات النووية. وما ينطبق على خط التماس الإيراني – الأميركي، لا ينطبق بالضرورة على خطوط تماس إيران مع حلفاء أميركا في المنطقة.
التقارب بين واشنطن وطهران لن يجسّر الهوة بين الأخيرة والسعودية التي تنفق أضعاف ما تنفقه وقد تنفقه إيران على التسلّح. ولن يخفف حدة المواجهات بين «داعش» و «الحشد الشعبي» في العراق، وبالتأكيد لن يوقف الحرب في اليمن. أما في سوريا، فإن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء باتفاق أو بغيره، فالمسألة باتت حكراً على الميدان.
صحيح أن ما قبل الاتفاق ليس كما بعده، لكن ليس بالصورة التي يتوقعها اللبنانيون. إيران ستنظر إلى إمبراطورية الداخل وعينها على تحديات التنمية، تعزيزاً لدورها كدولة محورية، وبعيداً عن الهراء العربي واللبناني، بعدما وضعت نفسها في مصاف الدول الكبرى، بدلالة صورة الاتفاق التذكارية التي غاب عنها أيّ ممثل عربي أو إسلامي من الدول المجاورة. إيران ستعود إلى بناء الداخل محتفظة بالسياسة التي وضعتها في هذا المصاف الجديد. وستبقى ترفع الشعارات نفسها وإن بتوتر أقلّ، استعداداً لـ «بازار» التسويات الكبرى في الشرق الاوسط، الذي لا يزال بعيداً.
عن السفير