تاريخ النشر: 2025-05-21 | 09:36
تاريخ النشر: 2025-05-21 | 09:36
في عالمٍ يُقدِّسُ حقوق الإنسان شكليًّا ويَختزلها سياسيّاً بمجرَّد خطاباتٍ بلا روح تقف غزة شاهدةً على أحدث فصلٍ من فصول الهمجية والعنصرية المُعاصرة، والتجويع كأداةٍ للقهر، فالحربُ هُنا ليست مجرَّد قذائفَ تُلقى من السماء بل هي حربٌ أكثر دناءةً تتمثلُ في استخدام التجويع كسلاح! فكيف تُحوِّل حاجة الإنسان الأساسية للطعام إلى وسيلةٍ للإذلال؟ وأين يذهب الضمير الإنساني حين يُحاصَر الخبزُ والماءُ كما يُحاصَر البشر؟
عندما تتحوّل الحاجة إلى عقاب جماعي
لم يَعُد الحصار الإسرائيلي على غزة مجرَّد حَظرٍ للحركة أو تقييدٍ للموارد بل صار نظاماً دقيقاً لتحطيم كرامة الإنسان! فمنذ العام 2007م حوَّل الاحتلال القطاع إلى سجنٍ مفتوح حيث تُحسَب السعرات الحرارية التي يدخلها الفلسطيني كأنها امتيازٌ يجب انتزاعه لا حقٌّ طبيعي، فالأرقام تقول إن 80% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الغذائية للبقاء بينما تُراقب إسرائيل كل شاحنة تدخل لتسمح بالقليل وتَمنع الكثير، وكأنها تُجرِّب كم يستطيع الإنسان أن يتحمَّل قبل أن يَنهار.
لكن الجوع هنا ليس مجرَّد نقصٍ في الغذاء بل هو أداةٌ لتحقيق استسلامٍ مادي ومعنوي، فحين يُحرم الطفل من وجبته المدرسية وحين تَتحوّل طوابير الخبز إلى مذلَّةٍ حقيقية وحين تُقاس حياةَ الإنسان بعدد الأكياس الغذائية التي يَحصل عليها فإن الاحتلال لا يَقتل الجسد فقط بل يَقتل الأملَ في المستقبل والخير في الانسانية.
كيف تُشرعِن إسرائيل الهمجية؟
الغريب في الهمجية الإسرائيلية أنها لا تأتي بصيغةِ فوضى عشوائية بل كسياسةٍ مدروسةٍ تُبررها لغة القانون الدولي المزوَّرة والمُدنسة، فإسرائيل تَستند إلى ذرائع الأمن لتُحيل التجويع إلى فعلٍ قانوني بينما يُعتبر تجويع المدنيين جريمة حربٍ بموجب المادة 54 من البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف.. فمن يحاسبها؟
بل إنها تذهب إلى أبعد من ذلك بمراحل حين تَمنع إدخال أدوات الزراعة وتُدمِّر الأراضي الزراعية، وتَستهدف صيادي السمك وكأنها تَقول للفلسطيني لا تزرع... لا تصطاد... لا تنتج... كُن عالةً على المعونات حتى تقتلُ كرامتك قبل جسدك.
فلسطين ترفض أن تكون رقماً في معادلة الجوع
برغم ذلك كلهِ فغزةُ تُعلّم العالم معنى المقاومة الوجودية، فالفلسطيني لا يموت جوعاً بل يبعثُ الحياة من حيث يُفترض أن ينتظر الموت، فتراه يزرع في شرفة منزله، ويبتكر طرقاً لتحلية ماء البحر، ويَصنع الخبز من القمح المخلوط بالحجارة كأنه يُردد الجوع قد يقتلني لكنه لن يَقتل إرادتي ولن يُقللُ من كرامتي.
هنا يصبح الأكلُ فعلاً ثوريّاً، والطهيُ مقاومةً، وانتظارُ رغيف الخبز صموداً في وجه آلةٍ عسكريةٍ تريد تركيع من لا يركعُ إلا لله، فالفلسطيني يُذكّر العالم بأن الجوع ليس نقصاً بالطعام بل نقصاً بالعدالة والكرامة الانسانية، وأن الهمجية ليست فيمن يموت جوعاً بل فيمن يَصنع الجوع ويُراقب ضحاياه بدمٍ بارد.
هل يستيقظ ضمير العالم أم يَظلُ شريكاً في الجريمة؟
الإنسانيةُ لا تُقاس بوفرة طعامها بل بمدى عدالة توزيعه، وغزة اليوم هي مرآةُ العالم الأكثر قسوة، فما يحدث فيها ليس شأناً فلسطينيّاً فقط بل هو اختبارٌ لضميرِ البشرية جمعاء، فإما أن نعترف بأن التجويع جريمةٌ لا تُغتفر أو نُقرّ بأننا نعيش في زمنٍ أصبحت فيه الهمجيةُ قانوناً، والإنسانيةُ جريمةً!
في أيها العالمُ الحرّ.. إلى متى تظل تُدين الجوعى بدلَ من أن تُدين مَن يقومُ بتجويعهم؟