ليس أسوأ من شخص تدارك قلة موهبته، ونقص قدراته باللجوء إلى قنوات خلفية توصله إلى ما يريد دون أن يبذل جهدا في تعد واضح على حقوق غيره ممن ثابر واجتهد، وعمل بنشاط وإرادة، إنها سرقة الزمن وإمكانات الناس، وحقوق المجتهدين التي نسميها في لغتنا البسيطة الواسطة.
هي ليست مدحا ولا غزلا ولا كلمة فصحى في اللغة العربية، لكنها مشتقة من أفعال بعض الناس التي تنطبق على الأرض بأفعالهم اللا أخلاقية واللا منطقية، والتي نسميها بلفظ آخر المحسوبية بمعنى: أنها ترتقي بأشخاص لأعلى على حساب أشخاص آخرين ممن يثابرون ويبدعون بجهدهم الكبير، ولا يجدون مكانا لهم بين الكبار الصغار، فيذهب مجهودهم لأولئك الذين لو سألتهم عن نصف الثلث فلن يعرفوا عن ماذا تتحدث؟
ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب!
بل تجد أن هناك العديد من القضايا في هذا الأمر تحتم على الجميع أن ينظر إليها بعين الجد والاجتهاد، لأن هذه مسؤولية وأمانة تقع في رقبة الصامتين عنها.
ولنا عن هذا الأمر مثال بسيط لقول أحد الشعراء::
تموت الأسد في الغاب جوعا*ولحم الضأن تأكله الكلاب
وذو جهل قد ينام على حرير* وذو علم مفارشه التراب
فهذا مثال بسيط لكنه ذات معان كثيرة وقوية لمن يفهم معناه جيدا أنه عندما يكون الشخص القوي وذو العلم لا يجد ما يسد رغبته، ويجدها باتجاه شخص لا يستحقها، ما يجعل الأمر مؤلما جدا وكذلك صاحب العلم الذي يدمج نهاره في ليله تعبا وسهرا ليرتقي بذلك العلم لأعلى مراتبه، وسرعان ما يجد نفسه على حافة الطريق بائعا أو سائقا للأجرة، وغيره من جهلة الطرق يسد في مجاله العلمي ، فهنا نلجأ إلى مسمانا الذي كنا قد أطلقناه سابقا وهو المحسوبية.
ولو تعمقنا أكثر في قضية الواسطة سنجد أمورا أخرى تخيف أكثر من ظلام الليل من الظلم والمحسوبية والواسطة التي مزقت النسيج الاجتماعي الداخلي.
ليس عيبا أن يكون صاحب العلم في مكانه يجلس جلسة الملوك والأمراء وصاحب العمل في مكانه والكل يحترمه كما يحترم رئيس الدولة، لكن العيب عندما تجد هذه الآية انقلبت رأسا على عقب، فتجد صاحب العلم العالي والراقي بدأ في مجال يبحث عن رزقه في مهنة لا يفهم فيها شيء لكنه يبتغي منها الأجر، في المقابل صاحب الواسطة يذهب لذلك المكتب الكبير وهو لا يعرف لماذا ذهب إليه، أو ما هي طبيعة عمله، إلا لأن ذلك المدير هو ابن عمه أو أخيه أو أحد أقربائه ، فيفضل قرابته على ما يسميه الشخص الغريب أي ذلك المجتهد صاحب العلم بحجة( الأقربون أولى بالمعروف)، فهنا العيب وهنا الواسطة التي نتحدث عنها، وهنا المرض فيروس واو الذي استشرى في جسد المجتمع، وما زال يقطع أوصاله، ويمزق نسيجه الداخلي، ويفكك علاقاته الداخلية، ويكتب شعارا للمستقبل يقنع به أولئك المجتهدين المظلومين( من ليس له ظهرا فظهره الله).