تاريخ النشر: 2019-03-01 | 23:44
تاريخ النشر: 2019-03-01 | 23:44
أطلت علينا في 22 فيراير ذكري عزيزة ، ذكرى تحقيق الوحدة المصرية السورية عام 1958م ، أنعشت ذاكرة من عاصروها ، يحكون لنا مجدها وعزها ، ويرسمون منها لوحات الكرامة لأمة عربية خالدة ، ويستذكرون يوم انطلاقها لحظات الفرح والسعادة والتفاؤل بقرب تحرير فلسطين ، لوحة تتشابك فيه مصائر أمتنا العربية ، تترابط في منظومة تتوحد فيه كل مشاعر ومكنونات الأمة لتعبر عن الأمل باتحاد مصر وسوريا في دولة واحدة ، فكانت بحق تجربة رائدة في التاريخ العربي فهي لم تدم كثيرا ، لفترة لم تتجاوز الثلاث سنوات حتى 28 سبتمبر 1961م ، ورغم مرور واحد وستون عاما على قيامها ، الا ان الحديث عنها لم ينقطع في محاولة لاستخلاص العبر والدروس في تجاوز واقع الانقسام والتجزئة، ولعلنا نستشعر معاني الوحدة العربية باعتبار أنها هي الحالة الطبيعية لأمتنا وأن الاستخفاف بها مردود ومرفوض لأن الوحدة لازالت موجودة عمليا وشعبيا ، والا كيف يمكن للمعارضين لها أن يفسروا هذا الشعور المتنامي في قلوب شعوب امتنا العربية ومشاعرهم وعواطفهم الفياضة والمتعطشة لخطواتها والمنادية باستمرار لتحقيقها ، ومواقف أبناء الأمة من كل مشكلة أو أزمة يتعرض لها قطر أو اقطار عربية شقيقة ، بما تحمله من معاني الوحدة العاطفية وحاجتها الى الوحدة الفعلية العملية في مساندة ودعم للقضايا العربية في اطار قومي عربي بوسائل نراها في كل يوم وساعة في حملات التأييد والمناصرة وفي الندوات والمؤتمرات والاجتماعات الرسمية ، وفي اطار المظاهرات والاحتجاجات ، مؤشرات واضحة قوية تجدها في كل ثنايا حياتنا العربية في السياسة والاجتماع والفن بجميع أشكاله الذي يترجم مكنونات النفس العربية وآمالها سعيا نحو الوحدة العربية .
غير أن الطريف الذي يثير الاستهجان ان من يرفض الفكرة القومية والوحدة العربية هم اصحاب الفكر السياسي الاسلامي الذين يتباكون على حال الامة العربية ويضربونها بسهام النقد اللاذع والتخوين ، لكنهم بكل غرابة يطلبون دعمها في الوقت الذي يهاجمون فيه فكرتها .ولكن السؤال الأهم الذي يدور في أذهاننا ، هل استفدنا كشعب فلسطيني من هذه التجربة ؟
لكن شعب فلسطين بعد الانفصال استخلص العبر وتعلم الدرس ، فبعد سنوات قليلة استفدنا من تجربة الوحدة بإيجابياتها وسلبياتها مع نضوج الشخصية السياسية الفلسطينية التي أبدعت بما حملته من معاني وطنية في بعدها القومي عندما أسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م في فترة قاسية ، راعت الواقع العربي وتجاوزت فيه الاشتراطات التي حجزت تمثيل القضية الفلسطينية في ادراج الحكومات العربية ، وفي فترة محدودة لا تتجاوز عدة اشهر، تجمع الكل الفلسطيني بمختلف انتماءاته الفكرية " الوطنية والقومية واليسارية والاسلامية " وتداعى بكل مسؤولية في اطار وحدوي جامع هو منظمة التحرير الفلسطينية بما يعبر عن مجموع الشعب الفلسطيني عندما ترجمها مبدعها القومي ومؤسسها المرحوم احمد الشقيري الذي تتوافق ذكرى وفاته يوم 25 من نفس هذا الشهر ، بفكره القومي مدعوما ومنصورا من الزعيم القومي الخالد جمال عبد الناصر ، عندما توحدت جميع القوى الفلسطينية في وحدة واحدة تمثلها وتنطق باسم الشعب العربي الفلسطيني مستفيدا من دروس الوحدة ، عندما نص الميثاق القومي الفلسطيني المؤسس لمنظمة التحرير الفلسطينية بان الوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان متكاملان يهيئ الواحد منهما تحقيق الاخر، فالوحدة العربية تؤدي الى تحرير فلسطين ، وتحرير فلسطين يؤدي الى الوحدة العربية والعمل لهما يسير جنبا الى جنب . واعتبار تحرير فلسطين واجب قومي تقع مسؤولياته كاملة على الامة العربية حكومات وشعوب وحددت طليعتها بأنه الشعب العربي الفلسطيني .
نعم أن أهم معاني الوحدة أنها فتحت الباب امام التفكير في مسألة الوحدة الاندماجية ، رغم ما قد تواجهه من تدخلات خارجية تحاول اجهاضها وأفشالها ، وللاستفادة من هذه التجربة فأن نجاحها ينبغي أن تتوافر له جملة من الشروط :
* تقوية الروابط الرسمية والشعبية في أقطار عربية لا تجد فيها الفكرة القومية حماسا ورواجا بين اجيالها الشابة التي غاب عنها المد القومي بسبب التشويه المتعمد للفكرة والمشروع القومي الوحدوي من قبل الحكومات التي يغلب عليها الطابع القطري المتحالف مع الغرب ، والجماعات الاسلامية التي تحارب الفكر القومي وتكفره وترفض نتائجه واستحقاقاته الوحدوية .
*أن تتم على مراحل متتابعة تتناسب مع الواقع المعاش ، حيث أن لكل دولة خصوصياتها الوطنية التي ينبغي مراعاتها وتتمثل في اختلاف احوالها الاجتماعية وعاداتها وتقاليدها وقضاياها الداخلية الخاصة وقدراتها الاقتصادية .
* أن تتوافر لهذا المشروع القومي الوحدوي الامكانيات والموارد اللازمة وأشكال الدعم المختلفة .
فالوحدة تجعل من كل قطر عربي مكمل للأقطار العربية الاخرى في المجالات المختلفة لتنهض امتنا العربية بين الامم ويصبح لها واقعها العظيم ومكانتها التي تليق بها وكما تستحق ، امة منتجة لمختلف المعارف والعلوم ..امة عربية نهضت في فترات كان الغرب يعيش التيه والتخلف .. أمة عربية كانت رائدة بفضل توحدها في دولة واحدة كتب عنها التاريخ فأصبحت حدودها بين اقصى الشرق والغرب وفي قلب الشمال الاوروبي .
وفي ظل تحديات انتشار الارهاب والهيمنة الامريكية الصهيونية لا خيار امام الامة العربية الا الوحدة ، فلا تستطيع دولة لوحدها مواجهتها في وقت تتجه فيه السياسات العربية للدول المحافظة للتحالف مع العدو الاسرائيلي لحمايتها وكان الاجدر بها السعي نحو الوحدة العربية الضامن الوحيد لاستقرارها ، ورغم المراهنات لتمرير مشروع فصل قطاع غزة والاجراءات التي تتم على قدم وساق ،وقبول حركة حماس لهدنة طويلة وتسوية ما مع اسرائيل بدون توافق وطني فلسطيني او حاضنة شعبية ترسخ بما لا يدع مجالا للشك بانفصال قطاع غزة عن الوطن بدلا من ان تشكل وعاء حاضنا مقاوما وجامعا وموحدا للكل الفلسطيني ، لذا يستوجب على حماس تجاوز نظرتها الذاتية والأنية والتفكير في البعد التوحيدي الجامع لقضية فلسطين في مواجهة مشروع التقسيم .
كما أن استعادة وحدة وفعالية القضية الفلسطينية يرتبط بإصلاح النظام السياسي الفلسطيني بما يستوعب كل القوى السياسية الملتزمة بالقانون والنظام العام والانتقال السلمي للسلطة واحترام وحدة الاراضي الفلسطينية ، وبمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني .