تاريخ النشر: 2022-11-07 | 09:56
تاريخ النشر: 2022-11-07 | 09:56
من خلال التدقيق في تصريح بلفور، ذاك الوعد المشؤوم نجد أنه باطل وذلك للأسباب عديدة: -
أ- لأن الوعد صدر في عام 1917، أي في وقت لم يكن لبريطانيا فيه أية صلة قانونية بفلسطين. وهذا لا يعني بأي حال التسليم بالوعد فيما لو أنّ فلسطين كانت محتلة من قبل بريطانيا.
ب- قانون الاحتلال الحربي لا يُجيز لدولة الاحتلال التصرف بالأراضي المحتلة، ولأن الحكومة البريطانية أعلنت في مناسبات كثيرة أن الهدف من احتلالها هو تحرير فلسطين من السيطرة العثمانية وإقامة حكومة وطنية فيها.
ت- لأنّ الوعد أعطى فلسطين لمجموعة من الناس لا تملك أية صفة أو حق في تسلمها أو استيطانها أو احتلالها.
ث- لأنّ الوعد ليس اتفاقية مع دولة أو كيانات دولية ذات سيادة، ف "اللورد بلفور" مسؤول بريطاني، ولكنه لا يملك حق التعاقد باسم دولته. واللورد "روتشيلد" مواطن بريطاني صهيوني، ولكنه لا يمثل الطائفة اليهودية المنتشرة في العالم، والطائفة اليهودية لم يكن لها شخصية قانونية دولية.
ج- لأنّ الوعد أضر بالحقوق التاريخية والحقوق المكتسبة لسكان فلسطين، فهؤلاء السكان موجودون في فلسطين منذ آلاف السنين، وقد اعترفت لهم الدول الحليفة المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بحق تقرير المصير وحق اختيار النظام السياسي والاجتماعي الذي يلائمهم. ولان الوعد يتناقض مع بعض المواد في ميثاق عصبة الأمم أو صك الانتداب فهو يتناقض مع المادة العشرين من الميثاق التي تنص على "إن جميع أعضاء العصبة يقرون كل ما يعنيه، بانّ هذا الميثاق يُلغي كل الالتزامات أو الاتفاقيات الدولية المتعارضة مع أحكامه. ويتعهدون رسمياً بعدم عقد التزامات أو اتفاقيات مماثلة في المستقبل. وإذا كان أحد الأعضاء قد تقيد، قبل دخوله العصبة، بالتزامات متعارضة مع أحكام الميثاق، فعليه اتخاذ التدابير الفورية للتخلص منها".
إنّ التصريح الوعد ومنذ صدوره شكلّ هدفاّ سياسياً عملت عليه قوة الانتداب البريطاني في تمكين الحركة الصهيونية من السيطرة على فلسطين، وهذا جوهر تصريح بلفور المشؤوم، وذلك عبر وسائل وأساليب وقفَ استجلاب قطعان المهاجرين اليهود الصهاينة من أصقاع العالم إلى فلسطين في مقدمة تلك الوسائل. ويجب ألاّ تُغرينا تلك التصريحات التي أطلقها قبل سنوات وزير الخارجية البريطاني (جاك سترو)، والتي أقر في مقابلة مع مجلة " نيو ستيتمان " الأسبوعية في منتصف تشرين الثاني 2002، بمسؤولية بلاده التاريخية عن الكثير من النزاعات الحالية بالمنطقة العربية وخاصة القضية الفلسطينية، والنزاع بين الهند وباكستان حول إقليم كشمير من خلال قوله: "إنّ الكثير من النزاعات الحالية بين الدول هي من نتائج ماضينا الإمبريالي، وينبغي علينا تسويتها". وأقر أن بلاده أعطت وعد بلفور لليهود، والذي يعدهم بوطن في فلسطين، وفي الوقت نفسه منحت ضمانات متناقضة لكل من الفلسطينيين واليهود في قوله: "وهذه الأشياء تمثل تاريخاً مهماً لنا، لكنه ليس تاريخاً مشرفاً". وهذا الاعتراف ل (جاك سترو) لم يترافق مع أية جهود بذلتها الحكومة البريطانية لتصحيح الخطيئة التاريخية بمعناها القانوني والأخلاقي، وعليه فإن التطلع نحو قيام بريطانيا بأية خطوات تصب في هذا السياق ضربٌ من الخيال، لسببين، الأول يتمثل في غياب الإرادة السياسية والوطنية في مقاضاة بريطانيا على ما اقترفته من جريمة العصر والمتمثل في "منح وعد من لا يملك لمن لا يستحق". والثاني هو اتفاق "أوسلو" وما أنتجه من تنازل عن 78 بالمائة من أرض فلسطين التاريخية، واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة الكيان الصهيوني.
وختام القول يجب التأكيد على أن قضيتنا الوطنية الفلسطينية هي نتاج لحل المسألة اليهودية على حسابنا من قبل القوى الاستعمارية وإلى جانبهم الولايات المتحدة، في إيجاد وطن قومي لهؤلاء اليهود. وهذا اعتمد على الشراكة العملية بين الحركة الصهيونية وتلك الدول. حيث شهدت تحولاً إستراتيجياً، منذ المؤتمر الصهيوني الأول في العام 1897 من كونها حركة دينية صوفية إلى حركة سياسية تقود دفة قيادة اليهود الصهاينة في تحقيق أهدافهم وما يسعون إليه، عبر وسائل وأساليب تتنافى مع القيم الأخلاقية والقانونية وأبسط حقوق الإنسان، وخرق قرارات ما تسمى بالشرعية الدولية ومواثيقها.