تاريخ النشر: 2015-07-09 | 02:07
تاريخ النشر: 2015-07-09 | 02:07
أمد/ رام الله - كتبت لندا شلش: سبحان الذي خلق الإنسان الفلسطيني مفوَهَاً، قادرا بقدرة قادر على التصريح والتلميح والتحليل والتهديد، بل وإنزال العقاب بإبن جلدته بجهل أو بمعرفة. وليس غريباً أن تشاهد مراهقاً يحلل الأوضاع الأمنية والسياسية وفق مزاجه، ويدافع بإستماته عن طرف دون سواه بطريقة عبثية، امتصها من محيطه الفاسد خطابياً وسياسياً وثقافياً إن شئت، متجاهلاً كمعظم السياسيين في بلده أن هذا الشعب توحد يوما ما خلف شعار أوحد،" تحرير فلسطين من الإحتلال"!. لكن السياسة أفسدته، وبات من الأولى أن يحررنفسه من قبضة نفسه، قبل أن يفكر في التحرر من الاحتلال.
من الطبيعي جداً أن يترحم هذا الفلسطيني على زمن الإحتلال الوحيد، حينما كان محاصرا بالنكبات والمآسي الناتجة عن العدو الإسرائيلي، المبكي أن هذا العدو يزداد جبروتاً وتدميراً للفلسطيني، والمضحك أن هذا الأخير على ما يبدو اعتاد على العيش تحت الإحتلال، بل وتشرب الفكرة ليمارس الاحتلال بنفسه على من حوله!. فأصبح لدينا والحمدلله أكثر من احتلال. احتلال اسرائيل لفلسطين، احتلال السلطة للضفة وحماس لغزة .
في زمن الإنقسام الأسود بات لدينا إمبراطورية ومملكة إذا ما تركنا القدس جانبا، وتناسينا آراضي الثمانية وأربعين التي تعدها اسرائيل دولة قومية لليهود. لدينا إمبراطورية رام الله التي تتصرف مع شعبها كما لو كانت ذات سيادة، مقر الحكم فيها تفصله أمتار قليلة عن حاجز عسكري اسرائيلي ومستوطنة، وترتبط هذه الإمبراطورية بعلاقات أمنية "مقدسة" مع الجار العدو.
وهناك مملكة غزة المدمرة بفعل الحروب المتتالية، لكنها تتصرف أيضا كما لو كانت إقليما مستقلاً، لها من يقود الحكم ويسير شؤون العباد ، وفيها جهاز أمني خاص، وهي محاصرة من كل الجهات من اسرائيل والجيران العرب. تسعى هذه المملكة لهدنة طويلة الأمد مع اسرائيل كما بات يُشاع مقابل ميناء ومطار، حياة السكان فيها تصل إلى حد الإنفجار .
لا شيء قادر على جسر الهوة بين الإمبراطورية والمملكة، وإعادة الإنصهار السياسي بينهما بعد أن تعذرت اللحمة الجغرافية، . وفي ظل هذا تمارس كل منهما أدوارا تحاول من خلالها أن تستشعر مظاهر السيادة والسيطرة على شعب عانى كثيرا ولم يزل. من بين ذلك استخدام القوة والترهيب عبر اعتقال مواطني كل منهما. نعم يا سادة، أصبح لدينا سجون وسجانون ومحققون ومعذبون، و لدينا جيش من الأمن الفلسطيني يقتحم بيوت المواطنين ليلا ويعيث فيها الفسادـ ويعتقل منها الرجال والشباب، ويسلم النساء الاستدعاءات للتحقيق!.
الاعتقال الذي كان في عقيدة الفلسطينيين وثقافتهم مرتبطا باسرائيل وحسب، بات الفلسطيني يمارسه بشكل علني، حتى لأقرب الناس إليه، فسقطت قدسية الاعتقال ورمزية السجون. وبات لزاماَ عليك اليوم أن تسأل: أين فلان معتقل؟ سؤال محق، فهناك سجون اسرائيلية وأخرى فلسطينية! الحمدلله رب العالمين أن صار لدينا سجون قبل الدولة. ولا تستغرب أنَ من بيننا من يرفع تقارير أمنية كاذبة ضد شخص لسبب ما، فيتسبب باعتقاله بالباطل، وبالتالي يمرمر عائلته نفسيا ومعنويا، مقابل الحصول على عشرين دولارا وأقل!. نعم، إنه فساد المال والأخلاق الذي أنتجته الإمبراطورية والمملكة...
في أسوأ كوابيسهم، لم يتوقع الفلسطينيون أن يمارس عليهم الظلم والاعتقال من أبناء وطنهم. أن يُمارس الواقعون تحت الاحتلال الظلم ضد أبناء شعبهم جريمة نكراء، بصرف النظر عن الأسباب التي دفعتهم لذلك. لا يُعقل أن تمارس الضحية دور الجلاد حينما تُتاح لها الفرصة. بتنا لا نختلف كثيرا عن الدكتاتوريات العربية المنتشرة في محيطنا، ولو أُعطينا المجال لمارسنا الدكتاتورية بأبشع صورها. سبحان من جعل الإحتلال "رحمة" .
تنفي مملكة غزة أي اعتقالات سياسية لديها، فينشر أحدهم من أبناء الممكلة صورة استدعاء له، في إمبراطورية رام الله يختلف الوضع، فالاعتقالات باتت علنية وبالجملة، لا حاجة لنكرانها، لكن حجة الاعتقال تثير البلبلة والمهزلة "العبث بالأمن"، عن أي أمن يا سادة تتحدثون، وأنتم واقعون بين مخالب اسرائيل وجرائمها اليومية، ولا يمكنكم التنقل من مكان لآخر إلا بتصريح أمني من الاحتلال!.
على غزة ورام الله ان تضعها نصب أعينهما إمبراطورية إسرائيل، وأن تتقيا الله في هذا الشعب المسكين، فالوضع لا يحتمل وحالة الاحتقان في أشدها. كفوا عن إُثارة الكراهية في نفوس الشعب والتجبر فيه .الشعب ليس ملكا لكم، بل هو ملك لله والوطن! وفلسطين أكبر من مقاساتكم السياسية العقيمة.