استغلت أميركا "الربيع العربي" بحجة إسقاط الأنظمة، مع أن أكثرها من الموالين والتابعين لها (مبارك وزين العابدين بن علي والقذافي..)، ولنشر الديمقراطية ومكافحة الفقر والتهميش، ولا ننكر ما يعيشه العالم العربي بـ"فضل" أميركا وحمايتها للممالك والإمارات والرؤساء، لكن سرعان ما تبيّن الخداع الأميركي عبر "عسكرة" الثورات الشعبية، واستقدام المرتزقة من التكفيريين، وظهر مشروع "برنارد لويس" الذي يرسم خريطة تقسيم الدول العربية، وقد بدأ التمهيد بالعدوان على المقاومة، ففشلت "إسرائيل" في لبنان عام 2006، وفشلت أميركا وحلفاؤها في سورية..
بدأ "الربيع العربي" المشؤوم باغتيال الرئيس رفيق الحريري، لإخراج الجيش السوري من لبنان، وتقييد المقاومة، وتحضير لبنان ليكون ساحة الانقضاض على سورية، وقاعدة للإمداد والحشد التكفيري، وإدارة العمليات ضدها، ولو سقط لبنان بأيدي "14 آذار" لكان محور المقاومة في مأزق كبير، يكاد الصمود والانتصار فيه مستحيلين.
بعد انكسار المشروع الأميركي - "الإسرائيلي" في سورية، أيقنت أميركا بضرورة الإسراع بتنفيذ مشروع التقسيم، علّها تربح جزءاً منه بدلاً من خسارته كلياً بعد نجاحها في تقسيم السودان إلى دولتين، ومرشح لأن يصبح ثلاث دول، وإذا ما نجحت في تقسيم العراق وفق ما أوصى به الكونغرس الأميركي، فيصبح العراق ثلاث دول، والواقع الليبي أكثر سهولة للتقسيم إلى ثلاث أو أربع ولايات، فتكون أميركا أنجزت تكوين تسع دول جديدة بدلاً من ثلاث، وإذا أضفنا العدوان السعودي - الأميركي في اليمن لتقسيمه الى سبعة أقاليم (دول) أو شمال وجنوب، فتتوالد 16 دولة على أنقاض أربع دول عربية فقط.
ويبقى الاستنزاف لسورية مستمراً لتقسيمها إلى أربع دويلات أو ثلاث، وإذا فشل بتقسيمها، وسيفشل، سيستفيد من استنزاف محور المقاومة وإلهائه، لاستكمال مشروعه التقسيمي في المغرب العربي (العرب والأمازيغ..) وفي مصر (الأقباط والعرب.. والنوبيون) بالتزامن مع إقلاق إيران، والذي بدأت إرهاصاته بالحادثة المسرحية في المناطق الكردية، بعدما أعلن الأميركيون والأكراد هدفهم بإقامة الدولة الكردية المستقلة.
الواقع اللبناني متجه إلى فيدرالية سياسية وليست فيدرالية جغرافيا، بسبب المساحة الصغيرة، والتداخل الاقتصادي والسكاني، وعدم القدرة على إقامة المناطق "النقية"، فيتمّ تعديل الطائف أو نظام تأسيسي جديد، ويصبح لكل من المسيحيين والمسلمين هيئاتهم التمثيلية، مع هيئات موحدة على مستوى العملة، وجيش اتحادي، وشرطة ذاتية، ومؤسسات إدارة منفصلة وذاتية، عبر نبش ما قامت الحرب الأهلية من أجله في السبعينات، والتي كانت المحاولة الأولى لتقسيم "الشرق الأوسط"، والتي كانت بمنزلة تجربة نجحت إلى حد ما في إلغاء مقومات الدولة الواحدة، وأحدثت تقسيماً ديمغرافياً ونفسياً، وخطوط تماس مازالت حاضرة في الجغرافيا والثقافة والسلوك، ويمكن إحياؤها بدقائق معدودة.
المشروع الأميركي لن يستثني السعودية من حساباته، حيث لم تنجح تجربة "الشقيقة الكبرى" المتمثلة بالسعودية في قيادة إمارات الخليج بعد تجربة مجلس التعاون الخليجي، ولم تنجح السعودية في قيادة العالم الإسلامي "السُّني"، والتشقق بدأ يعصف بالعائلة المالكة العجوز، لذا لا بد من تقسيم السعودية إلى إمارات تلتحق بإمارات الخليج، وحرب اليمن بداية السقوط، والتقسيم للسعودية سيعقبه تسليح القبائل السعودية، وجذب المرتزقة المتشددين، ثم تمدد "داعش" و"القاعدة" في الداخل، لتُمسك أميركا بملف إدارة التوحش عبر التكفيريين، وصولاً إلى التقسيم، وجعل الأماكن المقدسة في السعودية مناطق محايدة بإشراف دولي وإسلامي، كمقدمة لتحويل القدس إلى منطقة محايدة تحت إشراف دولي، وعدم الاعتراف بها كعاصمة لدولة فلسطين المفترَضة.
بدأت أميركا بالحصاد في "ربيعها" على حساب الدم العربي والتاريخ الحضاري وهدم الآثار ومحو الهوية، حتى تستولد كيانات سياسية هجينة وضعيفة بلا هوية تاريخية، ولا قدرة لها على الحياة دون مساعدة أميركية.
هل ينتبه المغامرون في السعودية والخليج قبل فوات الآوان، خصوصاً أن المقيمين من العمالة الأجنبية أضعاف عدد المواطنين، وعندهم الجهوزية للانقلاب على الملوك والأمراء للمطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعهم، والمطالبة بالجنسية، وستبدأ المظاهرات المطالبة، وهي أول الغيث للسقوط السعودي والخليجي.
الخليج كأنظمة صار عبئاً على أميركا، وانتهى دوره الوظيفي في تمزيق الأمة ونهب الثروات وحماية "إسرائيل"، وصار بوسع أميركا وتحالفاتها واتفاقياتها الجديدة حماية مصالحها دون زعماء الخليجيين وعباءاتهم ويخوتهم.
عن الثبات اللبنانية