ما نراه في الأرض الفلسطينية الآن من انتفاضة ضد الفُجر الإسرائيلي الذي بلغ منتهاه، هو بارقة أمل على أن هذه الأمة لا تزال حية بمثل هؤلاء الفتيات والفتية الذين انتفضوا ضد الاحتلال الغاصب للأرض ، والمنتهك للعرض منذ نحو قرن من الزمن .
"انتفاضة السكاكين" التي اندلعت منذ أيام وزلزلت كيان هذا المحتل، وأدخلت الرعب في قلوب قادته، لن تكون الوسيلة الأخيرة لهؤلاء الشباب الذي ضاق ذرعا بكل ممارسات الاحتلال البغيض، وآخرها انتهاكاته ومستوطنيه ضد المسجد الأقصى، دون أدنى اعتبار لمليار وثلث المليار مسلم.
لأمير الشعراء أحمد شوقي بيت جميل جاء في سياق قصيدة مدح بها النبي محمد صلوات الله عليه ، يقول فيه:
والشر إن تلقه بالخير ضقتَ به .. ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسمِ
إسرائيل هي التي زرعت الشر في المنطقة العربية باحتلالها الأرض ، وانتهاكها العرض بمباركة وعلى مرأى ومسمع من العالم الغربي،لم تتوقف جرائمها يوما، ولم تتورع عن استخدام القنابل الفسفورية المحرمة في قتل الأطفال والنساء والشيوخ ، ولن يردعها إلا مقابلة الشر بشر مثله .
وإن تعجب ، فعجب ممن يلقون باللائمة على الضحية، ويبرّئون القاتل، فيهاجمون " انتفاضة السكاكين" ويسخرون منها، دون اعتبار للممارسات الإسرائيلية التي فاقت كل الحدود ، وتجاوزت كل الخطوط، كنتيجة طبيعية لموات عربي وإسلامي على المستوى الشعبي أو على المستوى الحكومي الرسمي .
منذ سنوات وإسرائيل تقترف الجرائم تلو الجرائم في الأراضي الفلسطينية ، وتمادت في جرائمها ، والشعوب العربية في سبات عميق كأن لم تسمع أو تشاهد هذه الجرائم ، حتى وصل الأمر الى محاولتهم الاستيلاء على المسجد الأقصى وتقسيمه .
" انتفاضة السكاكين " التي أشعلها شباب آمنوا بربهم وبوطنهم هي رسالة إلى العالم كله مفادها أن الكيل قد طفح ، وبلغ السيل الزبى ، ولم يعد في قوس الصبر منزع .
شكرا لهؤلاء الشباب الذي يضحون بأرواحهم ، ويقامرون بحياتهم لتحرير أرضهم وحدهم.
إننا إذ نقدّر أمثال هؤلاء الشباب في انتفاضتهم ، لنأسف على هذا الصمت العربي والإسلامي المخجل الذي ملأ أرجاء العالم الإسلامي إلا فيما ندر.
نقدّر ما يفعله أبطال تلك الانتفاضة ، الذين لم يرتضوا العيش الذليل ، فقدّموا أرواحهم على أكفهم دفاعا عن أرضهم وأعراضهم .
نقدّر هؤلاء الفتية لأنهم ذكّرونا بمعنى الجهاد الحق( ذروة الإسلام ) ، وبنماذجه في ذروتها العليا ، ذكّرونا بأحمد ياسين والرنتيسي وأبو شنب وشحادة وغيرهم من الأبطال الذين كانوا يملكون القوة والعزة والكرامة ، في زمن غابت فيه القوة ، وضاعت فيه العزة ، وانعدمت فيه الكرامة .
عن الاهرام