أحمرّت خجلاً من شقاوتهم ...وتوارت خلف حجاب عفتها فغرقت في البحر ... نامت قريتي كالقوس المرخيه في حضن السهل... ضويت بيتي بزيت الزيتون ... خرجت أتجول بين أشجار الصفصاف ... أبحث عن ماضي فيه سهر وسمر ... نظرت الى القمر العالق بين الأغصان ... سمعت فيضاً من موسيقى يحملها أنين الريح الى السحاب ... موسيقى تصدر من بطن الأرض الى القمة ... وأنا لاأعشق موسيقى الجاز وأنفخ بالناي ... ولا يسكن في قلبي إلا صوت فيه حنين ... رجعت غطيت أولادي بشرشف نور النجوم ... حضنتهم ... وأحلامهم الصغيرة ترقد وراء الجفون الناعمه... وقلت في نفسي لولا خدودهم ما أزهر الرمان ... وما ارتسمت إلا لعيونهم الألوان... وزقزق طائر الفجر ... ومر الفلاحون بعد الصلاة ... على موسيقى حوافر خيلهم تمشي خببا ... غنّت فوق البحر نوارس لحب الحياة ... وأشجار الزيتون على المنحدرات لها اصابع خضر يعزفن على الأفنان ... والسرو الغارز بالغيم تتمايل مرنات القدّ ...لبست أمي ثيابها الفضفاضة كالخيمة فهي أحلى ... وهي أعلى ... وهي أجلى من كل جديد... طارت الفراشات بين الورود ... وطنّ النحل في حومه حول الزهور ... وأبي عاد بدم في كفه من شوك الورد ... لاعبت أطفالي ... تبادلنا الضحكات ... جدلّت لإحداهن خصلات شعرٍ ... ونفشت الأخرى شعرها فضحكنا ... نقفز في ساحة البيت ... في غفلة سمعنا عواء ذئاب ... ونباح كلاب ... تنهش القطيع نهشنا ... وأفزع وأفرغ قريتي ذاك الدب ... وعلا النحيب وجفت في عيوننا الدموع ... رحلنا بعيداً والحزن يضوينا ...والألم يكوينا ... والدم يحرق الجفون ويحفر الخد ... وصار قلبي يعاتبني ويعاقبني... سأطوي يوم خروجي في جرح حنيني ... سأرجع يوما ... سأرجع يوماً ... هناك سأجلسعلى حجر ملتف بجذور وشروش ... أتفيأ بالعطر الصاعد من بتلات الأزهار ... وظل الأشجارالمسكونة بالذكرى في ظل الدار ... سأرى صفاً من الأولاد قد حضنوا الأحفاد ...يقفون ملائكة في أرض الأجداد ... هناك سأسمع صوتي ... وأسمع ذاك الأنين ... إني أنا محبوبتكم ... أني أنا فلسطين .