تاريخ النشر: 2018-12-06 | 17:35
تاريخ النشر: 2018-12-06 | 17:35
لم تكن مثل أي أحد هيه لا تشبه أي أحد كانت ولا تزال وستظل لها نكهتها الخاصة، مذاقها الخاص رونقها هيبتها، عظمتها نقاؤها ، صفائها الذي لم ولن يتكرر .
انطلقت حركة فتح منذ العام 1965 لتكون ضمير الامة وأمل الشعب العربي الفلسطيني في خلاصه من الاحتلال ، لقد اختلفت فتح فكرا ونهجا وعملا فكانت ولا زالت تمثل الواقعية السياسية وانتهجت العمل الجماهيري المضبوط بإيقاع القيادة وعملت بكل قوة عسكريا وسياسيا لتكون فلسفة خاصة لا يستطيع أحد مجاراتها في فلسفتها على الاطلاق .
لقد انطلقت فتح في ظل واقع عربي مأزوم ومتصارع فيه ما فيه من شرذمة فكرية حاول أصحابها العمل ليكونوا نموذجا خاصا بهم ولكن تلك الافكار القومية والبعثية والشيوعية وحتى الاسلامية السياسية لم تنجح في بلورة شكل مستقل للسياسة الفلسطينية حيث كانت تلك المجموعات والقوى تتبع بشكل او بآخر نظاما ما وفكرا ما خارج البلاد . لا أقول هذا الكلام للانتقاص من أحد فلهم منا كل التقدير والوفاء والاحترام انما أمر على تجربة لم تنجح لان الطريق كانت تابعة ولان الافكار لم تلامس الجماهير بل لامست النخب، وحتى النخب رأت ان احلامها تنهار امام أفكارها التي صاغتها بكثير من التعقيد الأيديولوجي واللغوي .
عاشت فتح الكثير من التغيرات القوية في ظل ما شهده العالم العربي من هزائم ومن تقاتل فكري ومن قوى الاستعمار التي أرادت نزع فلسطين للعدو الصهيوني ، لقد عاصر المؤسسون الكثير من التجارب والكثير من الاخطار التي جعلتهم يفكرون بضرورة ان تكون البوصلة لفلسطين فقط ومن أجل فلسطين . فولدت فتح لتكون عنوانا للتحرير وعنوانا لتطلعات الشعب الفلسطيني وضميرا للأمة العربية وجزء من احترام العالم الحر لها الذي كونت فتح معه قاعدة صداقة جعلتهم يؤمنون بحقوق الشعب الفلسطيني ويعملون في كثير من الاحيان من أجله .
فتح مرت بالعديد من التجارب المرعبة في تاريخها والتي هددت وجودها ولكنها ليست كغيرها من الحركات والافكار فلقد فشلت كل المحاولات التي كانت تستهدفها وفشلت كل الدول التي عملت على زعزعة مكانتها أمام صفاء الفكرة وحقيقة العمل وجديته .
لم تكن تجربة بيروت من التجارب التي يمكن المرور عليها مرور الكرام لقد حولت فتح المنطقة العربية الى منطقة مواجهة حقيقية مع العدو وعملت على تغذية الفكر العربي بكل ما يمكن باتجاه فلسطين وقضيتها وكان هناك صحوة عربية باتجاه قضايا الامة التي حملتها فتح وجابت بها العالم مدافعة عن اولى القبلتين وثالث الحرمين . وفي ظل شراسة المعركة السياسية التي خاضتها فتح كانت جبهة القتال مشتعلة باتجاه العدو فكانت العمليات الفدائية والنيران لا تتوقف حتى فقد العدو عقله وتحالف معه من تحالف لخروج الثورة من بيروت .
خرجت فتح من بيروت لتأسس مرحلة جديدة من مراحل كفاحها بعد الكرامة وبيروت وقصص لا تعد ولا يمكن وصفها من البطولة والفداء ، ليعلن شهيد فلسطين عن وجهته وهو خارج من بيروت مع رفاقه عند سؤاله من احد الصحفيين قائلا لعرفات ( الى أين تذهب ) ؟ فأجاب بثقة الفدائي والمؤمن بقضيته ( الى القدس الى فلسطين ) . كان جوابا يبدو خيالا او جنونا ولكنه جنون الثائر الذي يعلم تماما ماذا يريد ولماذا انطلق ورفاقه في ال65 .
عندما تذكر الثورة تذكر تونس والجزائر وبيروت ففي بيروت كانت قصة الحرب والحب لهذه الارض ولهذا الشعب وفي تونس كان الاحتضان الاخوي وفي الجزائر كانت الدولة الفلسطينية قد اعلنت واعلن استقلالها من هناك من الجزائر العاصمة وبالتحديد في قاعة الصنوبر .
لم تكن فتح بعيدة عن انتفاضة الحجارة بل كانت هيه من يوجه دفتها وقراراها وكان خليل الوزير رحمه الله قد استشهد وهو يصيغ رسالة الى اخوانه بالأرض المحتلة فيها ما يجب فعله ، كان العدو يعلم جيدا ان قيادة فتح ومنظمة التحرير هي الاساس المفجر للثورة والمسير للانتفاضة فأرادت اغتيال قائد دفتها ولكنها لم تكن تعلم وحتى اليوم ان هذا الشعب لا يموت انما كل من فيه هم وقود الثورة ومكملين لم سبقهم من النضال .
حاول العالم في فترة من الفترات العمل على صنع سلام من خلال صفقة كاملة مع دول الجوار مع المحتل ولكنهم رفضوا تماما ان تكون منظمة التحرير الفلسطينية جزء من الاتفاق والحضور ولكنهم بالنهاية قبلوا بوجود اشخاص من الارض المحتلة فعلم الجميع بعد لحظات انهم يفاضون ياسر عرفات ولا يفاضون من كان موجودا في القاعة لان القرار كان لمنظمة التحرير عبر ممثليهم الشرفاء الذين كانوا ولا زالوا وسيبقون جزء اصيل من ذاكرة السياسة الفلسطينية . لقد حاول حتى بعض العرب الهروب باتجاه السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني ولكن متخذي القرار كانوا قد رفعوا منذ انطلاقتهم شعار ( القرار الوطني الفلسطيني المستقل ) . لم يكن شعارا ولكن كان واجبا عليهم تجاه وطنهم .
جاءت اوسلو وكانت خيارا باتجاه تحقيق الاستقلال على حدود الرابع من حزيران 67 . اعترض من اعترض ورفض ن رفض وتحدث ولازال يتحدث عنها الكثيرون ، ولكنها ودون شك جسدت على ارض الواقع الوجود الرسمي الفلسطيني وواجهت فتح الكثير من التحديات الخطيرة التي جعلتها تدفع ثمنا باهظا في الانتخابات التشريعية الثانية بخسارتها امام حركة حماس المنافس الوحيد لها جماهيريا .
لقد عانت فتح كثيرا برفض الكثيرين لأوسلو حيث فرغ التنظيم تماما وعمل المنتمين لفتح بشكل اساسي كمشرعين وتنفيذيين ، ولكم ان تتخيلوا كيف ان التضارب قد حصل بين افراد التنظيم الواحد فكل واحد منهم اجتهد قانونا ومؤسساتيا ليكون نموذجا يحترم فكان ما كان من سخط نتيجة عدم رضا البعض عن الاداء .
لم يرق لإسرائيل رؤية السلطة الوطنية الفلسطينية وهي تستعد لتكوين نواة الدولة فقررت ضرب عملية السلام وعملت بشكل ممنهج وخطير ومدروس لهدم السلطة ومؤسساتها الوطنية .
ولكن فتح لم تستسلم وخاضت معركة على الصعيد العسكري والشعبي والسياسي وحققت كثيرا من النجاحات التي اكمل مسيرتها السيد الرئيس الذي جسد حلم الدولة في الامم المتحدة وحصل على الدولة الفلسطينية الدولة (194 ) . واستمرت الالة الدبلوماسية الفلسطينية في العمل فانضمت الى كثير من المؤسسات الدولية وقفزت عن كل ما يمكن ان يعتبر عائقا امامها متحديتا الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها ومصرة وسائرة باتجاه تحقيق الحلم الفلسطيني .
فتح في ذكرى انطلاقتها ال ( 54 ) تجدد العهد والبيعة لشعبها على طريق التحرير والشهداء ان شعار حركة فتح ( انها لثورة حتى النصر ) . ليس شعارا قابلا للتفاوض او المزايدة . انه شعار المؤمن بقضيته وفلسطينيته وعروبيته .