تاريخ النشر: 2014-09-14 | 23:28
تاريخ النشر: 2014-09-14 | 23:28
أمد/ غزة – خاص : ذهب من ضجر ، لا من ترف الى بلاد مجهولة ، وركب البحر المالح ، ولم ينزل شاطيء الأحلام كما كان يعتقد ، وعندما استقر أمره بعد غرق سفينته ، وجد نفسه في مستشفى بأثينا ، التي لا يعرف لها لغة ، ولم يجد معه وثيقة تثبت شخصيته ، كل ما كان يريد أن يعرفه ، أين هي زوجته أين هم أولاده ، الذين كانوا معه قبل غرق السفينة في البحر .
أبا يامن هي كنية هذا المواطن الذي خرج من قطاع غزة ، عبر المعبر مع اسرته ، بعد أن حصل على تحويلة طبية لإصابة رافقته منذ الانتفاضة الأولى ، وعندما وصل مصر ، قرر أن يكمل ما سعى إليه فتوجه الى الاسكندرية ، ومنها ركب البحر ، برفقة زوجته وابنه وابنته ، ليواجه مصيراً مجهولاً ، وأملاً كان يدفعه دفعاً الى أن يستقر في إيطاليا مع أسرته ، ولكن البحر "غدار" كما قالت الروايات ، وتحدثت عنه البشر ، فكان مالم يتوقعه ، ولم يصبو إليه ، البحر الذي غضب من السفينة البالية ، الغير آمنة ، تحطمت فجأة ، وفرقت ركابها ، وضاع جمعهم بين الأمواج ، ولم يعرف لهم عناوين نهائية ، وكل ما عرفته الأخبار عن هذه الأسرة ، أن الأب وجد في مستشفى بأثينا العاصمة اليوناينة ، والبقية لازالت مجهولة الوجهة ، والعنوان .
شكري العسولي هو أبو يامن الذي يرقد اليوم على سرير غريب في بلد غريبة ، بعد أن فقد اسرته ، ووثائقه ، وضاعت أحلامه ، يتابع البحث عن عائلته ، ويرسل مناشداته الى كل من يمكنه مساعدته ، وكأن البحر أيقظه من ورم خبيث ، كان يظنه حلماً كبيراً.
لمثل هذه الأسرة المنكوبة ، التي خرجت من دمار وخراب أصاب حياتها في قطاع غزة ، بعد خمسين يوماً من القصف والتدمير والقتل ، بطائرات وبوارج ودبابات ومدفعية اسرائيلية ، جعلت من كل مواطن في قطاع غزة ، هدفاً ومطلوب الدم ، حتى الأطفال والنساء والشيوخ والشجر والبيوت المحشوة بالارواح ، هذا الوضع وتعقيدات ما قبل وما بعد جعل، شكري وزوجته يأخذون قرار الهجرة ، حتى ولو كانت غير شرعية ، ودربها مالح ، ملوحة البحر الذي لا أمان له .
لمثل هؤلاء ومن يفكرون اتباعهم حثيثاً لباب يفتح لهم في الحياة ، بعيداً عن الدم والخراب والخوف والقلق ، ولم يجدوا غير البحر ليحملهم الى بلاد يعتقدون أنها آمنة ، وقد تقدر فيهم الروح ، وتساعد أحلامهم على الطيران بعيداً في سماء لا قتل فيها ولا نيران ، يجب أن يقول لهم الساسة في بلادنا قفوا ، ولا تستعجلوا في قرار الهجرة ، ومن قبل على الساسة أن يقدموا لهم ضمانات الأمن ، وتأمين لقمة العيش ، وزرع الثقة في نفوسهم ، ليحملوا الى المستقبل ذراريهم ، في وطنهم ، بعيداً عن البحر والبر البعيد والمخيف .
على الساسة في بلادنا أن يدركوا تماماً أن مثل شكري كثير ، وأصبحوا كثر بسبب إحباطهم ، وإيمانهم أن قياداتهم ليست على مستوى المسئولية ، لتؤمن لهم أقل القليل في وطنهم ، وأقلها الأمن والأمان ولقمة العيش ، وأن شكري ضحية من ضحايا الخلافات الداخلية ، وما دفعه للغرق وتشتيت أسرته ، فقدانه تقديره لنفسه هنا في وطنه ، بسبب استخفاف قيادته فيه وفي مواطنيه جميعاً .
قبل أن تصدروا قرارات منع الهجرة ، وتوقيف "المافيا" التي تعمل ليل نهار لزيادة عدد المهاجرين من قطاع غزة ، الى الموت أو الغربة ، قرروا أن توحدوا قراركم ، وتنهوا خلافاتكم ، وتحموا مواطنيكم برص الصفوف ، واعلاء كلمة الإعمار ، والانتهاء عن إشغال العالم بخلافاتكم عن خراب بيوت مواطنيكم .
وربما تصل قصة شكري وعائلته الضائعة الأن في شواطيء بعيدة ، للقيادة في رام الله ، لتجري اتصالاتها العاجلة عبر سفارات دولة فلسطين ، بحثاً عن هيام العسولي زوجة شكري وابنه يامن الذي لم يكمل شهره التاسه في هذا الحياة و ابنته ريتاج ذات الاعوام الأربعة ، وهي نفس القيادة المطالبة اليوم بوضع حد منطقي وواقعي لمثل هؤلاء المهاجرين ، والاسراع في معالجة مشاكلهم ، ومعرفة دوافع هجرتهم ، وتحسين مستوى الحياة في وطنهم .