تاريخ النشر: 2020-01-05 | 15:17
تاريخ النشر: 2020-01-05 | 15:17
يحجب الحقد عن العين رؤية اقرب الحقائق اليها ويغلق على القلوب أقفالها فتفقد ما أودعها الله من رحمة ووفاء.. هذا هو حال نفر من الناس وهم يتكلمون عن إيران في هذا الظرف العصيب.. وينسون كل ما بيننا وايران من علاقات تاريخية جمعها الدين والجيرة الإنسانية دوما والقضايا الكبرى أحيانا والحضارة العربية الإسلامية الكبرى قرونا طويلة.
نختلف مع إيران او نتفق يظل ذلك في إطار الأمة الواحدة التي تمتلك من عناصر التوحد اكثر كثيرا مما يتناوشها من عوامل الاختلاف.. فكيف يتجه بعضنا الى التشفي بما يلحق بها من اذى لاسيما وان المؤذي هو من ينقل القدس الى الكيان الصهيوني ويزود العنصرية الصهيونية بالسلاح والمال لإحداث المجزرة تلو المجزرة بشعبنا الفلسطيني بل وبالعرب أجمعين؟
ان الموضوع في هذا السياق يحتاج إلى أطباء نفسيين لمعالجة مرضى القلوب والعقول ليعودوا الى توازنهم انهم فاقدو الذاكرة وفاقدو الحس والوفاء.. فلكم فزعت من تحليلات وتصرفات قام بها البعض في اكثر من مكان تتشفى بروح منحطة بما حصل يوم الجمعة السابق في مطار بغداد.. لم نشاهد جزءا من هذا التشفي تجاه العدو الذي يقتل ويدمر ويهود ويحتل الأرض ويعيث بالمقدسات الفساد..
إنما أريد فقط هنا وبعجالة الإشارة الى حجم الخسارة الناتجة عن حدوث ما يبشر به أولئك المعتوهون من ساسة وكتاب و حركات دينية.. فلنتخيل ان إيران كما يتوقعون سوف تتلقى ضربات ماحقة ساحقة كما يقول ترمب حيث أعلن عن تحديد 52 هدفا استراتيجيا في إيران سيقوم بتدميرها فيما لو حاولت إيران الرد على اغتيال قاسم سليماني.. وهنا نريد ان يكون واضحا ان ايران تتعرض لعدوان امريكي بشتى الاشكال منذ 40 عاما.
وهنا نحيل بسرعة الى تدبر ما حصل بعد سقوط العراق ولعلنا نتذكر ان الرسمية العربية شاركت وساندت ووفرت الأجواء الملائمة لإسقاط العراق وتدمير مؤسساته ولعلنا نتذكر ان قرار جامعة الدول العربية بخصوص ذلك صدر قبل ان يصدر قرار من الكونجرس الأمريكي.. وكلنا يتذكر ان الحصار التي أعقبت الحرب وخلال 13 عاما نفذه النظام العربي بدقة متناهية.. ثم كان الغزو الأمريكي و اعدم صدام حسين وسقطت دولة العراق وشتت حزب البعث العربي العراقي وتم حل الجيش العراقي فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة بوضوح كانت انهيار المنطقة العربية كلها حيث اجتاح تسونامي الربيع العربي يفتت كل دولة على حدة ولا زال الوطن العربي يئن جراء تلك الموجة العاتية.. لازالت سورية ولبنان وليبيا ومصر واليمن تخوض في بحر من الدم والأزمات.
وتماما سيكون الانهيار اكثر بشاعة في نتائجه فيما لو لحق بإيران اذى استراتيجي.. ستنهار أفغانستان والعراق والسعودية والخليج العربي كله وسورية ولبنان وتركيا وسيكون حقا واقعنا هو السقوط المريع لإقامة شرق أوسط جديد.
هكذا يتضح لنا الحد الفاصل بين الخطر الاستراتيجي والخطر الثانوي.. فمهما بلغت اختلافاتنا مع إيران فبإمكاننا حلها سريعا كان يكفي ان تتحرك دولة عربية محورية بالتفاهم مع إيران وإقامة جسور عميقة معها لكي يتم تحديد طبيعة العلاقات العربية الإيرانية بعيدا عن الاستعانة بالأجنبي.. فكما ان العرب يدركون ان الفرس جيرانهم وان إيران دولة محورية في المنطقة فان إيران تدرك ان العرب جيرانها التاريخيين وحملة الرسالة الإسلامية لها ومنهم كان النبي وال بيته عليهم السلام وان معظم علماء الأمة كانوا من فارس اغنوا المكتبة العربية الإسلامية السنية بآلاف المؤلفات..
الان نقف على بداية مرحلة خطيرة.. الولايات المتحدة الأمريكية تحاول جر ايران لمعركة توجه فيها ضربات عنيفة لمواقع حيوية في إيران.. ولا يمكن التقليل من خطر التهديد الأمريكي وحجمه لكن تدرك أمريكا انها لم تنه الحرب في أفغانستان والعراق وفيتنام بانتصارات بل ان حربها في أفغانستان والعراق كادت ان تطوح باقتصادها وتلحق بها اذى حقيقي.. ولن تكون الحرب مع إيران اقل خطورة على الولايات المتحدة الأمريكية ولن تمسح أمريكا إيران عن الخريطة بل أنها بوضوح ستفتح ميادين الاشتباك واسعة في أكثر من مكان وستتورط أمريكا في حرب لا هوادة فيها تستنزف الاقتصاد الأمريكي ولعلها تكون نهاية الإمبراطورية الأمريكية في ظل تصاعد قوة خصوم تقليديين روسيا والصين المتربصين بأمريكا الفرص.
نعم نعرف ان الوضع العربي يحيله الى الموقع الجانبي المتفرج الذي لا يملك دورا في مجريات الأحداث التي تلف المنطقة وتحدث هزات عنيفة فيها ولكن نعرف ان نتائج ما سيجري على الأرض بين إيران والإدارة الأمريكية سيلقي بنتائجه الأولى على العرب لاسيما في منطقة الخليج الامر الذي يدعو الى تحليل المشهد وقراءة تطوراته.
نحن العرب وإيران وباكستان وتركيا وماليزيا واندونيسيا وإفريقيا المسلمة امة واحدة ينبغي عدم الخلط بين التناقض الاستراتيجي والتناقض الثانوي.. فمهما بلغت اختلافاتنا داخل امتنا فهي لا تبيح لاح دان يقف في خندق العدو لان ذلك فضلا عن كونه سقوط أخلاقي فهو يساند بوضوح في تخريب ما تبقى لنا من أوطان.. والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.