تاريخ النشر: 2016-02-04 | 09:57
تاريخ النشر: 2016-02-04 | 09:57
انتبه.. أنت واحد من شخوص هذه القصة.. إنكارك لا يفيد، حتى لو أقسمت..
.. يوم ذاك.. كنت واحدا من هلما المتواجدين في ميدان العتبة أنتظر الباص رقم 500 المتوجه لمصر الجديدة عندما سمعت صرخة نسائية حادة تخترق ضجيج الميدان المشحون بالخلق وطبلة أذني.. في اللحظة هرول الناس نحو الصوت.. لم أتحرك من موقعي تحسبا.. فقط تابعت بنظري دائرة حول مصدر الصوت تعج بالناس وتتسع..
تناقل الخبر شفاهة من مركز الدائرة إلى حيث أقف مع لفيف فضلوا مثلي عدم الخوض في الزحام:
(داس الباص رقم 60 على ساق سيدة فبترها!)..
وعلى الفور بدأ بين لفيفنا حوار بلا مقدمات كما لو كنا أصدقاء.. كنا توليفة عشوائية غير مؤدلجة..وأظنني كنت الفلسطيني الوحيد بينهم..
قال الرجل الأشيب: " هذا ديدن سائقي القطاع العام لا يقيمون لحياة البشر وزنا!."
رد الشاب الحرفي المميز بهندامه المزيت:" سواقين إيه يا عم دول عربجية.. رخص القيادة عندنا بنظام الكوسة.. اسألني أنا!!.."
تتدخل السيدة السمينة الثلاثينية: "عيني عليها وعلى بختها.. تلاقيها بتجري على كوم عيال."
الطالب الجامعي أو هكذا بدا : " بتفتكروا هيئة النقل العام حتحاسبه؟!.. أبدا حيلاقي ألف معرص يشهد أن الست حدفت نفسها قدام الباص.. واعطس رحمكم الله!..
قال الشيخ المعمم: الحرمة لها حرمة.. من يؤذيها فالله خصيمه..
الشاب الصعيدي الهيئة واللهجة: احنا ما نفهموش قتل خاطي والا قتل قاصد.. كله قتل.. سواق قتل بنقتله على طول!..
ووجدتني أدلو بدلوي:
"عند الأجانب السائق لا يحصل على البراءة أبدا..عليه أن يتلافى أخطاء الآخرين وخاصة المشاة.. بخلاف الدارج هنا المرحوم غلطان والحي أبقى....!!"....
وقطع إرسالي الخبر الجديد القادم من مركز الدائرة الأم: ( الست سليمة.. الباص داس على طرف ثوبها بس.)...
ساد السكون لحظات بدت كالطويلة قبل أن يبدأ الحوار فاترا من جديد:
الرجل الأشيب: أف للنساء يعملن من الحبة قبة!!..
الشاب الحرفي المزيت: يا نهار اسود يا جدعان بقى كل الهليلة دي وما فيهاش حاجة!!!.. دي ست بنت ستين كلب!!..
السيدة الثلاثينية السمينة: دي طلعت شلق بجد.. عايزة تلبس السواق تهمة!!..
الطالب الجامعي: كل ده من قاسم أمين.. لقد تركت المرأة دارها فقل مقدارها.
الصعيدي: دي ست بحراوية وسخة.. لو كانت من قبلي ماكنش حد سمع لها صوت واصل حتى لو داس على رقبتها!!..
وشارك أحد القادمين من مركز الدائرة بعدما بدأت تتفرق وبدا أنه من هؤلاء الذين يتكسبون رزقهم من الفهلوة والنشاطات الإبداعية:
" بنت الجزمة شدتنا شدة!!.. أنا قلت أساعدها.. الحق فيها الروح قبل ما تموت، لقيتها وقفت زي الجنية.. لو شفتوا السواق الغلبان واقف بيرتعش وهي بتصرخ .. قليل إن سمعوها في ميدان التحرير!!!.."
كان الشاب يتكلم بحرارة وغيظ كمن عثر على نقود ثم سقطت منه في بئر سحيق.. استطرد وهو يميل على الشيخ المعمم : " هو صوت المرأة مش حرام برضك يا مولانا؟!!!..)
الشيخ المعمم: " حرام حرام إلا لو كان لضرورة أو في معروف.. ولا ضرورة هنا تقتضي منها هذا الصوت المثير الخبيث..
الشاب الفهلوي" شفتم أهي طلعت بنت حرام .. أنا قلت كده!..
وجدتني عاجزا عن المشاركة رغم حقدي على المرأة التي حرمتني لذة التألم.. وأنقذني قدوم الباص رقم 500، فاندفعت مع غيري في مسابقة الفوز بكرسي خال!.........
...................
أنسيت ذلك الحدث عمرا غدوت فيه كهلا، حتى سمعت صرختها من جديد.. هذه المرة من على حطام منزلها في الخليل : " النصرة من عندك يا رب!!...).