تاريخ النشر: 2016-02-15 | 09:24
تاريخ النشر: 2016-02-15 | 09:24
نعم كان مشهد اجتماع الجمعية العامة للأطباء في مصر لافتاً، ليس فقط لأن الحشد بدا ضخماً داخل وحول «دار الحكمة»، وهو الاسم الذي يطلق على مقر نقابة الأطباء، ولكن أيضاً لأن الاجتماع كان طارئاً لمناقشة قضية ظلت على مدى أيام محل اهتمام من وسائل الإعلام، وتتعلق باعتداء وقع على عدد من الأطباء داخل مستشفى المطرية العام بواسطة «أمناء» للشرطة كانوا يحاولون علاج زميل لهم. صحيح أن القضية فئوية بالأساس، وطبيعي أن تهب النقابة للدفاع عن مصالح وكرامة أعضائها، لكن اللافت هو محاولة جهات عدة، لا علاقة لها بالطب والأطباء، «الصيد في ماء الأزمة»، وركوب موجتها بصورة جعلت البعض يفتح للأطباء ملفات أخطائهم الفادحة في حق المرضى والمجتمع من دون أن تحاسبهم النقابة، أو حتى النيابة!
لم يترك المصريون موقفاً إلا وكتبوا فيه مثلاً شعبياً، وفي كل مناسبة ستجد المثل الذي يناسبها، وينطبق على المشاركين بها أو المؤثرين عليها، أو الساعين إلى الاستفادة منها. من تلك الأمثال الشعبية المصرية الشهيرة: «القرعة تتعايق بشعر بنت أختها». المعني واضح والمغزى مفهوم على رغم كون المثل ضارباً في اللهجة العامية المصرية، وصار يستخدم كثيراً منذ أزيحت جماعة الإخوان المسلمين من المشهد السياسي، وجرى عزل الدكتور محمد مرسي عن المقعد الرئاسي. لم يُقدِّر الإخوان حجم الاعتراضات على حكمهم وفوجئوا بما جرى في حزيران (يونيو) 2013، وبعدها سعوا أولاً إلى استعداء العالم الخارجي، خصوصاً الغرب، ضد الدولة المصرية الجديدة، ووجدوا في تدني مستوى الخدمات والأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر بالتزامن مع الدعم الذي قدم لهم من حكومات وجهات وأشخاص وقنوات فضائية تلفزيونية وصحف ومواقع إلكترونية رصيداً لهم، كما وجدوا في أخطاء وقع فيها الحكم الجديد مادة خام ساعدتهم على الاستمرار في تسخين الشارع، ووضع القضية المصرية على المحك إقليمياً ودولياً، لكن كل محاولات العودة فشلت، خصوصاً مع تحسن الأوضاع الاقتصادية وتزايد العنف في الشارع، ولجوء عناصر الجماعة إلى تخريب مقومات الدولة وتعطيل عمل المؤسسات، اعتقاداً منهم بأن فشل حكم ما بعد الإخوان كفيل بإقناع الشعب بأن الإخوان لم يفشلوا وإنما تم إفشالهم، ما يسهل عودة السلطة إلى الجماعة والمقعد إلى مرسي. سعى الإخوان طوال تلك الفترة إلى استغلال كل تجمع احتجاجي، لا فرق بين مشجعي الكرة أو اعتصام لأمناء الشرطة!! ولم يتركوا حادثاً عارضاً أو حتى هطول الأمطار من دون السعي إلى تحقيق هدف الجماعة الجديد، ولم يدركوا أن مشكلتهم لم تعد مع نظام حكم، كما كان حالهم مع مبارك والسادات وعبد الناصر، وإنما مع شعب تعاطف معهم لعقود حين كانوا يمارسون معارضة سلمية هادئة ملتحفة بالدين ثم غيَّر مواقفه منهم بعدما نالوا السلطة والنفوذ ومقاعد البرلمان وكرسي الحكم.
على الجانب الآخر، بقي فريق من رموز 25 كانون الثاني (يناير) معارضاً للحكم الجديد، وعانى هؤلاء فجوة واسعة كل يوم بينهم وبين الناس، أو قل غالبية الشعب، وانضم إليهم لاحقاً بعض معارضي الإخوان ممن ساندوا ودعموا وشاركوا في ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، إما اعتراضاً على بعض الإجراءات أو السياسات، أو لأنهم لم ينالوا مواقع كانوا يعتقدون أنها ستنزل عليهم مكافأة على الأدوار التي أدوها!! اتبع هؤلاء وأولئك أساليب الإخوان نفسها بالتشهير بالحكم الجديد، أملاً في انصراف الناس عن السيسي مثلاً، أو تغيير رأيهم فيه، وبالتالي ضربْ الشعبية التي نالها الرجل. لم يترك أصحابنا، ومعهم الإخوان بالقطع، فرصة لإحباط الناس وإشاعة الكآبة والترويج لصورة نمطية بائسة عن المستقبل!! وسعوا دائماً إلى الترويج في كل تجمع احتجاجي إلى أنها الثورة التي بدأت من جديد. لم يكن غريباً إذاً أن ترى الوجوه نفسها داخل وحول مقر نقابة الأطباء يوم اجتماع الجمعية العامة، أو أن تسعى الفضائيات الداعمة للإخوان إلى تسجيل كلمات لـ»الثوار» عن الفقر الذي زاد، ومصر التي فقدت هيبتها!! وعلى رغم أن في مصر أكثر من 250 ألف طبيب، والحضور لم يزد على عشرة آلاف، وعلى رغم أن جدول أعمال اجتماع النقابة أضيف إليه بند يتعلق برفض خضوع خريجي الطب للتدريب قبل التحاقهم بالعمل، ما دفع مئات الأطباء الجدد، إن لم يكن آلاف منهم، إلى الحرص على الحضور، وعلى رغم أن قضية الأطباء في الاعتراض على ما تعرض له زملاؤهم من إهانة واعتداء عادلة، لكن محاولات النشطاء «تسول» ثورة جديدة عبر تجمع نقابي فشلت أيضاً كغيرها من المحاولات السابقة التي سعوا فيها إلى التشبث بـ»بنت أخت الثورة».
عن الحياة اللندنية