كتب حسن عصفور/ وكأن "الصدمة" بفوز الفاشي الصغير بيبي نتنياهو أجبرت الجميع أن يظهر ما كان "مختبئا"، فبعض أهل فلسطيني عادوا الى لغة التهديد والوعيد، مصحوبة بأشكال "إرهابية" من نتائج أي خطوة تغضب "الباب العالي" في واشنطن، فيما عرج آخرون على البحث عن أي مخرج بالميل قولا بضرورة ترتيب "البيت الداخلي"، والبعض ناشد بالغاء الاتفاقات وتعليقها ووقف التنسيق والتعاون، بعضها أقوال يعلم قائلها أنها ليس الا "جمعة كلام مشمشية" وقد لا يكون لها من الواقع شيئا في ظل ما لنا من واقع قيادي رتيب..
التصريح الأبرز في حملة رد الفعل لصدمة الانتخابات في دولة الكيان، جاءت من القيادي البارز بحركة حماس، د.موسى ابو مرزوق حيث دعا الرئيس محمود عباس الى "قلب الطاولة" والعمل على " توحيد أبناء الشعب الفلسطيني مهما كان الثمن، وأن يخوض معهم معركة الدولة التي اعترف العالم بها دون أمريكا وإسرائيل، وأن يتركوا الذرائع مهما كانت الدوافع".
نعم هي الأبرز كونها تفتح مجالا واسعا لقراءة تغييرا جوهريا في موقف حركة حماس ليس فقط بالاعتراف الرسمي بقرار الأمم المتحدة 19/ 67 لعام 2012 حول دولة فلسطين، بل قد تكون المرة الأولى التي يمكن أن نقرأ ما يشير الى قيمة التحركات السياسية دوليا من أحد أبرز وأهم قيادة حمساوية، وخلافا لكل ما صدر عن قيادات وناطقين باسم حماس، بأن الانتخابات لا قيمة لها، وذهبوا للتسخيف والتظاهر باللامبالاة، وأن بعضهم سحب "الشرعية" عن الرئيس عباس واعتبروه غير ذي صلة، ليدعو بشكل مباشر الرئيس محمود عباس، وليس غيره، لقيادة معركة الاعتراف عالميا بالدولة الفلسطينية، بصفته رئيسا شرعيا للشعب الفلسطيني..
لو أن أقوال د.ابو مرزوق سياسة رسمية للحركة ، فنحن أمام تغيير استراتيجي في رؤية حماس السياسية، ومقدمة موضوعية للتوافق على جوهر البرنامج الوطني، ورافعته اقامة دولة فلسطين في الأرض المحتلة لعام 1967، كما أنه اقرار مختلف كليا عما كان في سنوات سابقة، من محاولات حماس لتسخيف النضال السياسي واعتباره وكأنه "مضيعة للوقت"، ليصبح "معركة" يجب أن تكون "البديل" عن اضاعة وقت الشعب في رهان على "الصهاينة والأميركان"..
التصريحات هذه يجب أن تقف أمامها القيادة الرسمية الفلسطينية، ومختلف فصائل العمل الوطني، والبدء الجاد الاتصال بحماس للتدقيق في حقيقة موقفها السياسي، وهل هي رؤية استراتيجية أم أنها "لحظة انفعالية" كرد فعل على تطور المشهد في داخل الكيان الاسرائيلي، والاتصال يجب أن يكون بشكل جاد ومسؤول ومن قبل "اللجنة التنفيذية" لمنظمة التحرير وليس عبر شخص أو فصيل بعينه، كي تدرك حماس ايضا ان هناك جدية في التعامل معها..
المسألة الوطنية تستحق "مغامرة الاتصال" الجاد والمسؤول، بعيدا عن سياسية "المناكفة الردحية" التي أنتشرت في الأيام الأخيرة بين قطبي الأزمة، فتح وحماس، وبعيدا عن من هو المسؤول ومن بدأ في الشتيمة للفصيل، فالمعركة الوطنية الأكبر هي ما يجب أن تفرض ذاتها كحاضر سياسي وفاعل ضروري لرسم المستقبل الوطني الفلسطيني..
نعم مطلوب توضيح حقيقة الموقف الحمساوي السياسي، بل ويجب معرفة الحقيقة السياسية فيما وراء هذا التغيير الجوهري، هل جاء عن وعي كامل بالمسوؤلية، وادراك حقيقي بالخطر العام، رغم كل ما حدث مؤخرا من اتهامات وتطاول من حماس في قطاع غزة نحو فتح ورئيسها وأجهزتها الأمنية وعناصرها، اتهامات تصل حد "التخوين الوطني"، ما أدى لرد فعل عنيف من فتح قابلته برسم صورة شيطانية لحماس وقيادتها..أم أن ذلك التغيير يأتي في سياق تحركات تجري من وراء ظهر القيادة الرسمية من أطراف غربية، لخصها القيادي ابو مرزوق بقوله أن "الغرب بات يسمع من حماس وليس عن حماس"، جملة تكشف أن الاتصالات باتت واسعة ومفتوحة ومباشرة، وبالتأكيد تعبير "الغرب السياسي" هنا يشمل الادارة الأميركية أيضا، وهذا ما يفسر احتفاء وسائل اعلام حماس بتصريحات ما اسمته "خبير أميركي" جاء الى غزة ليشارك في ندوة أشار خلالها، الى أن "أميركا تعرف قيمة حماس ووزنها الإقليمي"..
وبعيدا عن وزن وقيمة هذا "الخبير"، فما كشفته حماس هو الأهم، ولذا يجب التدقيق في عنوان "رسالة حماس السياسية الجديدة"، وخاصة بعد زيارة السفير القطري الى قطاع غزة، وفتحه قناة اتصال مباشرة مع ممثلي دولة الكيان، ليتفاوض نيابة عن حماس بخصوص ترتيب العلاقة "الاقتصادية" بين اسرائيل وقطاع غزة وبالتأكيد حماس ستكون حاضرة في تلك "الترتيبات"..
لا يجب أن تمر تصريحات ابو مرزوق مرورا عابرا، ولا يجب القفز عنها، فهي تستحق وقفة سياسية جادة جدا، ليس لقيمتها السياسية وطنيا فقط، بل لمعرفة الى من توجه، وهذه قضية تفوق كل الحسابات الصغيرة، وعلى القيادة الفلسطينية الرسمية، وهي تبحث كيفية الرد على انتخاب نتنياهو، ان تضع تلك التصريحات محتوى وعناوين قيد المراجعة..
نعم..هي تصريحات هامة وتمثل شكلا من اشكال "الانقلاب السياسي"، لو جاءت في سياق فتح الباب للمراجعة الذاتية نحو التقارب الوطني وازالة بعض العقبات أمام "ردم هوة انقسامية"، سيكون ذلك أهم الخطوات الفعلية لقلب الطاولة كليا على دولة الكيان وخيارها الحرب والعنصرية والفاشية..
هل تفعلها القيادة الرسمية وتختبر حماس فيما قاله أول رئيس لمكتبها السياسي عند تأسيسها، كيلا يقال أن حماس تقدمت خطوات والقيادة الرسمية تجاهلتها، فتجد لها كل المبررات للسير فيما وصلها من مقترحات خاصة لعقد "صفقة سياسية ثنائية" مع دولة الكيان، ولا أسرار في هذه فحماس تحدثت عنها معترفة بها، بعد أن كشفتها وسائل اعلام عبرية..المحاولة المسؤولة ضرورة وواجب وطني!
ملاحظة: امريكا أصيبت بـ"هستيريا سياسية" تفوق كل رافضي انتخاب نتنياهو..أمريكا أدركت أنها لم تعد بذي قيمة في "الشأن الداخلي للكيان"..وكأنهم يقولون لها "العيال كبرت يا ماما"!
تنويه خاص: لم يكن مناسبا أن يتحدث عضو لجنة تنفيذية بوجود تهديد أميركي بقطع المساعدات الأميركية عن فلسطين لو ذهبت الى "الجنائية الدولية"..هو يعلم قبل كل الناس أن ذلك نوع من الارهاب الفكري غير المحمود..واكيد الفهيم بيفهم "مصائب" الكلام غير المسؤول!