تظهر المواقف وردود الأفعال الإسرائيلية وما تعده مراكز الابحاث بشأن التطورات الحاصلة في المنطقة أن «إسرائيل» سياسيا وعسكريا ومالياً غير مرتاحة وهي تعيش بحالة قلق دائمة وتنام في مأزقها، نتيجة اتجاه الرياح في غير ما تشتهي سفنها، وهذا ما يفسر إعلان رئيس أركان الجيش «الإسرائيلي» بيني غانتس: «إن منطقة الشرق الأوسط تشهد خلال السنوات الأخيرة تقلبات شديدة مما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في المنطقة وبالتالي يتعين على الجيش «الإسرائيلي» أن يبقي على حالة التأهب القصوى وأن تظل «إسرائيل» جاهزة وعيونها ساهرة».
لكن من أين يتأتى مصدر القلق وعدم ارتياح الإسرائيليين؟.
وما هي دلالاته؟.
أولاً: مصدر القلق ينبع من التطورات التالية:
1ـ تنامي قوة المقاومة في لبنان وقطاع غزة ومراكمتها الخبرات العسكرية والاستعداد والجهوزية للمواجهة المقبلة، فالمقاومة في لبنان باتت بالنسبة إلى المسؤولين العسكريين الصهاينة «الأخطر على «إسرائيل» في المنطقة«، فهي «تتوسع في مصادر أسلحتها وخبراتها العسكرية لتكون مستعدة لمواجهة أخرى مع «إسرائيل» حسب قول رئيس اركان الجيش الاسرائيلي بيني غانتس
وترافق كلام غانتس مع تقرير لمركز دراسات بيغن ـ السادات عن نشر حزب الله 80 ألف صاروخ وقذيفة موجهة لضرب «إسرائيل«، وأنه قد جمع ترسانة أسلحة بينها صورايخ متطورة مضادة للطائرات والسفن وأخرى قادرة على الوصول إلى أي مكان في فلسطين المحتلة بما فيها مواقع التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط.
ويعكس ذلك اعتراف «إسرائيلي» بتنامي قوة المقاومة وفي الوقت نفسه حالة الردع التي باتت تمثلها في حماية الثروات النفطية للبنان من خلال قدرتها على ضرب مواقع النفط «الإسرائيلية».
2ـ ازدياد القوة الصاروخية للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وتحديداً تلك الموجهة إلى تل أبيب، وما يخيف المسؤولين «الإسرائيليين» مضاعفة قوة الردع الصاروخية في غزة نحو 20 مرة عما كانت عليه منذ عملية عمود السحاب «الإسرائيلية» عام 2012، والتي اضطر المسؤولون الاسرائيليون خلالها الى طلب مساعدة واشنطن لوقف النار بعد أن تمكنت صواريخ المقاومة من الوصول الى تل ابيب ورسم معادلة توازن رعب وردع مع العدو الإسرائيلي.
3ـ التطورات الحاصلة على ضفة الحوار الأميركي ــ الايراني والتقارب التركي ــ الايراني واعتراف أميركا بحكومة الوفاق الفلسطينية، اقلقت المسؤولين الإسرائيليين لأنها تأتي في اتجاه معاكس للتوجه الاسرائيلي الأمر الذي يزيد من المأزق الاسرائيلي.
4ـ تفاقم الأزمة المالية الإسرائيلية دفع وزارة الحرب الاسرائيلية الى وقف تدريبات جنود الاحتياط والامتناع عن المشاركة في المناورات العسكرية مع الجيش الأميركي في صحراء نيفادا في الولايات المتحدة بسبب تكاليفها الباهظة والعجز الذي تعاني منه موازنة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
وبسبب استمرار وتفاقم العجز المالي اضطرت وزارة الحرب الاسرائيلية الى اتخاذ قرار يقضي ببيع دبابة ميركافا طراز 4 الأحدث في ترسانة الصناعة الاسرائيلية بعدما كانت تحظر بيعها خوفاً من ترسب اسرارها وانكشاف تقنياتها للدول المعادية لـ «إسرائيل» وبالتالي تطوير الصواريخ المضادة لها ووصولها الى المقاومة في لبنان وغزة ما يعني تكرار مشهد تدمير الميركافا عام 2006 في أي حرب مقبلة.
ثانياً: في دلالات هذه التطورات
1ـ إن «إسرائيل» التي تنفق المليارات سنوياً لتطوير قدراتها العسكرية تواجه صعوبة في استعادة قوتها الردعية التي فقدتها في مواجهة المقاومة في لبنان وقطاع غزة، وهي عندما تتحدث عن تنامي قوة المقاومة على النحو الذي ذكر فإنها تشير الى أن الحرب مع المقاومة لم تعد سهلة بل ان الخوف بات يخيم على القيادة العسكرية الإسرائيلية من خطر الفشل مجددا وتعرض الجيش الاسرائيلي لهزيمة جديدة تتجاوز هزيمته عام 2006 بأن تقدم المقاومة على عملية هجومية تسيطر فيها على منطقة الجليل في فلسطين المحتلة.
2ـ إن الخروج من دائرة العجز الإسرائيلي عن تحقيق النصر في الحرب بات ملازماً أو مقيماً في حسابات القيادة العسكرية الإسرائيلية طالما أنه ليس هناك من ضمان بتحقيق النصر في أي حرب مقبلة خصوصاً أن «إسرائيل» وجيشها لا يستطيعان تحمل هزيمة جديدة قد تؤسس لنهايتها.
3ـ إن «إسرائيل» باتت في مواجهة تطورات دولية متلاحقة في غير مصلحتها ولا تستطيع مواكبتها أو عرقلتها، فالانفتاح الأميركي الغربي على ايران وصعود نجم روسيا والتحول في ثقل مركز القرار الاقتصادي الدولي من الغرب إلى الشرق يؤشران إلى أن زمن الهيمنة الأميركية على القرار الدولي قد أفل وبالتالي فإن زمن تمتع اسرائيل بالدلال الدولي والحماية المطلقة برعاية أميركا قد ولى أيضاً، خصوصاً أن أميركا نفسها بدأت بالتكيف مع هذه المتغيرات ورسم سياستها على أساسها وما يحصل من مفاوضات مع ايران وقرب التوصل إلى اتفاق معها يضمن سلمية برنامجها النووي ورفع العقوبات الدولية عنها لهو مؤشر قوي على ذلك.
4ـ إن «إسرائيل» تواجه معضلة حقيقية، من جهة فإن عجزها العسكري عن ضمان تحقيق النصر في الحرب يتفاقم، ومن جهة ثانية هي غير قادرة على السير في تسوية تفضي إلى اقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. وهذا المأزق بدأ يولد مشكلتين:
الأولى: ظهرت بين «اسرائيل» وأميركا في الموقف من حكومة الوحدة الفلسطينية،
فأميركا قررت الاعتراف بها والتعامل معها على اساس برنامجها السياسي،المستند الى القبول بشروط اللجنة الرباعية الدولية، أما «إسرائيل» فإنها رفضت وبدأت تضع العراقيل أمام عمل هذه الحكومة، التي لم تذهب السلطة باتجاه تشكيلها مع حركة حماس إلاّ بعد وصول المفاوضات الى طريق مسدود بسبب التصلب الاسرائيلي.
والثانية: انقسام في داخل الائتلاف الحكومي الاسرائيلي على خلفية الموقف من المفاوضات والذي بات يهدد بانفراط عقده وحل الحكومة، وهو ما أكدته صحيفة معاريف الإسرائيلية التي نقلت عن مصدر رفيع المستوى في حزب «الليكود» قوله: «إن الحديث عن حل الائتلاف لم يعد سراً، والأحزاب المشاركة في الحكومة تدرس حالياً كل الاحتمالات السياسية الناجمة عن حل الحكومة، الذي قد يحصل في الشتاء المقبل». وأضافت: «إن نتانياهو بات يتمركز في اليمين المتطرف في مواجهة العالم كله بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، ليس فقط من أجل منع حماس من المشاركة في الانتخابات، بل لأنه تكونت لديه قناعة تامة بأن الانتخابات باتت قريبة، فقرر العودة إلى البيت الأيديولوجي المتطرف».
5ـ إن الأزمة المالية «الإسرائيلية» المعبر عنها بالعجز عن تأمين الأموال اللازمة للجيش لتطوير قدراته تعكس الوجه الآخر للأزمة، فتراجع قدرات أميركا وإجراءات التقشف التي اتخذتها، لمواجهة تزايد الدين والعجز في الموازنة، بدأت تؤثر سلباً على «إسرائيل» وعلى قدرات مؤسستها العسكرية.
عن الراية القطرية