تاريخ النشر: 2017-07-05 | 13:38
تاريخ النشر: 2017-07-05 | 13:38
من المواقف القاسية على الإنسان شعوره بأن أحد يعامله كغبي، والأقسى عندما يسمح بذلك !!!
لا تسمح لأحد أن يعاملك كغبي، فيصادر حقك في الاحتجاج والاعتراض والتعبير،لا تغترب عن ذاتك، وتترك أحدا يمثلك، أنت الوحيد من يمثل نفسك، فلن يمثل نفسكَ إلا أنت، فالإنسان كالبصمة له الأثر الخاص به .
ثمة آباء يفسدون شخصيات أبنائهم بإفهامهم أنهم استثنائيون مميزون عن غيرهم، وأنهم الأفضل دائما، بمناسبة ومن غيرمناسبة ؛ ظنا منهم أن ذلك تشجيعاً وإطراء لهم، ولا يدركون أن أولادهم سيكونون ضحايا لتربية خاطئة تفسد شخصياتهم، حتى ولو نجحوا علمياً وماديا ؛ لإنهم سيفشلون في علاقاتهم، وسيمارسون الكبر حتى على أقرب الناس إليهم، إن المدح والإطراء يكون بمناسبة وبظرفه ووقته وبقدر معقول، فلا إفراط ولا تفريط، وإلا سيكون إفسادا .
وهناك على النقيض، حيث يساهمون في تحطيم شخصيات أبنائهم بل وتهشيمها، وذلك بتشكيكهم في قدراتهم ونعتهم بالغباء والبلادة والفشل، وذلك بحجة كبح غرورهم !!!مما يجعل الابن يتشكك في ذكائه و قدراته، ويفقده الثقة بنفسه، ويتركه حطاما فلا يشفع له ذكاؤه ولا تسعفه قدراته ؛ فيشعر أنه بلا معنى أو قيمة، و يصنع عنده عقدة الوضاعة والدونية، التي تشعره بأنه دون الآخرين . والنتيجة المأساوية واحدة: هذا محطم وذلك محطم .
إن الفلسفة الضمنية السائدة في ثقافتنا ؛ تجعلنا ننظر إلي أبنائنا كشيء من مقتنياتنا الشخصية، وأن أولادنا امتلاك شخصي نتصرف به كما نشاء!!!! فتسمع الواحد منهم يتحدث عن أبنائه كشيء يتملكه ويتصرف به على هواه، دون اعتبار أن الذي يتحدث عنهم نفوس بشرية لها مشاعرها ورغباتها و طموحها الخاص، وكأنه يقول : أمتلك كذا وكذا من الأولاد ومن حقي التصرف معهم وبهم كما أتصرف مع جملة أملاكي كيفما أريد !! وليس من حقهم الاعتراض!!! ولا من حق أحد !!! وهذه لغة خطيرة، ليست لها مبادئ تربوية سليمة .
حيث الأب هو الموكل الوحيد بالتحدث عن الابن، وهو الوحيد المخول باختيار المناسب له، واختيار الطريق التي عليه أن يسير فيها !! وأنها ه الطريق الوحيد الملائم له !! ولا طريق غيره !!!
إن الأب بهذه الطريقة يريد من أبنائه أن يكونوا صورة مكررة عنه !! أو صورة يختار هو تشكيلها وملامحها وترتيبها بمزاجه، ويغفل نواحي الاختلاف العديدة بينه و بين أبنائه؛ بحجة حرصه وخوفه على أولاده!! إنه يخاف على أولاده من أبسط الأخطاء ويشعر أنها ستدمرهم فيصطنع أسلوباً في التربية يوهمه بالنجاح ؛ لكنه على حساب قمع شخصية الأبناء ؛ فتنتج تلك التربية شخصيات مهزوزة وغير ناضجة، مع ظن الأب أنها تربية صحيحة، وهي في الحقيقة وهم كبير .
إن تلك التربية قد تنجح في جعل الابن إنسانا وديعا مسالما، لكنه سيكون إنسانا مسطحا ببعد واحد، بسيط جدا، وعادي جدا، وباهت الحضور، ليس عنده طموح أو روح المنافسة، أو جرأة المبادرة وخوض الحياة بثقة، إنه مرتب بمزاج والديه لا يعرف معنى التألق والقيادة، وسيبقى مسطحا مؤطرا و معتقلا آفاقه ضيقة، وقواه كامنة لم تخرج إلى الفعل أو التفعيل، كزهرة لم و لن تتفتّح، فتراه إنسان مكبلا مقموعا، يبدو بوداعه تدعو إلى الرأفة !!! لقد جنينا عليه بتربية قمعية مرسومة بدقة قاسية، إن مثل هذه الشخصية لا تجرؤ في الدفاع عن حق، أو التعبير عن ذات،أوالمطالبة بحقه ممتهن !!! يعتدى على حقوقه فلا يقدر أن يدافع عنها، ولا يملك حرية تعبير انفعالي صريح،
لا يعبر، يرتبك يتعرق يرتجف، شخص يرغب في التعبير عن نفسه و لا يقدر ؛ بسبب التربية الصارمة الحديدية، يرغب في الاعتراض و لا يقدر، سيكون ناقم على نفسه وعلى تربيته _ فما لا نؤمن به سنخونه، ما لا نؤمن به نكفر به _
فإذا حضرت فرصة تحرره سيتحرر وسيمعن في الانتقام من تربية سلبت منه شخصيته،و سيقدم صورة مختلفة تماماً عن الصورة التي رسمت له، فإذا كان يوصف بالحياء صار وقحا متحررا بتطرف، فنحن كنا نظن أن حياءه حياء، أما هو فكان يعتبره ضعفاً، إن الحياء الذي يكبل حرية التعبير وإبداء الرأي هو ضعف،حياء مربك، فالإنسان الطبيعي العادي يمتلك القدرة في التعبير عن مشاعره وانفعالاته بلباقة وانفتاح .
اترك لابنك هامشا ليختار طريقاً خاصاً به يخوضه بقواه وإمكانياته وقدراته بعيداً عن الحزم والقوالب وضيق الأفق، دعه يكتشف الصواب و الخطأ، مع التوضيح و الترشيد أن امتلاك الحرية الشخصية لا تعني ممارسة السلوك الذي يريده من باب التجريب والحرية، بل من الضروري اختزال ذلك بالفائدة والعبرة من تجارب الآخرين ؛ درءا للانحراف، وجلبا للنجاح.
صحيح أن أتعس لحظات الوالدين أن يروا أولادهم أشقياء وتعساء، ليس معنى ذلك خلق هاجس من الخوف يسيطر على مشاعرنا ومعاملتنا، فنبقى نعامل أولادنا كأطفال بذريعة الخوف عليهم، ونبالغ في ذلك ونحرص وبشدة على إحاطتهم برعاية شديدة، معتقدين أن الابن بحاجة دائمة ومستمرة لنا ؛ وأننا بذلك نقدم لهم خدمة جليلة فيتواكلون علينا ولا يستطيعون الاستغناء عنا ؛ مما يضعف شخصياتهم ويفسدها، حيث تبقى شخصية الابن اتكالية لا تستطيع الاعتماد على ذاتها في تصريف شؤونها، وسيكبرون وهم في نظرنا أطفال، سيكبرون وهم في نظر أنفسهم أطفال، يشعرون شعور الأطفال، إن الحرص المفرط على الأبناء يقوض شخصياتهم، فهم بحاجة لرعاية مدروسة، ولدعم لا يفقدهم قدراتهم الذاتية ويعطلها .
إن االاطلاع على آراء التربويين يوفر علينا العثرات وتجارب الفشل، ولنبدأ من حيث انتهى أهل الاختصاص ؛ فنوفر وقتا ثمينا، وجهدا ضائعا،و لا نبدأ من الصفر، البعض يجرب ويستفيد ويستخلص لكن ذلك يتطلب وقتا ؛ وقد تكون الفرصة فاتت وانتهى كل شيء، والبعض يجرب ويكرر التجربة ظنا منه أنها التربية الصحيحة وللأسف تكون تجربة فاشلة !!!
لا تتسلط على ابنك، ولا تعامله كأنك شرطيا تراقبه وتتلصص عليه؛ فهذا من أكثر ما يضايقه، وسيحاول بكل الطرق التخلص من سطوة الشرطي البغيض المقيت، إن عدم الثقة بالابن توحي له أنه فاسد، وأنه ينتظر فرصة الإفلات من الرقابة ليمارس فساده، والثقة لا تكون بالإنشاء والكلام وإنما بمسيرة طويلة من الثقة المتبادلة بين الأب و أبنائه، كن قدوة وسيلتقط منك أبناؤك سلوكياتك، برهن لأولادك أنك صادق، فقولك يطابق فعلك؛ فيظهر جمال جوهرك الباطني، عندها ستجد نتائج مذهلة، فالأطفال يلاحظون سلوك الوالدين، من حيث تدري ولا تدري !!! وينصدمون ويرتبكون إذا كان سلوك الوالدين يخالف أقوالهم، كن صادقا في سلوكك دون إلقاء محاضرات المواعظ والحكم والإرشادات .
أعط ابنك الأمان أظهر له ثقتك به واطمئنانك منه، فهذا يجعله أكثر احتراماً وتوقيرا لك، ويحرص على إرضائك والحرص على ثقتك به، إن أكثر ما يزعج أبناءنا وخاصة المراهقين مراقبتهم، والنظر إليهم كمتهمين، ومعاملتهم كأطفال، والخوف المبالغ عليهم . فإذا استسلم الابن لمثل هذه المعاملة ؛فسيشب ويكبر وهو بحاجة للرعاية في الصغيرة والكبيرة، فلا يمتلك البسيط من الجرأة في اتخاذ قراراته مهما كانت !!! وسيبقى مهزوزا باهتا مرتبكا بلا تأثير ؛فهو ترعرع محاطا برعاية مفرطة أضرته أكثر مما نفعته، كل إنسان بحاجة لدعم ملائم، يساعده ولا يتكئ عليه، دعم لا يحدد خطواته ولا يشكله على صورة نمطية صارمة .
فإذا وقع ابنك في ورطة، لا تظهر غضبك وشماتتك فيه، ولا تظهر له أن سبب ورطته مخالفته لك، إن احتضانك له وقت شدته ستجعله يتراجع و يراجع نفسه، أما التخلي عنه وتوبيخه وإهانته، سيجعله أكثر إصرارا وعنادا، ويجعله يشعر بالاغتراب عن أسرته وسيواصل العناد والمشاكسة .
ناقش ابنك لا تفرض رأيك، دعه يبوح برأيه وناقشه، هيء له فرصة ليظهر رأيه في أمور الحياة، امنحه هامش حرية، ليتوافق مع شخصيته، إن البنيان النفسي القوي يقوم على المصارحة وحرية الرأي والتعبير عما في الخواطر ومناقشتها، ليكون البنيان النفسي سليما قوياً أمام ما يواجهه من اختبارات فيجتازها بنجاح، الرؤية والرسالة تكون مشتركة بين الأبناء و الوالدين بالنقاش الحوار مرات ومرات، وليس بالفرض والتزمت
فالوفاء يكون لما نؤمن به، وليس لما يفرض علينا، فأي قرار ورؤية يشارك الأبناء في صياغتها، ستكون أثرى، وسيشعرون بذواتهم وقيمتهم؛ و سيحافظون عليها و يدافعون عنها بإيمان .