تاريخ النشر: 2026-10-30 | 22:00
تاريخ النشر: 2026-10-30 | 22:00
عواصم: سلط تعليق تحليلي أعده الباحثان رافائيل كوهين وهوارد شاتز في مؤسسة «راند» (RAND Corporation) – ونُشر أصلاً في مجلة «فورين بوليسي» (Foreign Policy) بتاريخ 26 أكتوبر 2026 وأعادت «راند» نشره في 29 من الشهر ذاته – الضوء على التكلفة الباهظة للحرب الدائرة على إيران، متسائلين عن الخطوة الواجب على الولايات المتحدة اتخاذها في ظل تعثر المعركة وتداعياتها الاقتصادية والسياسية.
وأوضح التقرير أن الحرب كبدت واشنطن حتى الآن 15 قتيلاً وأكثر من 800 جريح، وعشرات مليارات الدولارات، ومئات المباني المتضررة أو المدمرة في القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة، فضلاً عن استنزاف الذخائر الذي يضغط على المخزونات. كما تسببت بارتفاع حاد في أسعار الوقود دافعةً التضخم الأمريكي إلى مستويات لم تُسجّل منذ عام 2023، وسط تزايد المعارضة الشعبية واعتقاد غالبية الأمريكيين بعدم وجود «سبب كافٍ» لمهاجمة إيران. ومع غياب أي مؤشر على قرب انتهاء القتال، وإصرار النظام الإيراني على مواصلة هجماته على الملاحة في مضيق هرمز، وكبح وكلائه، وتقييد برنامجه النووي، طرح الباحثان ثلاثة خيارات رئيسية، ليخَلصا إلى أن الخيار الثالث القائم على «الاستمرار في المسار الحالي» يظل «الأقل إرضاءً» لعدم تحقيقه نتائج سريعة، لكنه «الأكثر حكمة استراتيجياً» لكون البديلين الآخرين أسوأ بكثير.
قارن التقرير بين المسارات الاستراتيجية المتاحة للولايات المتحدة وفق التقييمات الآتية:
التصعيد: ويشمل العودة إلى حملة قصف شاملة كما حدث في المرحلة الأولى (والتي طرحها ترامب)، أو استخدام قوات برية للاستيلاء على أراضٍ إيرانية؛ ويُقيّم التقرير هذا الخيار بأنه «غير مجدٍ ومكلف».
الانسحاب: ويقضي بالخروج من الصراع، وهو الطرح الذي يدعو إليه حتى بعض الجمهوريين المؤيدين للإدارة؛ غير أنه يُقيّم بأنه «يترك هرمز بيد إيران ويعزز نفوذها».
الاستمرار في المسار الحالي: ويتمثل في الحفاظ على الحصار والضغط الاقتصادي، والرد بالقوة على أي هجوم إيراني أو من وكلائها، والدفع نحو مفاوضات لإعادة فتح هرمز وإنهاء البرنامج النووي؛ ويعتبره الكاتبان الخيار «الأقل سوءاً» لكونه بطيئاً ولكنه حكيم استراتيجياً.
يرى الكاتبان أن الحصار الأمريكي وعملية «المنبوذ الاقتصادي» الأوسع تسير في الاتجاه الذي تريده واشنطن رغم فوضى الصراع، مؤكدين أن «إيران تنهار اقتصادياً» استناداً إلى المؤشرات التالية:
سعر صرف الريال: وصل إلى نحو 2.5 مليون ريال للدولار مؤخراً، مقارنة بنحو 630 ألفاً في 2024.
التضخم العام: بلغ نحو 90%.
تضخم أسعار الغذاء: سجل نحو 130%.
الناتج المحلي الإجمالي: انكماش متوقع بنسبة 7.6% هذا العام.
المخزون النفطي العائم: استُنفد بالكامل، مما يزيد الضغط على الاقتصاد (ويقصد به أسطول الظل خارج هرمز).
البطالة: في ارتفاع مستمر، وسط ظروف يصفها البعض بأنها «لا تُحتمل».
وأشار المقال إلى أن النفط الخام من الشرق الأوسط عاد للتدفق بمستويات قريبة لما قبل الحرب، وأن سعر النفط الأمريكي الفوري –رغم تجاوزه 100 دولار للبرميل أحياناً– لا يزال أدنى بكثير من الذروات السابقة بعد احتساب التضخم، وإن ظلت سلع حيوية أخرى كالغاز المسال والوقود المكرر والأسمدة تعاني الاختناق. ومع الاعتراف بأن سجل الإكراه الاقتصادي في تغيير الأنظمة متفاوت (فقد أدى أحياناً إلى تغييرات جذرية كما في يوغوسلافيا وأمريكا اللاتينية في الثمانينيات، بينما صمدت أنظمة أخرى ككوبا وكوريا الشمالية)، إلا أن تجربة الاتفاق النووي السابق تُظهر أن حملات الضغط تنجح حين تستهدف أهدافاً متواضعة؛ حيث أجبر الضغط حينها المتشددين الإيرانيين على التفاوض. ويؤكد الكاتبان أن «الوقت في صالح واشنطن»، وأن النظام الإيراني –رغم انقسامه وتشدده– «سيضطر عاجلاً أم آجلاً إلى التنازل لتجنب الانهيار» ما لم ينجح في تثبيت اقتصاده.
فنّد الكاتبان خيار التصعيد عبر الاعتبارات التالية:
الحرب الجوية الشاملة: نادراً ما نجحت الحملات الجوية وحدها في إسقاط أي حكومة، ويصعب تخيّل ما يمكن أن تضيفه بعد كثافة القصف في الأسابيع الأولى، فضلاً عن قدرة إيران المتواصلة على إنتاج الصواريخ والمسيّرات.
الحرب البرية: ستكون «مهمة جبارة»، نظراً لأن مساحة إيران تقارب أربعة أضعاف مساحة العراق ويضم شعبها نحو ضعفي سكانه.
الكلفة: تتضمن ارتفاع الخسائر البشرية والمادية، وتآكل السمعة الدولية لواشنطن –خاصة إذا طالت الضربات بنى تحتية مدنية– إضافة إلى الكلفة الاقتصادية العالمية، إذ يقدّر المحللون أن إصلاح أضرار منشآت الطاقة في الشرق الأوسط قد يستغرق سنوات.
الاستيلاء على جزيرة خرج: ناقش الكاتبان الخيار الأكثر تداولاً والقاضي باحتلال الجزيرة الواقعة على بعد نحو 20 ميلاً من الساحل الإيراني والتي تمر عبرها 90% من صادرات إيران النفطية، بهدف زعزعة النظام أو استخدامها ورقة تفاوض. ويريان أن واشنطن قادرة على الاستيلاء عليها، لكن التحدي يكمن في الاحتفاظ بها نظراً لوقوعها في مدى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، مما سيعرض القوات لخسائر بشرية ويخلق ضغوطاً سياسية للانسحاب قبل الأوان.
رتّب التكاتبان تداعيات الانسحاب الأمريكي وفق المحاور التالية:
هرمز بيد إيران: رفضت إيران مقترحات حرية العبور مقابل رفع الحصار، والرفع الأحادي للحصار سيتاح لها لفرض رسوم على السفن (إذ تريد وفق التقارير نحو دولار للبرميل، أي نحو مليوني دولار للناقلة).
تقوية الحرس الثوري: عبر استخدام العائدات لتعزيز سيطرة الحرس على الدولة وتمويل الميليشيات الإقليمية.
إضعاف الموقف التفاوضي: عبر منح إيران سلاحاً اقتصادياً قوياً وتقليص النفوذ الأمريكي في مفاوضات الملف النووي.
تفاقم الصراعات الإقليمية: إذ إن الصراعات الأخرى (الإسرائيلي-الإيراني، والإسرائيلي-الفلسطيني، والحرب الأهلية اليمنية، والحرب السعودية-الحوثية، والهجمات الإيرانية على كردستان العراق، والإرهاب الجهادي) لن تنتهي، وقد يتصاعد بعضها مع شعور إيران بالانتصار.
التهديد العالمي: متمثلاً في نشاط حزب الله في أمريكا اللاتينية، ومحاولات إيرانية لاغتيال مسؤولين أمريكيين، ومحاولة مزعومة لمهاجمة قاعدة لسلاح الجو الملكي في بريطانيا، ومؤامرات ضد مدنيين في أوروبا.
تقوية المحور المنافس: عبر تعزيز التعاون الإيراني مع روسيا (المسيّرات والتعاون العسكري) والصين (الطاقة والتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام)، وتصوير واشنطن كمن يتخلى عن حلفائه في الشرق الأوسط.
يخلص الكاتبان إلى أن الاستمرار في النهج الحالي لن يؤدي على الأرجح إلى نهاية سريعة ونظيفة للحرب، «لكن أحياناً يكون الخيار غير المثالي هو الصحيح فعلاً، ولو لمجرد أن الخيارات الأخرى أسوأ بكثير».