شهدت الفترة التي سبقت التوجه الفلسطيني العربي إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار دولي بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي لأراضي العام 1967م جدلاً سياسياً , وتصريحات متباينة للقوى و الفصائل الفلسطينية تنوعت بين مؤيد للخطوة , أو متحفظاً , أو رافضاً لها ولكل منهم مبرراته , وان كان الاختلاف في وجهات النظر ظاهرة صحية ويعزز الآراء وصولاً للقرار الصائب , ولكن الخلاف الذى ينتج لمجرد رفض أو التحفظ او انتقاد أي خطوة دون تبنى البديل يخلق شعورا عاماً ان الامر لا يتعدى كونه معارضة لأجل المعارضة وهنا يصبح الامر "خالف تعرف" دون النضوج بمفهوم الاختلاف الصحي و تقديم ما هو افضل لجمهور من المحليين البارعين للسياسة و هنا اشير لشعبنا الفلسطيني الذى لا يكاد احد يشك بقدراته على تحليل الموقف و الوصول للنتائج وغالباً بشكل سريع لتمتعه بالبديهة السياسة العابرة للقارات .. وهذا ما من شأنه أن يوضح حالة الوعى و الادراك التي تتسم فيها الحالة الفلسطينية و ارتباطها بالحدث أولاً بأول.
لم تستوعب دولة الاحتلال النقلة النوعية للدبلوماسية الفلسطينية وتحقيق التقدم تلو التقدم بخطوات مدروسة تنهي احتلال الارض الفلسطينية و تفضي الى قيام الدولة ,وهذا ما ساهم في التغير الدراماتيكي للمواقف الاوربية تحديداً من حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني , وباتت برلمانات أوربا مع الاعتراف بالحق الفلسطيني وبدولته المستقلة , حيث شهد العام المنصرم 2014م اعترافات مهمة لبرلمانات المحور الأوربي وان كانت الان في اطارها الغير ملزم للحكومات الا أنها تمثل خطوات في الاتجاه الصحيح وتظهر حجم التأييد الشعبي وامكانية اتخاذه خطوات اكثر تقدماً , ووضعت القضية الفلسطينية من جديد على واجه القضايا الدولية الشائكة التي يتطلب حلها بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي للحفاظ على حالة الهدوء المغشوشة السائدة في المنطقة , والعمل بجدية على وضع حل لاحتلال أراضي الدولة المعترف فيها دولياً بعد تنامي حالة التأييد للقضية الفلسطينية.
لم يكن الفيتو الأمريكي غائباً اثناء تصويت مجلس الامن على مشروع قرار لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي عن حدود الرابع من حزيران 1967م , ولكن الغير متوقع تراجع نيجيريا عن دعم الموقف الفلسطيني قبل وقت قليل من بداية التصويت , ليمثل ذلك وصمة عار على كل المتخاذلين و المرجفين , والمرتهنين للسياسة الاسرائيلية و الامريكية , وكان للموقف النيجيري تداعيات ادت الى فشل حصول القرار الفلسطيني على 9 اصوات المطلوبة لمرور القرار واكتمال النصاب القانوني..! , وعلى الرغم مما حدث في مجلس الامن الدولي الا ان الامر بحد ذاته مثل سابقة اكتسبت اهمية تمثلت بوصول مشروع قرار فلسطيني عربي لإنهاء الاحتلال لذراع الامم المتحدة التنفيذي , ومثل كذلك تحدياً مباشراً لكل من امريكا واسرائيل اللتان ضغطتا بكل قوة لثنى الرئيس " محمود عباس " عن قرار القيادة الفلسطينية الذهاب الى مجلس الامن الدولي , ووجه "جون كيرى" رئيس الدبلوماسية الامريكية تهديدات مباشرة لشخص الرئيس " محمود عباس" خلال محادثة هاتفية جرت بينهما قبل وقت قليل من التصويت على مشروع قرار انهاء الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية دون ان يكون لهذه التهديدات أي تأثير على الذهاب الى مجلس الامن والاصرار على المضي قدماً ..! وكذلك يتم تداول قرار تجميد تحويل المساعدات المالية الامريكية للسلطة الوطنية الفلسطينية , والموقف الاسرائيلي لم يكن اقل حده حيث يهدد "نتنياهو" رئيس حكومة دولة الاحتلال بمحاكمة الرئيس "محمود عباس" على ارتكابه جرائم حرب..! ويعتبر هذا رداً طبيعياً للمرتعدين من قادة الاحتلال وجنوده من الخطوة الفلسطينية بالانضمام للجنائية الدولية , لأنه هو ذاته سيستدعي للمثول امامها يوماً ليعاقب على كل جرائم الحرب التي ارتكبت و كان مسؤول عنها مباشرة , وقد يكون ذلك في المستقبل المنظور دون أن تسقط حقوق الشعب الفلسطيني بالتقادم , وهذا مرهون بالتغير الجذري للمنظومة الدولية و المتنفذين في الهيئات الدولية , وظهور قوى دولية ذات ثقل , وفى رد اخر تم تجميد تحويل اموال المقاصة لخزينة السلطة الوطنية وهى بمثابة حق مشروع ويشكل ذلك عملية قرصنة تستدعى محاكمة المسؤول عنها لأنها أموال عائدة للشعب الفلسطيني..! .
فشل مجلس الامن باستصدار قرار بأنهاء الاحتلال الإسرائيلي , وكان الرد الفلسطيني رغم التهديدات الاسرائيلية الامريكية بحق القيادة الفلسطينية التوقيع على ميثاق روما 1998م و التوقيع على الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية وَمَثل هذا الحدث محطة مهمة لم تكن لتكون لولا الاعتراف الدولي بفلسطين عضوا مراقباً في الامم المتحدة يوم 29/11/2012م والذى جاء نتاج جهود كبيرة و حراك دبلوماسي فلسطينيي محموم للقيادة الفلسطينية التي يحسب لها هذا التطور اللافت والهام في مسار القضية الفلسطينية , والتوقيع على برتوكول الانضمام للجنائية الدولية مثل تحدياً فلسطينيا لدولة الاحتلال و لأمريكا , ووجه رسالة لكل من يحاولون النيل من عزيمة القيادة الفلسطينية وتثبيطها .. لمن انتقدوا بشدة خطوة الذهاب الى مجلس الامن الدولي وذهبوا بتصريحاتهم امام الفضائيات و الاذاعات بعبارات الشجب والادانة والتخوين و كأن القيادة الفلسطينية بذهابها لاستصدار قرار رحيل الاحتلال تنازلت عن القضايا الجوهرية الراسخة التي لا تقبل التنازل من أحد , ومن مفارقة القدر انهم هم ذاتهم من يصفق الان لخطوة القيادة الفلسطينية , ويتحدثون عن اهميتها دون ان يعلموا حقيقة التداعيات و التهديدات و الضغوطات التي تعرض لها الرئيــس الفلسطيني "محمود عباس" والقيادة الفلسطينية عموماً امام التغول الاسرائيلي الأمريكي المستهجن للخطوات الفلسطينية التي تكتسب أهمية قصوى حيث مثل الانضمام ل 18 اتفاقية دولية وعلى رأسها محكمة الجنايات الدولية مثل تطوراً هاماً سيجعل دولة الاحتلال الإسرائيلي تُفكر كثيراً قبل ان تُقدم على أي حماقة مع ما يُعرف عنها تنكرها لكل الاتفاقيات و المعاهدات الدولية ويمكنها ان تستمر في اعتداءاتها دون ان تحسب التداعيات الان.! لكنها ستحسبها لاحقاً , الامر بات مختلفاً , والانضمام للجنائية الدولية لن يقتصر على فتح الباب على مصرعيه امام محاسبة مجرمي الحرب الاسرائيليين على جرائمهم ضد الانسانية , وحروب الابادة الجماعية التي نفذتها وتنفذها دولة الاحتلال منذ عقود احتلالها للأرض الفلسطينية و طرد أهلها الاصليين فقط ..! , وإنما يتعداه لمحاسبة دولة الاحتلال على سرقة الموارد الطبيعية , و مصادرة أراضي المواطنين في الضفة الغربية لصالح تعزيز الاستيطان , وبناء جدار الفصل العنصري , وحصار غزة المستمر منذ ما يقارب ال9 سنوات وتداعياته الخانقة على مناحي الحياة الاساسية المكفولة بالاتفاقيات الدولية , وكذلك الاجراءات المتواصلة لتهويد المدينة المقدسة , وتفريغها من اهلها من خلال رزمة من الاجراءات التعسفية العنصرية ..جميعها جرائم قائمة ومستمرة على مدار اليوم ولها تداعياتها على المواطن الفلسطيني , ولأجل تحقيق محاسبة فاعلة ومحاكمة عادلة لقادة الاحتلال يتطلب ذلك الاعداد الجيد من ناحية التوثيق لكل الاعتداءات و جرائم الحرب التي ارتكبتها دولة الاحتلال خلال عقود من الاحتلال بشكل قانونى مدروس لا يترك مجالاً للاحتلال الاسرائيلي أن يفلت من العقاب , وهناك الاف الشواهد الحية التي تدين قادة الاحتلال و تقربهم من استدعاءات الملاحقة امام المحاكم الدولية ..
الحالة الفلسطينية تحتاج الى تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية واقعاً وممارسة بعيدا عن حالة الاشتباك الإعلامي و توجيه سيل من الاتهامات جزافاً , وافساح المجال امام حكومة الوفاق الوطني لبسط نفوذها على كل المناطق الفلسطينية و اعانتها على العمل لحل المشاكل المتفاقمة خاصة في قطاع غزة قبل و بعد العدوان الاسرائيلي المتواصل كي يصمد الفلسطيني على ارضه , والامر الأكثر أهمية.. علينا ان نثق بالقيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس " محمود عباس" وقدرتها على تجاوز كل العقبات القائمة و المحتملة وهذا يدعوا الكل الفلسطيني بكل مكوناته لتحقيق وحدة المواقف لمواجهة وحدة المصير كفلسطينيين امام انتماءنا لفلسطين يجب أن تسقط و تزول كل الخلافات .. والتفرغ لمواجهة المستقبل الذى حتماً سيحمل بين صفحاته مزيداً من الضغط الامريكي و الصلف الاسرائيلي بعد فصل ممتد من معركة سياسية تواجه فيها القيادة الفلسطينية اكبر حليفين استراتيجيين.. ِثقوا بالقيادة الفلسطينية , وكونوا على يقين ان المعركة السياسية لا تقل اهمية عن معركة البندقية التي لن تسقط ابداً كخيار استراتيجي قائم .