تاريخ النشر: 2020-07-29 | 17:25
تاريخ النشر: 2020-07-29 | 17:25
إن الناظر للمشهد الفلسطيني من خلال القنوات الإعلامية المختلفة، سواء كانت رسمية أو شعبية، يدرك أن هناك ازدواجية وثنائية في الخطاب السياسي الفلسطيني، ويمتد ذلك للخطاب الفكري والاجتماعي حتى أنه وصل إلى الجانب الصحي في ضل جائحة كورونا بين طرفي الانقسام الفلسطيني.
هذه الخطابات لا تكاد تلتقي في أي موضوع يهم الشعب الفلسطيني، لاسيما في المرحلة الحالية التي تتعرض لها المناطق الفلسطينية لأكبر عملية ضم وتوسع وتهويد من قبل السياسة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة، فالاعتبارات الشخصية والحزبية تقدم على تلك المواضيع، وأصبح سمة هذه المرحلة من حياة الشعب الفلسطيني الانقسام والتشرذم، والتشظي.
ولكن الناظر والمتتبع للحالة الفلسطينية منذ بداية المشروع الصهيوني فوق الأراضي الفلسطينية، مع بدايات القرن الماضي المتمثل في الوعد المشئوم 1917م، واعتماد بريطانيا على استراتيجية ( فرق تسد) في التعامل مع الأحزاب والحركات السياسية في ذلك الوقت والتي كانت تقوم على أساس عائلي وجهوي وعشائري، جعلت الحالة السياسية الفلسطينية تشهدت الكثير من الانقسامات انعكست على الخطاب السياسي الفلسطيني، وفي العرض التالي سوف نعرض للعديد من محطات ثنائية الخطاب السياسي الفلسطيني.
طرأ تحول خطير على مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، بدءاً من العام 1920، قادها إلى صراع حول قضايا هامشية على حساب الأداء الوطني العام، وكانت بدايات هذه الظاهرة حين نشأ الصراع بين عائلتي الحسيني والنشاشيبي، حول رئاسة بلدية القدس، وحول رئاسة مجلس الافتاء الإسلامي الأعلى، وهو الصراع الذي انضم إليه الكثير من القبائل والعائلات الفلسطينية، وغدا التنافس واضحاً بين الطرفين في كل المواقف السياسية اللاحقة حتى قيام ثورة 1936م، بل استمر إلى ما بعد ذلك بكثير، ومن خلال تتبع المشهد السياسي في فلسطين في ذلك الوقت، بدى واضحاً بأن العقلية العشائرية والجهوية قد تم نقلها إلى العمل السياسي والحزبي، وهيمنت على الاداء العام للقيادات الفلسطينية مما جعلها سببا مباشراً في ثنائية الخطاب السياسي الفلسطيني.
محطة أخرى من محطات ثنائية الخطاب السياسي الفلسطيني، فعقب قيام إسرائيل في لعام 1948م، وبداية مسلسل طرد الفلسطينيين من أرضهم، وعجز الحكومات العربية عن ايقاف تلك العمليات، شهد الخطاب السياسي الفلسطيني هزل وضعف ولم يكن بمستوى الاخطار التي تحاك ضده، ووصلت عملية اقتطاع فلسطين إلى مناطق نفوذ عربية، وبلغت ذروتها عندما قام الملك عبدالله بضم الضفة الغربية، وإضفاء طابع الشرعية على هذا الضم من خلال مؤتمر أريحا الذي حضره من حضره وعارضه من عارضه.
مشهد آخر من مشاهد ثنائية الخطاب السياسي الفلسطيني، ففي عام 1964م وبعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ككيان جامع للشعب الفلسطيني، وجدت حالة جدل قائمة بين القوميين العرب رافعي شعار الوحدة طريق التحرر، وبين دعاة التمايز والمبادرة الفلسطينية، رافعي شعار التحرير هو طريق العودة، مما أحدث ازدواجية في رؤى الخطاب السياسي الفلسطيني، وظهور العديد من الانشقاقات في صفوف أبناء منظمة التحرير، التي هي من المفترض أن تكون البيت الجامع لكل أبناء الفلسطينيين .
عقب الصدام المسلح في أيلول 1970 وما أفرزه من تحولات في الفكر السياسي الفلسطيني، بدا الميل نحو التسوية وتجسد ذلك في طرح البرنامج المرحلي 1974م وهو أدى لانقسام حقيقي داخل صفوف المنظمة وبين الفصائل المشكلة لها، وصل قمته إلى تشكيل جبهة الرفض الفلسطينية أو ما عرفت بالفصائل العشرة، واستخدمت الكثير من مفردات التعصب والتخوين في الخطاب السياسي الفلسطيني كلا ضد الآخر، حتى وصل الانشقاق إلى أنصار الفريق الواحد واستخدمت كل مفردات التخوين والتعصب ورفض الآخر، وهذا ما حدث داخل حركة الفتح.
في عام 1987م اندلعت انتفاضة الحجارة، حيث فرضت واقعا جديدا على المشهد الفلسطيني، انعكس ذلك على الخطاب السياسي الفلسطيني، فانتقل ثقل الخطاب السياسي من الخارج إلى الداخل الفلسطيني، تزامن ذلك مع ظهور خطاب سياسي جديد تمثل في خطاب التيار الاسلامي الصاعد لحركتي حماس والجهاد الاسلامي، وفرضا نفسيهما على المشهد السياسي دون الانخراط في منظمة التحرير الفلسطينية، مما أدى إلى تنامي صراع مرير وقاسي بين الطرفين لاتزال فصوله مستمرة حتى اللحظة.
ومع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية إلى الأراضي الفلسطينية عام 1994م عقب توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل، وتبنى السلطة خيار السلام وما تبع ذلك من خطاب سياسي يدعو إلى السلام مع اسرائيل، والابتعاد عن الحلول العسكرية النضالية، كان في المقابل الخطاب السياسي للحركات الاسلامية الذي يرى أن لا خيار لتحرير فلسطين سوى المواجهة مع اسرائيل، مما احدث الكثير من الصراعات مع السلطة، وظهور خطاب التخوين والتواطئي مع الاحتلال، واستمرت هذه الحالة حتى عام 2006 عندما شاركت حركة حماس في الانتخابات التشريعية وفازت بأغلبية غير متوقعة أهلتها لتشكيل الحكومة الفلسطينية.
الفصل الأخير في مسلسل ثنائية الخطاب السياسي الفلسطيني تشكلت عندما سيطرت حركة حماس على زمام الأمور بقطاع غزة، وردا على عدم تمكين قيادات السلطة لها من ممارسة عملها كونها شكلت الحكومة الفلسطينية، ودخل المجتمع الفلسطيني في دوامة من الاقتتال الداخلي وتصفية الحسابات، وانتهاك كل المحرمات، صاحب ذلك خطاباً دموياً يلقي كل فريق باللوم على الآخر، ومستخدمين كافة وسائل الإعلام المتوفرة بالإضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي، واصبح هناك فريق في رام الله يدير خطاباً سياسياً، وفريقاً آخر في قطاع غزة يدير خطاباً مغايرً، وكل ذلك على حساب نجاح المشروع النضالي التحرري الفلسطيني.
وفي الختام يبقى السؤال المشروع لكل فلسطيني حرٌ أبي، إلى متى سوف يبقى الخطاب السياسي الفلسطيني يعاني من هذه الثنائية المقيتة، وتبعثر مفردات الوحدة الوطنية، وخسارة الأخ والصديق الحليف.