الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

جمعة مينا وأحمد

جمعة مينا وأحمد

تاريخ النشر: 2016-08-22 | 09:14

عندما جرت وقائع ٢٥ يناير ٢٠١١، كان مينا فى حدود السادسة من عمره، بينما كان أحمد قد بلغ السنة السابعة.

مساء الجمعة الماضى، سمعت مينا، وقد صار ابن الثانية عشرة، يقول ما يوجع وطنا ويفجر وطنا. الجمعة ذاته. اليوم نفسه. رأيت أحمد بعد أن أصبح ابن الثالثة عشرة يهجر وطنا. ويساوى وطنا بمقبرة.

فشل مينا فى الانضمام إلى صفوف فرق كرة القدم بالنادى الأهلى.

ربما تكون الواقعة عادية، أو أن لها ملابسات غير طبيعية، وقابلة للتحرى والمساءلة. إنما الصاعقة حقاً ما قاله مينا تليفونياً مساء الجمعة عبر برنامج تليفزيونى توسط من أجل إعادة إلحاقه إلى اختبارات ناشئى النادى الأهلى.

تكلم مينا كطفل مسيحى ممرور يعتصم بالرفض والانعزال قائلاً: لن أذهب مرة أخرى. إذا كانوا «عملوا» بى هكذا وأنا فى الثانية عشرة من عمرى. فماذا هم فاعلون بى وأنا فى سن الأربعين؟

عندما كان مينا يلقى بقنبلته الموقوتة من إحدى الفضائيات المصرية. كان أحمد يلقى بقنبلة موازية من إيطاليا سمع دويها

العالم. فوجئت بها مصر إن لم تكن قد صدمت بتفاصيلها الموجعة المريرة، هجر أحمد البلد دون إشارة، ابن الثالثة عشرة من عمره. خرج من بلدته كفر الشيخ. عبر البحر المتوسط. وصل إيطاليا. باحثاً عن علاج لمرض أخيه الصغير ابن سبع سنوات.

وصفت صحيفة «كورييرا ديلاسيرا» الإيطالية، رحلة الطفل المصرى بأنها مغامرة أسطورية محفوفة بالمخاطر، إذ استقلّ قارباً لتهريب البشر للوصول إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط، وصل إلى روما، الجمعة، ومعه جميع الوثائق الطبية التى تثبت حالة شقيقه وحاجته إلى عملية جراحية تُقدّر تكلفتها بـ50 ألف جنيه، بعد جراحة أولى أجراها فى القاهرة.

منذ يناير ٢٠١١ ونحن نسمى الجمعة بغير الجمعة وكفى. صرنا نعرف «جمعة الغضب» و«جمعة قندهار» و«جمعة تصحيح المسار». وقد بقيت بيننا الجمعة كما هى فقط، وغاب عنا التصحيح، وغاب المسار حتى دهمتنا صاعقة «جمعة مينا وأحمد».

فى كل جمعة فى يناير وما بعدها وجدنا جمهوراً قليلاً أو كثير العدد. إنما فى جمعة «مينا وأحمد» لم نجد سوى الأسى والخوف من المستقبل، الذى لم يعد أياماً مقبلة، بل أولاد وأبناء أحياء بيننا يرفضوننا بعنف وبطرق غير مسبوقة.

حتى لو كانت غير مشروعة.

صرنا مرفوضين من أولادنا قبل أن يرفضنا غيرنا. من داخلنا. قبل خارجنا. كيف نعيش برفض داخلى قبل الخارجى، بل كيف نعيش بالرفضين معاً؟

لم يقل مينا سوى: هنا لا يوجد مستقبل ولا أمل. مثله قال أحمد: هنا لا مستقبل ولا أمل.

هناك فى الخارج ومن حولنا من يقول كذلك أيضا. هناك من هى مصلحته أن يريدنا كذلك. دراساتهم عنا. أفكارهم. سياساتهم تقول ذلك. تحكى عن تمزقنا المقبل. إنما لماذا نحن كذلك؟ كيف نعيش وأولادنا بلا أمل فينا؟

لا تسأل: ما الذى يمكن أن تضيفه «جمعة مينا وأحمد» لأصحاب العروق الطائفية النافرة. أو ماذا يمكن أن تضيف لتوتراتنا الطائفية البائسة؟

لا تسأل: ما الذى يمكن أن تضيفه «جمعة مينا وأحمد» لأصحاب «الوطنية الطاردة». أو من يقولون ليل نهار: إذا لم يعجبك نظامنا ارحل عنا.

لم يعد العراك بين طائفة مينا وطائفة أحمد. أضيف جديداً. مينا يبقى ممرورا. وأحمد يهجر البلد. ربما يهجرها مينا أيضا ليلحق بمهاجرين سبقوه من طائفته وآخرين أكثر عدداً من غير طائفته. من بلده. ربما يبقى النظام، ولا يبقى البلد. لا يبقى أولاد البلد. اسأل: ماذا نفعل مع مينا، وأقرانه، عندما يبلغ الأربعين. وماذا يفعلون بِنَا ومعنا منذ الآن وحتى الأربعين وما بعدها؟ كم مينا يكون؟ ومن نكون؟

اسأل: كم أحمد يهجرنا مبكراً، وكم أحمد يخاطر كما خاطر فى هجراننا؟

كم أحمد يفلح بالهجرة. وكم أحمد يغرق فى البحر. كم أحمد يبقى بيننا ولا يقدر على مجازفة الهجرة، لكنه يقدر على معاملتنا بمراراته من أوضاعنا؟

اسأل: ماذا هو هذا المجتمع. كيف يكون. ماذا هو هذا البلد. كيف يكون؟

اسأل: ماذا نفعل بأنفسنا. وكيف نكون؟

بشأن أحمد، قال المتحدث باسم الخارجية، مخاطبا إيطاليا: مصر أولى بأبنائها ولم نكن نعلم بحالة أحمد. كلام صحيح. لكنه تحصيل حاصل لأنه أولى بمصر أن تسأل، وأن تعلم بحال أولادها قبل هجرانها. أولى بمصر أن تعرف لماذا يهجرونها ولو كان ثمن المخاطرة موتا؟ لماذا يكون البقاء فيها معادلاً للموت أو الحياة بمرارة كما يفعل مينا؟ أولى بمصر أن تسأل: كيف تحول الأطفال إلى قنابل ناسفة؟ أولى بمصر أن تسأل: كيف لا يكون أولادنا كذلك؟

لدينا مشكلة مع الأجيال الصغيرة والشابة التى تفتح وعيها وتغذى إدراكها بكل مواد انفجار يناير الملتهبة. من فى سنى مينا وأحمد وما فوقهما لديه مشكلة معنا، يناير ليست تاريخا ومضى. ليست مادة دستورية وكفى. ليست أساسا شرعيا للحكم فقط. يناير تكوين اجتماعى. يناير ثقافة. يناير منتج مجتمعى. منتجات يناير تشمل قطاعا من المصريين لا ينبغى إهماله. جاءت ٣٠ يونيو. إنما لم تذهب ٢٥ يناير. بقى فينا النحر والتناحر.

ربما لم يكن مهماً بالنسبة لنا أن نعرف كيف عبرت بأطفالنا، وربما بعض كبارنا، الأيام والسنوات بعد يناير، لكن مع «جمعة مينا وأحمد» فقط. صرنا ندرك أننا نحتاج أن نقف بدقة على تفاصيل الأيام، وماذا تركت فيهم وفينا سنوات ما بعد يناير وحتى الآن.

لو أن لدينا إدارة واعية لبادرت من فورها بإسناد القضية إلى هيئة تقص وطنية علمية متخصصة تلتقى بمجموعات الأطفال والشباب وتخرج علينا بتقرير واف شامل وتوصيات ملزمة. لكننا نجد عوضاً عن ذلك طرقاً عديمة الجدوى تعطى من طرف اللسان حلاوة وتجند من «شواشى» مجموعات صغار وشباب أفراد فى وظائف إدارية وبرلمانية وسياسية وتنفيذية.

لا تعرف هذه الطريقة سوى أعمال الفرز والتجنيد الفردى، وابتسار الظواهر الاجتماعية والنظر إليها كحالات فردية.

ومع ذلك، فليست هذه هى المشكلة الأصلية. المشكلة أننا غيرنا رجالاً برجال ولم نغير نظم السياسة والمجتمع. غيرنا سلطة بسلطة ولم نغير بيروقراطية نظم إدارة السياسة والمجتمع. تغير المجتمع. صارت أغلبيته شابة ولم نغير بيروقراطية إدارة السياسة والمجتمع. تغيرت المنطقة والعالم الذى نعيشه ولم نتغير نحن. باتت قضيتنا: هل نكون نحن.. وكيف نكون نحن؟

عن المصري اليوم

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط