تولِّد التطورات في العقود الأخيرة انطباعاً بأن القضية الفلسطينية أصبحت تُدار يوماً بيوم على المستوى السياسي. تقوضت "الثوابت"، وبالتالي تراجعت الاستراتيجيات الثابتة لصالح تكتيكات مرحلية، متغيرة بطبيعتها. ولدى مقارنة آليات حركة التحرر الفلسطينية -بهذه الكيفيات- بالمشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين، يتبين على الفور تأثير تبديل التعريفات في مقابل التمسك بها حتى النهاية في مسارات الصراع.
إحدى نقاط المقارنة، يمكن أن تكون ما يسمى "قانون الجنسية الإسرائيلي" و"قانون العودة اليهودي". وقد بدأ العمل على هذه العناوين في وقت مبكر من المشروع الصهيوني، قبل قيام الكيان في العام 1948، بطريقة ضمنت الحق في "الجنسية" ليهود العالم، على أساس الهوية الدينية في المقام الأول. وفي المقابل، يكاد يكون الشيء الوحيد الذي يربط معظم الفلسطينيين بوطنهم –برغم وضوح صلتهم به- هو وثائق الأمم المتحدة، وبالتحديد "كرت المؤن" الذي يؤهل حامله لصفة "لاجئ" والاستفادة من مساعدات "الوكالة".
في الوضع الراهن، أصبح تعريف الفلسطيني فضفاضاً إلى درجة تتطلب بشدة إعادة تعريف "الأمة الفلسطينية" في الداخل والشتات. ولعل في التفاوت الهائل في تقديرات أعداد الفلسطينيين، بين نحو 12 مليونا وما يصل إلى 24 مليوناً حسب تقدير حديث، ما يبرر إعادة التعريف. وإلى جانب ذلك، ينبغي وضع قانون فلسطيني رسمي واضح لحق العودة، بمرتكزات فلسطينية عادلة، والذي يجب أن ينسخ تنازلات السلطة الفلسطينية التي اختزلت الذين تحق لهم العودة من الفلسطينيين إلى مجرد بضعة آلاف.
اقتراح مثل هذه الأفكار الضرورية، يبرره اكتساب الفلسطينيين وضع دولة على الصعيد الدولي. فقد اعترفت بفلسطين 135 دولة رسمياً اعتباراً من 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2014. وتقر المزيد من البرلمانات (السويد وإيرلندا وبريطانيا وإسبانيا مؤخراً)، اعتراف دولها بفلسطين كدولة. لكن ضبابية رؤية القيادة الفلسطينية وارتباكها بسبب غياب أطر واضحة للمفاوضات عطلا الاستثمار في الوضع الجديد، وليس في مقابل شيء واضح على وجه التحديد سوى التعويل على "العملية السلمية" التي حققت للفلسطينيين خسائر صافية في مقابل صفر مكاسب. ويفترض المرء أن فلسطين، كدولة، ينبغي أن تستفيد من كل ما يمنحه لها القانون الدولي من حقوق الدول، بما في ذلك رفع الدعاوى على الكيان في كل مكان، والانضمام إلى كل الهيئات الدولية الممكنة.
من الناحية الفلسطينية-الفلسطينية، أصبحت السلطة الفلسطينية مخولة بمنح جوازات سفر رسمية لمواطنيها. ويعني ذلك، نظرياً، أن للسلطة حق منح الجنسية كأي دولة. وقد صادفت بالأمس، معلومة تفيد بأن الموسيقار العالمي اليهودي دانيال بارينباوم يحمل جواز سفر فلسطينيا (مع جوازات أخرى: الألماني والإسرائيلي والأرجنتيني والإسباني). وهناك آخرون كثر غير فلسطينيين ممن يحملون هذا الجواز، كما هو معلوم. وقد يعني ذلك أن السلطة تمتلك حريّة في منح الجواز. كما وجدتُ في تعليمات جواز السفر الفلسطيني على موقع "دولة فلسطين، مجلس الوزراء" ما يُسمى "خدمة إصدار جواز سفر، استخدام خارجي (بدون رقم هوية فلسطين)". والفئة المستفيدة، هي "الفلسطينيين المتواجدين (خطأ القواعد من المصدر) في الخارج ولا يحملون رقم هوية فلسطينية". وشروط الحصول على الخدمة، هي "إثبات أنه من أصول فلسطينية (وثيقة لاجئين) ولا يحمل هوية فلسطينية، وأن يثبت حاجته للجواز الفلسطيني (التنقل، إثبات الشخصية، الإقامة)". ويمكن تقديم الطلب "في الدول التي فيها تمثيل فلسطيني".
الخاطر الأول هنا هو السؤال: لماذا لا يستفيد الفلسطينيون الذين بلا هويات ولا جنسية، في لبنان أو العراق أو أماكن الأزمات الأخرى، من هذه الخدمة ويحصلون على هذا الجواز للأغراض الموصوفة؟ وثمة السؤال الأكبر، ولو أنه قد يكون أكثر جدلية: لماذا لا يُستفاد من إمكانيات الجواز الفلسطيني لتوثيق وتثبيت هوية كل فلسطينيي الشتات حيثما أمكن، بمنحهم الجواز/ الجنسية (إضافة إلى كرت المؤن) وجنسياتهم المكتسبة، (وربما هوية فلسطينية ورقم وطني)؟ سوف يمنحهم ذلك آلياً الحق القانوني غير القابل للتصرف في العودة إلى الوطن. وسوف يقدم توثيقاً بديلاً عن ملفات الأمم المتحدة للفلسطينيين وأعدادهم. سوف يعيد ربط فلسطينيي الشتات بوطنهم وشعبهم وقيادتهم قانونياً ومعنوياً، والكثير مما لا يسعه المقام. قد تعترض هذه الفكرة عقبات أعرفها وأخرى لا أعرفها، لكنّ إغراءها ومنطقها كبيران بما يكفي لاقتراح دراستها بجدية –إذا كان ثمة جديّة.
عن الغد الاردنية