جوع شديد، يصاحبه ألم، ودوخان، ووجع جسدي، لا يعرف شدته إلا من عايشه، وتدهور خطير في الحالة الصحية للأسرى المضربين عن الطعام للشهر الثاني على التوالي، وسط الخشية من استشهاد أي أسير في أية لحظة؛ هذا هو حال الأسرى الذي يتنكر السجان لحقوقهم ويجحدها، ويعزلهم عن العامل الخارجي في زنازين انفرادية للضغط عليهم لفك إضرابهم المشروع والعادل.
الاستجابة للضغوط الخارجية لحل وزارة الأسرى؛ هو أمر صادم؛ في ظل حاجة الأسرى لدعم إضرابهم، وهو أمر لا ينبغي حدوثه؛ فلا يعقل أن يقرر الخارج ما نريده، وان يقرر ما هي احتياجاتنا، فالتنازل يتبعه تنازل آخر.
قضية إضراب الأسرى الإداريين في سجون الاحتلال؛ ليست قضية طعام وشراب، ولا قضية تحسين ظروف السجن؛ بل هي قضية سياسية خالصة، فسجن الفلسطيني بلا تهمة، من قبل مخابرات الاحتلال، هو أمر له تبعاته السياسية المتشابكة.
السجان يعامل أسرانا المضربين للشهر الثاني خارج كل القيم والمواثيق والقوانين الدولية والإنسانية، واتفاقية جنيف الرابعة، والاحتلال يعتبر الأسير الفلسطيني مجرد رقم، ويتعامل معه بأقل مما يتعامل مع الحيوانات؛ بدليل أن السجون لا تصلح حتى للحيوانات.
الأسرى المضربين وللشهر الثاني؛ يؤكدون على أنهم ليسوا جوعى للطعام؛ بل جوعى للحرية والكرامة الإنسانية، ويؤكدون بإصرارهم على مواصلة الإضراب أن الحرية أغلى من الطعام والشراب، وان من أجبرهم على خوض الإضراب هو الاحتلال والسجان الظالم الذي يسجنهم بلا تهمة.
أسرانا الأبطال؛ اختاروا معركة الحرية بالأمعاء الخاوية، كي يواصلوا دفاعهم عن قيم الحرية والكرامة والعدالة؛ فالمعاني الإنسانية السامية التي يجسدها الأسرى، هي قيم عليا، وهي جديرة بان يضحى لها، ويعلوا شانها لتنتصر لاحقا طال الزمن أم قصر.
تعتبر قضية الأسرى بكل تفاصيلها وتفرعاتها؛ أكثر قضية حساسة وساخنة لدى مختلف أطياف الشعب الفلسطيني، فما ندر أن نجد فلسطيني لم يذق طعم وعذابات الأسر الشاقة والمضنية.
مساندة ودعم الأسرى لا يكون بفضول الأوقات، ولا بمجرد كلمات لا يتم ترجمتها على ارض الواقع؛ بل يكون من صلب الأوقات وأفضلها وأشغلها؛ فالقضايا الكبرى بحاجة لأوقات هامة كبرى؛ دون تلكؤ أو تراخي؛ فهي قضية يجب أن تبقى حية ودائمة، وتستفز كل حر وشريف، وكل غيور على شعبه ووطنه، وعملية التضامن مع الأسرى ليست منة من احد؛ بل هي واجب وطني وديني وأخلاقي؛ وحان الوقت كي نعطي أسرانا من صلب أوقاتنا، وليس نوافلها وهوامشها.
"مي وملح" مشروب الحرية الكرامة؛ وهو جزء يسير من معاناة الأسرى الأبطال؛ ولذلك وجب نصرتهم على وجه السرعة، وتطوير أداء نصرتهم؛ فجوع الأسرى مؤلم؛ ولكنه ما دام بطعم الحرية؛ فهو ما يصبر ويقوي عزيمة وإرادة الأسرى حتى النصر والإفراج.