الكتابة عن الحالة الفلسطينية وتحليل مكوناتها، وسبر أغوارها بأمانة؛ مثل السير وسط حقل ألغام شديد الانفجار؛ فكل كلمة أو عبارة يجب أن يتم اختيارها بعناية فائقة، وتوضع بدقة في مكانها المناسب؛ يصاحبها عصف وجهد فكري كبير؛ كي تنجح ولو بشكل جزئي في مهمة تفسير وتحليل وفك عقد أكثر قضية ملتعصية في العالم حتى الآن.
ثلاث قضايا ملحة تعصف بالحالة الفلسطينية، وهي: إضراب الأسرى، وحكومة التوافق، ومواصلة الاحتلال استنزاف الضفة الغربية والقدس المحتلة، بالقتل، والاعتقال، والمصادرة والتجريف والتوسع الاستيطاني.
جوع الأسرى، وتضحيتهم لأجل وطنهم؛ هو مكون أساسي في حالة الصراع مع الاحتلال؛ الذي لا يقيم وزنا لحياة الفلسطيني سواء كان في الآسر أو خارجه؛ فما دام الاحتلال موجودا؛ سيبقى القتل والأسر والإضراب عن الطعام والجوع موجودا، وحادثة قتل واستشهاد الشاب علاء عودة من حواره على حاجز زعترة هو جزء واضح من الصورة العامة.
لن يتوقف الاحتلال والمستوطنين عن فرض الأمر الواقع في الضفة الغربية والقدس المحتلة؛ وكل يوم يسقط شهيد أو جريح، والفلسطيني أرخص من أن يتم اعتباره إنسانا لديهم؛ لعقدة التفوق والاغيار التي عبئوا بها، وجبلوا عليها من الصغر؛ فالتعبة في الصغر كالنقش في الحجر.
حكومة التوافق؛ مهما كان ثمنها مرا وعلقما؛ لن يكون بالضرورة أكبر من مر وعلقم الانقسام، ومن يتنازل لأخيه حتى ولو غلبه؛ فهو الأصيل والشهم، وصاحب الرؤية الثاقبة؛ كونه لا يتنازل لعدوه؛ بل لأخيه الذي يشترك معه في المصير والهدف والدم الواحد، والعدو المشترك؛ ولنتعلم من دولة الاحتلال كيف تعمل أحزابها معا للمصلحة العليا لدولتهم، ويختلفون في كيفية تحقيق المصلحة العليا ولا يختلفون عليها.
الوجع والهم الفلسطيني كبير؛ وهو لن يتوقف في المدى المنظور، وطي صفحة الانقسام جزء بسيط ويسير من المهام المنوطة بالحكومة التوافقية والقوى الفلسطينية؛ خاصة فتح وحماس؛ فالحمل ثقيل، والمسير طويل، والزاد قليل؛ ولذلك وجب الإعداد المحكم للخط المستقبلية؛ دون تنازع وخلاف يدخل من خلاله الأعداء ويمزقونا شر ممزق.
كل ما يغضب الاحتلال ويؤرقه ويزعجه؛ يجب العمل به في الحالة الفلسطينية؛ وحكومة التوافق أزعجت الاحتلال، وبالتالي وجب استمرارها ودعمها والحفاظ عليها؛ على أن تزيل عوائق وصخور ثقيلة تجثم فوق صدر الشعب الفلسطيني؛ وان تجيب عن أسئلة العلاقة مع الاحتلال؛ خاصة التنسيق الأمني، وان تجيب عن أسئلة كيفية تقوية الصف، ودعم الاسرى، وترتيب وتمتين البيت الداخلي والعلاقات الفلسطينية الفلسطينية؛ بوقف الاعتقال والاستدعاء السياسي، والعمل على إزالة وحلحلة الأمور المتشابكة.
في المحصلة؛ عجلة الحياة لن تتوقف؛ وسيسجل التاريخ بمداد من ذهب جهود وعمل من دأب على تقوية الجبهة الداخلية الفلسطينية، وقرب من لحظة زوال الاحتلال؛ فكلما ازدادت الجبهة الداخلية قوة ومتانة؛ كلما اقترب موعد رحيل الاحتلال وكنسه لمزابل التاريخ غير مأسوف عليه.