تاريخ النشر: 2026-09-10 | 14:32
تاريخ النشر: 2026-09-10 | 14:32
الجزء التاسع :-
"صاحبة الفستان الأَحمر"
على مقربة من القصف الهمجي لشارع عمر المختار، أخرج أحد التجار من بين حطام متجره المدمر فستان سواريه أحمر قائلاً :
فى الأيام الأخيرة من شهر رمضان بالعام 2021 تجادلت فتاة جميلة حول سعر الفستان ذو اللون الأحمر تريد ارتداؤه فى حفل زفافها .
كان ذلك قبل موعد زفافها بعدة أيام قليلة، لقد كانت الفتاة بارعة فى الفصال مثل براعتها فى تحقيق حلمها وإظهار بهجتها، وحماسها بإقتراب يوم زفافها، فقد حجزت الفستان الأحمر بأقل من نصف ثمنه، وكانت إبتسامة الفرح تعلو وجهها، وهى تنظر إلى خطيبها، نظرة إنتصار .
وقالت له ضاحكة سنكافح معاً لنبني بيتنا الصغير بأقل التكاليف ونملؤه حب وسعادة ، تلك هى المرأة الفلسطينية التي عاشت شتى أنواع العذابات من حروب وحصار ومعاناة لذلك علمتها الحياة أن تكون متزنة فى كل شيء تخوفا من الحاضر والمستقبل، وقالت فإذا ما قصفه الإحتلال لن نحزن عليه كثيرا .
قالت هذا وكأنها تَقرأ المستقبل. كان من المفترض أن تزف الفتاة الجميلة إلى عريسها ثالث أيام عيد الفطر السعيد .
لكنها لم تأت لتأخذ الفستان ..؟!
سأل عنها البائع وتمني أن تكون قد نجت من القصف الهمجي كما نجى فستانها، لكن يبدو أن الفستان كان أكثر حظاً منها، فلم يمنحها القصف المجنون من الوقت ولو ليلة واحدة، لتنعم بالبهجة والحب .
ثم قرر صاحب المعرض قائلاً:- سيظل فستانك يا صغيرة معلقاً هنا مكتوب عليه ليس للبيع .
هو ذكري لفتاة جميلة، حلمت ذات يوم أن ترتديه يوم زفافها، لكن هولاكو العصر أراد لها أن ترتدي كفناً أبيضاً، وأن تحتضنها جدران القبر .
ولكن الأكثر حزناً أنه وبعد عامين عادت الحرب مجدداً لتذمر المعرض وتحرق الفستان ويموت صاحب المعرض، وهكذا ماتت الفتاة وحرق فستانها الأحمر وهدم المعرض ومات صاحبه وبقينا نحن بالقلم ذو الحبر الأسود الممزوج بالدم الأحمر نروى لكم حكايه من حكايات الحرب على غزة التى ما زالت تنزف، وكم من عروس حلمت بليلة زفافها وماتت ليلة عرسها وكم من أم حلمت بقدوم طفلها الرضيع ومات بعد ساعات من ولادته أمام عينيها بقنابل أهداها لهم دعاه السلام، وكم من أحلام قتلت بداخلنا قبل تحقيقها، إلى متى ونحن ندفن أحلامنا وكل شيء جميل فينا !؟
ولكننا سنكتب هنا دفنت أحلامنا ومن هنا نبدأ باستعادة آمالنا، هنا غزة أرض السلام .
رحلت الأجساد وبقيت الذكريات
في دقيقة واحدة فقط وليس أكثر، فقدت كل شيء…
فقدت عائلتي، حياتي، أحبابي، وكل الأشياء الجميلة، وحتى ملامحي التى بت لا أعرفها فى المرآة ولم تعد كما كانت رحلت وغابت .
في لحظة وحشية، قصف الإحتلال بيتنا ليصبح قبراً ، وصار كل من أحببته ذكريات محفورة فى صدري وحنايا روحي لا تنام .
أستشهد ورحل ساكنين البيت وتمزق معهم الحلم وكل ذكرياتي واحلامي وآمالي وتبدلت حروف الأمل إلى ألم يصعب الوصف.
أستشهدت أمي الحضن الذى لا يعوض، والدعاء الذى كان يحرسني كل ليلة.
وأخوتي وأطفالهم، كلهم أستشهدوا فى لحظة واحدة، كأن الحياة أرادت أن تسلبهم تأخذهم دفعة واحدة، تتركني وحيداً أعد أسماءهم فى وجعي.… لم يبقى منهم أحد، كلهم طيور فى السماء، وأنا هنا على الأرض أرويها بالدموع وألم الفراق الذى كسر ظهري .
أمضى الجميع بلا وداع، كما يمضي الأبطال.… كلهم رحلوا، دفعة واحدة وفى لحظة واحدة، كأن الرحمة غابت، كأن القلوب توقفت والدموع تحجرت .… ابتلع الموت عائلتي كما يبتلع البحر قرص الشمس عند المغيب ولكن الشمس تشرق من جديد أما أحبتي غيبهم الموت بالرحيل دون أن يشرق وجدانهم من جديد .
كلهم رحلوا فى لحظة واحدة… ولم أعد أعرف من أين أبدأ الحداد .
أشتاق لرائحة طعام أمي، وابتسامة أبي وضحكات إخوتي، وصراخ أطفالهم فى أروقة البيت.
كل شيء يفتقدهم حتى جدران البيت تفتقدهم وتناديهم لكن لم يبقى إلا هدوء يعانق صمتي، ورائحة ذكراهم العالقة فى الهواء وبين الركام .
كلهم رحلوا… وتركوني هنا أبكي وجودي فى غيابهم تركوني أتلمس وجهي الذى صار مرآة للبكاء تعكس الأحزان، وأحاول أن أعيد ترميم قلبي الممزق بشوق لا يرحم .
شوقي إليهم ينام معي، يوقظني، يقودني فى الطرقات كأنني أمشي على أطيافهم…أراهم فى كل مكان وكل ركن وفى حطام المنزل وبين الركام وفى كل همسة ونسمة هواء.
فيا من رحلتم، ما زلت أناديكم كل ليلة باسماؤكم وألقابكم التى تحبونها،
ويا من رحلتوا ، تركتم فى قلبي وطناً من الدموع… وذكريات لا تنطفئ.
أنا باقي هنا، لا أنساكم، سرق الإحتلال مني عائلتي و أحبتي ولن ينجح فى أن يسرق منى ذكرياتي "
ورجل آخر يسير وهو حاملا فى يدة حقائب بلاستيكية وسط غبار الدمار وسط الركام فى مشهد تقشعر له الأبدان يهيم على وجهه من هول المصيبة بعد القصف بدقائق وقتل المئات لم يكن أمام ذلك الرجل إلا أن يلملم جراحه وأشلاء أطفاله ويضع كلا منها فى حقيبه بلاستيكية ويحملها ويسير بها فى كل مكان أنها فلذات كبده لا يريد أن يتركها أو يتخلي عنها ويحملها ودموعه قد تحجرت من شدة الألم وما عادت القلوب تحتمل مزيدا من الألم .
وكثير منهم ما زال تحت الركام يعانق حجارة البيت وتراب الأرض ترويها الدماء لتصبح جذور سوف تنمو وتزهر حرية واستقلال وتكون شاهده على جرائم المحتل الإسرائيلي فى غياب القانون والعدالة .
منحهم قبله فمنحوه رصاصة
قبلة على اليد يقابلها رصاصة الموت للطفل الفلسطيني عبد الرحيم الجرابعة أو كما عرف بإسم أمير الإسم الذي اختاره له ضابط أمريكي، لطفل حافى القدمين متمسكاً بكيس صغير من الدقيق وقليل من الأشياء وتبدو عليه ملامح وجه الطفولة وهي متعبه من الوصول إلى المكان للحصول على تلك الأشياء البسيطة بعدما مشي حافى القدمين من خيمة النزوح التى تسكنها عائلته وصولاً لنقطة توزيع المساعدات الأمريكية ما يقارب أثنى عشر كيلو متر ذهاباً وإياباً، وبدلاً من العودة لعائلته يومها اختفى الطفل تحت وابل الرصاص الذى يتعمد جيش الإحتلال الإسرائيلي إطلاقة على الجوعى ممن أتوا للحصول على الطعام من المدنيين العزل ومنهم الأطفال والنساء والمرضي، لم يعرف مصير الطفل أمير حتى روى قصته ضابط أمريكي شاهد الحدث بنفسه بعدما رأى إختلاط دقيق الطحين بدماء الجوعي .
الأم سناء حائره حزينة متعبة فقدت الأمل فى مصير إبنها ولم تعرف ما جرى لطفلها مدة ستة أيام من البحث فى كل مكان ولم تعرف مصير إبنها عبد الرحيم حتى بدأت إنتشار صورته وقصته من خلال ضابط أمريكي عمل فى مركز توزيع المساعدات فيما تعرف بمؤسسة غزة الإنسانية فى شمالي رفح، وشاهدت الأم صوره إبنها وبدأت رحلت البحث التى لم تتوقف من قبل لمعرفة مصيره، وهو مصير المئات يومياً ممن يتعرضون لإطلاق الرصاص الحي أثناء بحثهم واستلامهم الطعام من نقاط توزيعها فى مقر غزة الإنسانية فى رفح .
حتى خرج أنطونيو اقيلار الضابط الأمريكي السابق الذي عمل لوقت قصير فى مؤسسة غزة الإنسانية لتوزيع المساعدات كشاهد على تعمد جيش الإحتلال الإسرائيلي قتل الطفل الذى أختار له أسم أمير، وأمة تسمية عبد الرحيم .
الضابط الأمريكي انطونيو اقيلار يشعر بالأسف لما جري للطفل أمير حيث صرح فى شهادته قائلا فى ال 28 من شهر مايو الماضي من العام 2025 فى مركز توزيع المساعدات المؤمن رقم 2 أقترب منى هذا الطفل ذو العشرة أعوام تقريباً وقبل يدي وشكرني ولم يكن يرتدي حذاء وكان نحيف لدرجة أن ملابسه كانت تتساقط يبدو عليه الجوع الشديد والتعب الشديد، كان يحمل فى يده نصف كيس من الأرز والعدس إلتقطهما من الأرض .
قبلني الطفل أمير قبله على اليد وقال لي شكراً ، تم لملم أمير أغراضه وعاد إلى جموع الناس للعودة من حيث أتي وفى تلك اللحظة بدأ الجيش الإسرائيلي بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص الحى على جموع الناس من الأطفال والنساء والمرضى الذين كانوا متواجدين بالمكان ولا يشكلون أى خطر إنهم مدنيين عزل كانوا يتجهون نحو مغادرة الموقع، ولكن الجيش الإسرائيلي كان يطلق النار على الفلسطينيين الذين يتساقطون على الأرض بشكل مباشر ومتعمد، وكان الطفل أمير واحداً منهم، لقد قطع الطفل أمير مسافة 12 كيلو متر للحصول على الطعام ولم يحصل إلا على الفتات القليل وشكرني على ذلك ومات .
لم يكن أمير الطفل الأول الذى قتله جنود الإحتلال الإسرائيلي ويقدم الضابط الأمريكي انطونيو اقيلار شهاداته فى وسائل إعلام عالميه عن محافل قتل يومية مروعة لجرائم متعمدة يرتكبها جيش الإحتلال الإسرائيلي بحق الأطفال والنساء والمدنيين الفلسطينيين بشكل متعمد مما أخرجه عن صمته لرفضه تلك الجرائم .
وأكثر ما يؤلم والده الطفل عبد الرحيم أو كما أسماه الضابط الأمريكي ( أمير) أنها شاهدت قصه طفلها الجائع وهو حافى القدمين منهك متعب يقبل يدهم ويشكرهم تم يقتله جندي آخر يعتلى دبابة وهكذا مات الطفل أمير ويموت كل يوم مئات الأطفال بتلك الطريقة فى صمت وغياب كل المؤسسات والتشريعات والقوانين الدولية رغم كل تلك الشهادات لم يحاسب أى مجرم منهم على فعلته فكيف نطلب من أطفال فلسطين إحترام القانون الدولي الذى لم ينصفهم ابدأ
، هكذا رحل الطفل أمير وأطفال غزة بفلسطين تاركين وصمه عار فى جبين كل المؤسسات والتشريعات والقوانين الدولية ليبقى شاهدا على تعطل العدالة أمام الحق الفلسطيني .
والشيء الاكثر ألما أن جثمان الطفل لم يعود حتى اللحظة وربما ترك علي الأرض لمده شهرين ويكون قد تحلل بالتراب
ليبقى ألم الفقد والغياب يشتعل حزنا فى قلب أمه، بأنها فقدت صغيرها ولم تستطع العثور على جثمانه وإلقاء نظرة الوداع وتقبيل جبينه شيء مؤلم الفقد بدون وداع لطفل صغير تعلق قلب أمه به ومازالت تبكي علية وقلبها ينزف حزنا وألما
ومن هنا أوجه رسالة لذلك الجندي الإسرائيلي المجرم هل تستطيع النوم بعد قتلك للطفل أمير وأطفال آخرين؟
أعلم بأنك تفزع من نومك وترى وجوههم فى كل مكان وفى كل لحظة وتراهم فى نومك، وعندما تريد شرب الماء تراها بلون دماء أطفال فلسطين الذين قتلتهم وتسمع صرخاتهم فى رأسك يدوي بصوت عالى صرخات تؤلم ضميرك وترى وجوه أطفال غزة الذين قتلتهم فى وجه كل طفل تقابله بعد ذلك فى حياتك .
أيها الجندى المجرم لن تستطيع إكمال حياتك لأن أرواح من قتلتهم سوف تلاحقك فى كل مكان لتفسد عليك حياتك كما سلبت منهم طفولتهم، وتلك هى محكمة الذات التى سوف تنتزع منك حق كل طفل فلسطيني قتلته واشدها هى لعنه الطفل أمير التى سوف تلاحقك فى كل مكان بصوت عالى تقول لك أنت قاتل مجرم .
رحل الذين نحبهم، حيث تلتقى الأرض بالدماء لتصبح أنهارا وتعجز الكلمات عن الوصف لآلام غير قابلة للتداوى، فى حكاية وجع تتكرر فى كل بيت فلسطيني والمجرم دائما هو جندي حاقد محتل لأرض فلسطين، رحلت الطفلة الفلسطينية الجميل فاطمة أبو دقة استشهدت وماتت مع جدتها أم عمر أبودقة ، هناك أطفال لا يزالون يحتفظون بالأمل رغم كل شيء، قبل استشهادها وموتها طلبت طلباً غريباً ألا وهو أن يضعوا فيديو لها مع أنشودة "رحل الذين نحبهم" وبالفعل تم وضع الفيديو تنفيذاً لوصية الشهيدة الطفلة فاطمة أبو دقة، ذلك أقسى أنواع الوجع حين يشعر الطفل الصغير فى قطاع غزة بفلسطين بأنه سيموت بتلك الحرب اللعينه يعلم بأن جميع حقوقه قد سلبها منه الإحتلال الإسرائيلي وأن طفولته سلبت باكرا ولم يعد من الطفولة سوى إسمها لقد كبرت الأطفال فى غزة عشرات السنين وهم مازالوا فى المهد صغاراً ولكن العذاب والخوف والرعب والقتل والدمار والجوع والمرض يلاحقهم فى كل مكان، أطفال غزة الذين نجا بعضهم من تلك الغارات الجوية الإسرائيلية وقصف المدفعية الهمجية التى دمرت حياتهم إلى الأبد، وحولتهم من أطفال يلعبون تحت الشمس إلى شهداء وأيتام يعيشون الألم والفقد في صمت داخل المقابر للأبد وإن كان بعضهم أحياء فلم يعد للطفولة معنى بعد أن سلبها منهم الإحتلال وقتل فيهم كل شيء جميل .
فأدركت الطفلة فاطمة أبو دقة ذلك جيداً وسجلت للعالم فيديو لا تطالبهم فيه بشيء ليقينها التام بعجزهم وخذلانهم وربما مشاركتهم في عملياتها ومعاناتها، لقد أدركت ذلك جيداً حين فقدت بيتها وألعابها وطفولتها وجميع حقوقها، أدركت ذلك جيداً فلم تطلق نداء استغاثة أو تستجدي عطفهم بل قالت فى رسالتها عند موتي شغلوا ذلك النشيد وتلك الكلمات التى تقول " رحل الذين نحبهم" وهي رساله وداع تركتها لأهلها ولمن تحبهم ولأطفال فلسطين والعالم، لقد أصبحت رسائل الأطفال فى قطاع غزة هى رسائل وداع للأهل والأحبه ولم تعد تستغيث بأحد لأن الجميع خذل طفولتهم، نعم لقد رحل الذين نحبهم، سلاما لروحك يا فاطمة أيتها الطفلة الفلسطينية لعل كلماتك تحرك ضمائر العالم ويزول الخذلان ويعيش أطفال غزة بفلسطين فى سلام وأمن وأمان، فاليوم نقول رحل الذين نحبهم وغدا سنقول رحل الأعداء عن بلادي لتنعم روحك بالمحبة والسلام
وتستمر حكايات الوجع وندفن أحياء
ندفن أحياء ونحن مازلنا على قيد الحياة لم نمت، ولكن من تلك الفتاة التى دفنت وهى تنبض بالحياة أو ذاك الشاب الذى دفن أشلاء
فاجعة لا يمكن تجاوزها حين نبكي مرتين، مرة حين نودع وندفع الأحبه ونحن لا نرى منهم ملامحهم بوضوح فى إشارة ودلالة على حجم جرائم الإحتلال الإسرائيلي البشعة فى قطاع غزة، غزة التى بات كل شيء فيها مؤلم ومليء بالإجماع حتى أصبحت العيون لا تستطيع البكاء والقلوب تحجرت من هول الصدمات وما عاد هناك متسع لمزيد من الأحزان وبتنا أجساد بلا أرواح، وبات الموت يلاحقنا فى كل مكان وصرخت المقابر بعالى الصوت كفا لا أريد مزيداً من الأكفان، وباتت القبور التى لا تضم أصحابها حين تختلط الأشلاء ببعضها بالعشرات وبالمئات فى جرائم لا حصر لها وبات ذويهم يأخذون أشلاء أبناؤهم بالميزان حسب الأعمار للأشخاص المتوفين فهذا يمنح 25 كيلو من الأشلاء وذلك يمنح 50 كيلو من الأشلاء وذلك أكثر وآخر أقل ليشعر ذويهم بأنهم حصلوا على أجساد أبناؤهم ليقوموا بدفنهم والحقيقة المرة هى كثير منهم ليسوا لذويهم فالأشلاء عانقت بعضها البعض واختلطت فى مشهد رهيب لا يعرف هذا من ذاك بسبب حجم الجريمة والكارثة التى ارتكبها جيش الإحتلال الإسرائيلي فى غزة ودوما يفلت من العقاب بسبب الصمت والخذلان، فنحن نموت ألف مرة باليوم مرة لأننا نقصف من الإحتلال وألف مرة بسبب الصمت والخذلان العربي والدولي .
فى قطاع غزة إعتاد الأهالي أن يودعوا أبناءهم فى كل صباح خشية ألا يعودوا وذلك كثيراً ما يحدث مما يضطر الأهالي للبحث عنهم فى المساء بين الركام والأنقاض وفى أروقة المستشفيات وثلاجات الموتى .
ومن أكثر القصص وجعاً حين تستسلم للقدر وتظن بأن من فقدتهم هم أولئك الأموات الذين وجدتهم فى ثلاجة الموتى فغالبا حين يقصف الإحتلال الإسرائيلي الناس المدنيين في أماكن تجمعهم بحثاً عن الغذاء والماء بعضهم يموت ويقطع أشلاء وبعضهم يكون مصاب وتتقدم دبابات الإحتلال الإسرائيلي وإما تقتل من تبقوا على قيد الحياة أو تعتقلهم لإنتزاع منهم معلومات حول غزة ومقاومتها رغم أن من تعتقلهم مدنيين ونساء وكبار السن ولكنها تتعمد إعتقالهم وإذلالهم بوحشية لا مثيل لها.
كثيراً من الأهالي ودعوا أبناؤهم ودفنوهم على أنهم شهداء وهم
جثة متفحمة، لا ملامح لها بلا وجه، بلا عينين ، ودُفنوهم وبكوا عليهم فى لحظات وداع مؤلمة واصبحوا هم ذكريات خالده فى قلوبهم، ويبكونهم بحرقه كيف لا وهم فلذات الأكباد، بكاء ورثاء يليق بالشهداء،
لقد صدق الأهالي وأقنعوا أنفسهم بأن هذه الجثمان لذويهم، فماذا يفعل الموجوع أمام ألم الفقد؟
دفنوا الجثمان، وبكوا بحرقه كما يبكى الغائب إلى الأبد.
وترفع الأم كفّيها تدعوا الخالق عز وجل بأن تكون الجنه الملتقى للأحبة،
ثم تبدأ حكاية وجع جديدة حين نكتشف بأن من دفناهم ليسوا هم فلذات أكبادنا ويأتي الخبر كالصاعقة بأن من فقدتموهم ودفنتموهم مازالوا أحياء معتقلين ولم يموتوا
لكنهم مرضى مصابين تم اعتقالهم أحياء لا يستطيعون السير نحو الباب وإخبار الأسري بقصتهم فالجميع داخل السجن يعذب ويتعرض للإنتهاكات ويحرم من النوم والغذاء والدواء ويتعرضون لأشد انواع العذاب لإنتزاع منهم إعترافات لا أصل لها حول ما يجرى فى قطاع غزة، يريدون من المدنيين المعتقلين الإدلاء بمعلومات مفيدة حول إختفاء الأسرى الإسرائيليين وحول المقاومة فى غزة وهذا هراء غير معقول وغير مقبول فكيف لمواطن بسيط أن يعرف هكذا أمور وكيف يعذب ويضطهد النساء وكبار السن ويتعرضون لجرائم بشعة وكثير منهم تعرض للإغتصاب من جنود مرتزقة وآخرون تعرضوا للإغتصاب من حيوانات الكلاب التى تم تدريبها لفعل ذلك الشيء ويفعلون ذلك مع الأسري أمام أسري آخرين لترهيبهم وتخويفهم ونزع منهم إعترافات حول ما يريدون، إنه جيش الاحتلال الأكثر وحشية والغير أخلاقي على الاطلاق، هنا تأتي المفاجئة للأهالي بعد مرور أشهر من العذاب بأن أفئدة قلوبهم التى دفنت مازالت على قيد الحياة أسيرة معتقلة ولكن للأسف كثير منهم عاد مبتور القدمين أو اليدين رغم أن حالتهم لم تكن تستدعى ذلك ولكنهم مجردين من الأخلاق يقوموا بتكبيل الأسري لأشهر برباط بلاستيكي يأكل اللحم والعظام فى أيادي الأسرى وأرجلهم عندما يكبل فترات طويلة ولا يسمح لهم بقضاء حاجتهم فيضطر معظمهم لقضاء حاجته على نفسه ومن يطلب بعض الماء للشرب يقوم الجنود بالتبول على رأسه وجسده وعذاب طوال اليوم بالضرب والإهانة وبإطلاق الكلاب المدربة وتعذيبهم وترهيبهم وكثير منهم للأسف بترت أطرافة نتيجة لذلك بدلاً من تقديم لهم الرعاية الصحية وعلاج الجروح يتعمد الإحتلال بتر أطرافهم والطبيب غير مؤهل لذلك وفاقد للأخلاق ويشارك فى شتم وسب وضرب الأسرى المرضى وكثير من الأسرى خرج مشلولا أو مبتور القدمين بسبب ما عاشة خلف القضبان.
ومازالت الأوجاع مستمرة حين يكتشف الأهل بأن من دفنوه قبل أشهر هو ليس إبنهم أو إبنتهم فقط كانوا يعتقدون بأن المتوفى من ذويهم لأنه عند وقوع الجريمة البشعة تسقط الأوراق الثبوتية من أيادي المصابين وتتمزق بعض ملابسهم والجيش حين يعتقلهم يتعمد إعتقالهم عراه ويترك ملابسهم مع من هم بالمكان أشلاء وحين تقوم الفرق الطبية بجمع الأشلاء تأخذ كل شيء بالمكان لربما يتعرف الناس على ذويهم من تلك الأوراق والملابس ولأنهم أشلاء يصعب تحديد هذا من ذاك وتكون ورقة أو قطعة ملابس هى الدليل للتعرف على الأحبه
وبين الحين والآخر يطلق الإحتلال سراح بعض الأسرى ممن إعتقلهم فيعود هؤلاء لذويهم ويدق باب وعامود الخيمة التى نزح إليها قبل الإعتقال فيصدم الأهل بعوده من ظنوا أنهم رحلوا ويقع الخبر عليهم كالصاعقة وكذلك عند عوده بعض الأسرى يعودوا محملين ببعض الأخبار عن مفقودين لا يعرف مصيرهم فيخبروا الأهالى بأن هناك الكثير من المفقودين هم معتقلين فى سجون الإحتلال الإسرائيلي ويعددوا بعض الأسماء التى حفظوها ليخبروا ذويهم بأنهم ما زالوا على قيد الحياة وهنا تقع الصدمة مجدداً حين يكتشف الأهالى بأن أبناؤهم مازالوا أحياء ويتبادر للأدهان جثمان من الذى قمنا بدفنه وجثمان من الذى بكينا عليه وهنا يكتشف الجميع بأن هناك عائلة آخرى تبحث عن جثمان ذويها قامت عائلة آخرى بدفنها بطريق الخطأ على أنها جثمان ذويهم، أى وجع هذا الذي يعيشه الشعب الفلسطيني فى قطاع غزة بفلسطين فهل تلك المعاناة وحدها تصف للعالم حجم المجازر البشعة التى يرتكبها الإحتلال الإسرائيلي فى قطاع غزة أو مازال العالم ينتظر المزيد من الجرائم
تعود الأحزان إلى خيمة النزوح نعم خيمة لأن البيت هدم ، ولكنها تعود بشكل مختلف، أحزان يصاحبها أوجاع حين يعود الميت للحياة يعود مبتور القدمين يعود جسدا بلا روح، وحين يعلم العائد بأنهم دفنوه حيا وينظر إلى حالة وما فعله به الإحتلال الإسرائيلي يتمنى بأنه لو فارق الحياة لكان أفضل من تلك المعاناة فى ظل غياب كل شيء غياب الأمل وغياب البيت وغياب الأمن والإستقرار وغياب مقومات الحياة ومزيداً من العذاب والأوجاع حينها يصبح الموت هو الأكثر راحة
وكم من جثمان دُفنت فى غزة لا تعود
لذويها؟"
تعمد الإحتلال الإسرائيلي نهج الإخفاء القسري، ونبش القبور والتلاعب بالجثامين
وأفادت تقارير حقوقية صادمة كشفت من خلالها بأن 44 مقبرة في غزة أو ما يزيد تعرضت للنبش والتدمير خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023
وقام الإحتلال الإسرائيلي بشكل متعمد دفن الكثيرين فى مقابر جماعية، وآخرين سلّم جثامينهم دون أوراق ثبوتية
مما جعل الكثير من العائلات تعيش الحزن والحداد على ذويهم ممن هم ربما ما زالوا على قيد الحياة.
كل ذلك يحدث فى غياب القانون الدولى والمعاهدات الدولية التى كفلت حياة آمنه للمدنيين العزل والطواقم الإغاثية من طواقم الإسعاف والدفاع المدني والأطباء والكوادر الصحية وحماية المستشفيات ودور العبادة، كل شيء انتهك فى قطاع غزة أمام أعين الجميع وتعطلت كل القوانين والمواثيق الدولية، نكتب عن قصص إنسانية واقعية عاشها الشعب الفلسطيني تحت جبروت الإحتلال الإسرائيلي لتعلم الأجيال اللاحقة فى المستقبل حجم الجرائم البشعة التى إرتكبها الإحتلال الإسرائيلي بحق شعب أعزل فى فلسطين لتبقى شاهدة على العصر فى ظل صمت عالمي على المستوى الرسمي غير مبرر حين تتعطل القوانين فى قضية فلسطين.