باغتتنى السيدة الغزاوية الستينية بالتأكيد على تصريح سمعته من الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة الفلسطينية فحواه أن الرئيس عبد الفتاح السيسى وافق على إعطاء الفلسطينيين مساحة من الأراضى المصرية على حدود غزة مقابل التخلى عن حدود عام 67 , وكانت فى حالة غضب واستياء معتبرة أن معركة فلسطين مع اسرائيل وليست مع مصر .
ورغم محاولاتى وجهودى المضنية باقناعها أن هذا الكلام عار عن الصحة , وأنه مجرد فبركة إعلامية اسرائيلية مقصود منها الوقيعة والبلبلة بين مصر والفلسطينيين , وأن هناك نفيا قاطعا لهذه الأخبار التى نقلها موقع "والا " الاسرائيلى , إلا أنها بدت مصدقة للخبر وطفقت فى الحديث بزهو عن المقاومة الفلسطينية التى أظهرت استبسالا فى الدفاع عن غزة فى الحرب الاسرائيلية العدوانية الأخيرة قائلة : ستعود فلسطين إلى الفلسطينيين بالقوة كما أخذت بالقوة , مستشهدة بمقولة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر " ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ".
غير أن الحديث أخذ منحا آخر فبدأت بالغمز إلى مناقب حركة حماس وماأظهرته من شجاعة فى الحرب وإن كانت قد جمعت معها باقى فصائل المقاومة على استحياء , إذ لمست فى طيات حديثها غير المرتب إعجاب كبير بحركة حماس , بل زادت أن شعبيتها ازدادت فى غزة بشكل كبير , وأنه لو قدر إجراء الانتخابات الآن فإن حركة حماس ستفوز بلا منازع .
حقيقة أن كلامها هذا أصابنى بصدمة فلم أكن أتوقع هذا الدفاع المستميت عن حماس , وبهذا التحول فى رؤية شريحة كبيرة من الغزيين , بل امتد هذا التأييد والاعجاب بالحركة ليطال قطاع كبير من المناصرين لها فى الضفة الغربية أيضا , وهو الأمر الذى يؤكده استطلاعا كان قد أجراه المركز الفلسطينى للبحوث السياسية والمسحية ويظهر أن حركة حماس ستحقق نصرا كاسحا فى الانتخابات الفلسطينية إذا ما أجريت اليوم بعدما زادت شعبيتها فى أعقاب الحرب التى شنتها اسرائيل على قطاع غزة واستمرت سبعة أسابيع .
فقد أظهرت آراء أكثر من ألف فلسطينى شملهم الاستطلاع فى غزة والضفة الغربية المحتلة تحولا شعبيا غير مسبوق لدعم حماس , وأظهر المسح أن رئيس الوزراء السابق والقيادى فى حركة حماس اسماعيل هنية سيفوز بنسبة 61% من الأصوات فى الانتخابات مقابل 32 % لمحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية فى سباق يقتصر عليهما , ورأى نصف المشاركين فى الاستطلاع (53%) أن النهج المسلح قد يساهم فى قيام الدولة الفلسطينية , فى حين أبدت نسبة 20% تأييدها للسبل السلمية .
هذا الاستطلاع يعيدنا إلى رؤية السيدة التى كانت تدافع بشراسة عن حركة حماس , وتعتبرها المنقذ المخلص من سطوة الاحتلال الاسرائيلى الذى طال أمده ولم يعد فى الأفق أى حلول أخرى تضيئ آخر النفق , وهو يظهر أيضا مدى سأم الفلسطينيين ونفاذ صبرهم من الوضع الكارثى الذى يعيشونه , فلا أفق سياسى فى المنظور القريب ولا شبهة حل جدى لأزمة الصراع الفلسطينى الاسرائيلى , وعلى الرغم من أن أهالى غزة قد ذاقوا الأمرين فى عهد حماس , لكن سرعان ما تناسوا ذلك والتفوا حولها ظنا منهم أنها الوحيدة التى لا زالت قادرة على التصدى لاسرائيل والوقوف فى وجهها , وامتد هذا الاعتقاد إلى قطاع كبير من مواطنى الضفة الغربية رغم أن حياتهم أكثر استقرارا وأمانا من سكان قطاع غزة .
هذا التحول فى الرؤية الفلسطينية يعطى مؤشرا خطيرا لما أصاب الوعى الجمعى الفلسطينى الذى ضاق ذرعا بالمفاوضات والمراوغة الاسرائيلية , كما أنه يعطى مؤشرا آخر يدلل على ذكاء حماس فى استرداد الوهج الشعبى المؤيد لها بعد أن خفت وتضائل كثيرا فى مراحل سابقة ليست ببعيدة , والخطورة هنا تكمن فى تقمص حماس لدور البطل والفارس المحارب الوحيد فى الساحة الفلسطينية , فى الوقت الذى أنتهج فيه الرئيس عباس والجناح المناوئ لها (حركة فتح) نهج السلام والمفاوضات فسقطوا فى براثن ألاعيب الاحتلال , وبالتالى فقدت حركة فتح الشعبية الكبيرة التى كانت تحظى بها أيام الرئيس الراحل ياسر عرفات , وتراجع دورها التاريخى فى المقاومة والكفاح المسلح منذ نشأتها وحتى الآن .
ليس تقليلا من قيمة المقاومة لكن عقيدة حماس على مر التاريخ لم يكن من بينها تبنى الكفاح المسلح ضد اسرائيل الذى أصبح هدفا يغازلون به مشاعر الناس , ويبيعون به الوهم للبسطاء الذين فقدوا اليقين فى أى سلام يقوم على الحوار مع اسرائيل , ولعل أزهى عصور الأمن فى اسرائيل كانت الفترة التى اتفقت فيها مع حماس على تهدئة فى غزة استطاعت الأخيرة صونها ببراعة .
عن الاهرام